المقالة السابعة

الوجود وواقع الاشياء

 

 

المقدمة

 ينصب البحث في هذه المقالة على درس الوجود وواقع الأشياء، وبعبارة أُخرى تتناول هذه المقالة بالدرس بحث ((الوجود))، الذي يشمل لوناً من القضايا التي تعرف في الفلسفة بأبحاث الوجود ونظرية الوجود.

يتداول الباحثون في الفلسفة مصطلح الوجود أَكثر من تداولهم لأَي مفهوم ومصطلح آخر؛ وآية ذلك أَنَّ الوجود أَو الموجود هو موضوع الفلسفة (راجع المقالة الاولى)؛ ومن هنا اضحت الفلسفة فناً مستقلاً عن سائر الفنون، التي تحمل مصطلح ((العلم))، والتي يطلق على كلٍ منها اِسم خاص. ومن الواضح أَنَّ الباحث يتعامل في كل فن من الفنون مع موضوع ذلك الفن بشكل أساس. في هذا الضوء أمكننا أن نسمي الفلسفة ((علم الوجود)) مقابل علم الأعداد وعلم المقادير وعلم النفس وعلم الحيوان وعلم المعادن... أي أَنَّ الفلسفة تتعلق بمفهوم متميز هو مفهوم الوجود أو الموجود، على غرار تعلق سائر إنتاج الفكر البشري بمفهوم محدد.

بدءاً علينا أن نلفت نظر القارئ المحترم اِلى أَنَّ مصب درس هذه المقالة ((أبحاث الوجود)) باب فتحه الحكماء المسلمون إِبان الحقب الأخيرة في الفلسفة، وعكفوا على تمحيص أطراف هذه البحوث بعمق ودقة. وقد عدَّ هؤلاء الحكماء هذه البحوث أُصولاً أساسية لسائر أبحاث الفلسفة، إذ يعتقد هؤلاء الحكماء أَنَّ مفتاح سائر المشكلات الفلسفية يمكن العثور عليه عبر هذه البحوث. وعبر التوفر على هذا المفتاح يمكن النجاح والحصول على نتائج قطعية في سائر أبحاث الفلسفة.

إنَّ البحث في ((الوجود)) يضرب في عمق التاريخ العقلي، فقد تناولته مدارس الفلسفة اليونانية بالبحث، كل حسب منهجه الخاص. وقد ميّز أرسطو في دائرة معارفه قسماً خاصاً، عُرف فيما بعد بـ ((الفلسفة الأولى)) أو العلم الأعلى ((الميتافيزيقا))، تناول بالبحث لوناً خاصاً من المشكلات، وتميز عن سائر الأقسام الأُخرى، التي يبحث كل منها عن موضوع مستقل، ويكمن سبب هذا التمييز في أنَّ هذا القسم الخاص تدور أبحاثه حول محور الوجود.

لقد صرّح أرسطو في ما بعد الطبيعة (كتاب الحروف)، في مقالة الجيم: إن أبحاث هذا القسم لا تتلائم مع الرياضيات أو أي علم من العلوم؛ لأن موضوع البحث في هذا القسم اعم من مواضيع الطبيعيات والرياضيات وغيرها.

جاءت كلمة ((هوية)) معادلاً لهذا المعنى الاعم في الترجمة العربية لكتاب الحروف، لكن الحكماء المسلمين اِستبدلوها بكلمة ((الموجودات))، ولعل أول من استعمل هذه الكلمة الأخيرة هو أبو نصر الفارابي في رسائله. على أي حال يقر المحققون الغربيون والشرقيون بأَنَّ الفلسفة الأولى والعلم الكلي الذي يشمل أعم المسائل إبتكار أرسطي، وإنَّه بحث عن الوجود والموجود، وموضوعه الوجود المطلق. من هنا فالبحث في الوجود يضرب في عمق التاريخ، بل الفلسفة الاولى من حيث الأساس هي بحث عن الوجود.

لكن الأبحاث التي جاءت في الفلسفة الإسلامية تحت عنوان ((مسائل الوجود)) (والتي تحتل فصلاً مستقلاً اختصت به هذه المقالة) تمثل لوناً خاصاً من المسائل. ففي ضوء تتبعنا وعلى هدي المعلومات التي انتهينا إليها إتضح لنا أَنَّ هذه الأبحاث دخلت حريم الفلسفة الإسلامية بالتدريج، فجلبت إنتباه المحققين، حتى أضحت أكثر مسائل الفلسفة جديةً وأصالة، ومن ثمَّ مسكت زمام المبادرة في تحديد مصير الفلسفة الإسلامية.

إنَّ هذه الأبحاث إنطلقت من نظريات المتكلمين واتجاهات العرفاء، وتأثرت بها بدرجة أكبر من إرتباطها بالمصادر اليونانية وغير اليونانية. على أنَّ هذه الابحاث طُرحت في دائرة المتكلمين والعرفاء بشكل مبسط وابتدائي، مضافاً إلى افتقارها في هذا الاطار الى التحليل الفلسفي العقلاني السليم. لكنها بعد أَن دخلت ميدان البحث الفلسفي وضعت تحت مشرط التحليل والتركيب الفلسفي، فتوفرت على نضجها، حتى أضحت على صورتها النهائية في القرون الأخيرة. وسوف نشير ضمن إيضاح وتحليل هذه الأبحاث في هذه المقالة الى وضع هذه الأبحاث لدى المتكلمين والعرفاء وتطورها في الفلسفة. ونشير إشارة تتناسب مع حجم كتابنا، لنضع بيد القارئ المحترم مفتاح هذه الأبحاث.

أما لِم لم تقع هذه الأبحاث بمفهومها الشرقي موقع إهتمام الفلسفة الأوربية الحديثة، ولم يتعد الامر دائرة الاشتراك اللفظي في بعض الإبحاث نظير ((أصالة الوجود)) حيث يتباين مفهومها في الفلسفة الإسلامية عن مفهومها الحديث في الغرب؟ يعود السبب الى إنقطاع الصلة بين الفلسفة الأُوربية والفلسفة الإسلامية في القرون الأخيرة.

إذا كان قارئنا المحترم مطلعاً على الكتب العلمية إطلاعاً وافياً فإنه يعرف السّنّة السائدة لدى الأقدمين في تدوين العلوم، حيث يبدؤون بمقدمة تطرح ثلاثة أبحاث، تتناول موضوع العلم، وتعريفه، وفائدته ويضيفون أحياناً أُموراً أخرى. وهذه السّنّة جارية في كل العلوم والفنون من الفلسفة وغيرها. ويضيفون في مقدمة البحث عن الفلسفة (العلم الكلي أو الفلسفة العليا حسب مصطلح المتقدمين) وأحياناً في كتب المنطق (كما هو الحال في منطق الشفاء) أموراً أُخرى: تقسيمات العلوم، تمايز العلوم، ماهية موضوع العلم... وغيرها.

وقف العلماء باستمرار على أَنَّ مقدمة كل علم، أي تحديد موضوعه وتعريفه وتحديد فائدته، لا يمكن أن تكون جزءاً من ذلك العلم، وإنَّ تقسيمات العلوم ليست جزءاً من الفلسفة أو المنطق، وسر هذا الامر واضح، وسيتضح بشكلٍ أكبر عبر القادم من البحث. ولكن ليس هناك علم يتكفل بشكل مستقل درس هذه المواضيع، وما هو مألوف الآن في مقدمة كل علم لم يكن متداولاً في الدراسات القديمة.

لقد خطى العلماء المحدثون خطوة مثمرة ـ ضمن خطواتهم المثمرة العديدة ـ في عالم الفلسفة والمنطق. فاستحدثوا فناً مستقلاً تكفّل إيضاح المواضيع المتقدمة، وأضافوا فقرات مهمة أُخرى، نظير ((الاصول المتعارفة)) و ((الاصول الموضوعة)) التي تستخدم في كل علم، والمنهج الذي يستخدم في كل علم من العلوم بغية تطوير البحث في ذلك العلم.

والموضوع الأخير أهم المواضيع التي تنبه إليها هؤلاء الباحثون، أعني بيان إختلاف العلوم من زاوية المنهج، وتحديد الإسلوب الفكري الذي يسلكه كل علم للوصول إلى النتائج المطلوبة. وذهب هؤلاء الباحثون إلى أنَّ العلوم فتحت باب التكامل والتطور حينما تحددت مناهج البحث، وإنَّ علة ركود العلوم في العصور الماضية ترجع إلى غياب المنهج السليم والمطلوب لكل علم، ويتجلى هذا الغياب في استخدامهم المنهج العقلي البرهاني في الحقول التي يجب أن يستخدم فيها المنهج التجريبي.

على أي حال تطور البحث في هذا الموضوع حتى طغى على سائر المواضيع الأُخرى، وظهر إلى الوجود علم جديد أطلقوا عليه ((مناهج البحث)). وقد ذهب هؤلاء الباحثون إلى أَنَّ الفائدة المترتبة على معرفة مناهج البحث أكبر بكثير من الفائدة التي تترتب على معرفة صورة الإستدلال. ومن هنا قسموا المنطق الى حقلين: المنطق الصوري وهو منطق أرسطو ذاته، ومناهج البحث التي تتكفل تصنيف العلوم وتعريفها وتحديد موضوعاتها وفوائدها ومناهجها وأُصولها المتعارفة والموضوعة.

بديهي أَنَّ استقصاء البحث في ما يُعرف اليوم بـ ((مناهج العلوم)) لا علاقة له بالبحوث المطلوبة في مجموعة مقالات هذا الكتاب. إلا أَنَّنا نضطر إلى بيان الموضوعات التي ترتبط مباشرة بالبحث الفلسفي، والتي يؤدي تركها وعدم بيان وجهة نظرنا فيها إلى خلق إشكالات في ذهن القارئ المحترم. خصوصاً وأن بعض هذه الموضوعات ـ حسب تتبعنا ـ لم تدرس حتى الآن.

طرحنا في المقالة الأُولى تعريف الفلسفة وموضوعها وفائدتها، وبحثنا في المقالة الخامسة حول سلامة المنهج العقلي الذي تعتمده الفلسفة. وبحكم أَنَّ المسائل المطروحة في هذه المقالة ـ كما أشرنا ـ تمثل أساس سائر المسائل الفلسفية، وتعد مفتاح البحث الفلسفي نعكف في المقدمة على إيضاح سائر الموضوعات الضرورية التي تشمل مايلي:

1 ـ تمايز العلوم.

2 ـ ماهية الموضوع.

3 ـ منطلقات مسائل العلوم أو المبادئ التصورية والتصديقية.

4 ـ منطلقات الفلسفة أو مبادئ الفلسفة.

5 ـ المنهج في الفلسفة.

6 ـ إختلاف العلوم من زاوية الاصول المتعارفة والموضوعة والمنهج.

 

تمايز العلوم

يبدأ كل علم بمجموعة مسائل بسيطاً محدوداً، ثم يأخذ بالنمو والإتساع. وقد سعى الإنسان منذ القدم إلى تصنيف المسائل العلمية، وإطلاق اسمٍ على كل صنف منها: طب ـ هندسة ـ حساب ـ منطق ـ فلسفة.. وكأنه يجد أفراد كل صنف من الأصناف بمثابة أفراد أُسرة واحدة، تنشعب من أَصل واحد وتعود الى جذر واحد، وهذه هي جهة تميزها عن سائر أفراد الأصناف الأُخرى. وتتكاثر هذه الأُسر بالتدريج، أي عبر جهود الباحثين المتواصلة وتنجب أفراداً أُخرى من الجذر الواحد مباشرة.

ونلاحظ أحياناً ترابطاً بين أفراد بعض الأسر وأفراد أُسر أُخرى رغم تمايزهما، ترابطاً يبدو أسرياً أيضاً، مما يحكي قرابة العلمين وارتباطهما، نظير الإرتباط القائم بين علم الحساب وعلم الهندسة. ونلاحظ أيضاً إرتباطاً بين الاُسر يشبه الإرتباط العرقي، نظير الإرتباط بين العلوم النظرية مع بعضها، مقابل الإرتباط بين العلوم العملية.

دفع هذا الإرتباط العائلي والعرقي الباحثين إلى تقسيم وتصنيف العلوم. وأول تقسيم وتصنيف نضع اليد عليه هو التقسيم الارسطي المعروف منذ القدم. وأوضح ابن سينا هذا التصنيف بافضل صورة، وقام بتطويره، وقد اعترض بعض الحكماء كشيخ الاشراق باعتراضات على هذا التصنيف، ودافع بعض آخر عن هذا التصنيف أمام اعتراضات شيخ الاشراق. وكل ذلك محرر في الدراسات المعدة لهذا الموضوع، ولا داعي للاطالة هنا في بيان ذلك.

إنَّما المهم هنا أن نوضح الأصل الذي يفضي إلى توحيد أفراد العلم الواحد تحت إطار إسرة واحدة، ويؤدي الى خلق رابطة ذاتية بين هذه الأفراد. وأَن نوضح أيضاً سر القرابة الاسرية والعرقية بين الاسر العلمية. وهل تتفرع كل أعراق العلوم حقيقةً وواقعاً من جدٍ أعلى، وإذا كان الأمر كذلك، فما هو هذا الجد وما هي حقيقته؟

لقد انتهى المنطقيون والفلاسفة بعد مزيد من البحث والتحقيق الى أَنَّ أي علم من العلوم لا يخلو من موضوع، وإنَّ الذي يوحّد بين مسائل كل علم هو موضوع ذلك العلم، وإنَّ سر القرابة الاسرية والعرقية يكمن في القرابة بين موضوعات العلوم. وإذا آمنا بوجود جدٍ أعلى للعلوم فهو يرتبط أيضاً بموضوعات العلوم.

 

ما هو الموضوع؟

موضوع كل علم عبارة عن ما يُبحث في كل علم عن أحواله وعوارضه والقضايا المرتبطة به. إِنَّ التأمل في مسائل أي علم وتحليل تلك المسائل يوضح أنَّ جميع تلك المسائل تتكفل بيان أحكام وآثار وعوارض وحالات شيء خاص، وهذا الشيء الخاص هو الذي يصيّر جميع تلك المسائل أفراداً لاسرة واحدة، ونسميه موضوع ذلك العلم.

وهنا تُطرح أمام الفلاسفة والمنطقيين إشكالية وهي: بحكم أنَّ موضوعات العلوم لا تتباين من جميع الجهات، بل هناك قرابة بين موضوعات العلوم ـ كما أَشرنا فيما تقدم ـ وهذه القرابة تفضي إلى قرابة أُسرية وعرقية بين العلوم. فالكم المنفصل الذي هو موضوع علم الحساب والكم المتصل الذي هو موضوع علم الهندسة بينهما قرابة جنسية، أي أنهما يرجعان الى جنس واحد وهو الكم.

هذا من جهة ومن جهة أُخرى فما يسمى موضوعاً لعلمٍ لـه أَنواع وأقسام، وكل نوع وقسم يختص بمجموعة أحكام وعوارض وحالات، نظير موضوع الهندسة، حيث قرروا أَنّه ((الكم المتصل))، الذي ينقسم إلى الخط والسطح والحجم، ولكل واحد من هذه الأقسام عوارض وأحوال خاصة به. ثم أنَّ ((العوارض والاحكام)) مصطلح مرن، فما يُعد عارضاً على قسم من اقسام الموضوع يعد عارضاً على ذات الموضوع أيضاً.

حينئذٍ إما أَن نعد جميع العلوم علماً واحداً، أي نعد مسائل جميع العلوم بمثابة أفراد أُسرة واحدة، تتفرع من أصل واحد، وننكر الإختلافات الأُسرية والعرقية بين العلوم، ونعد اختلاف العلوم مع بعضها اختلافاً وضعياً إعتبارياً، وإما أن نكثر العلوم تبعاً لتنوع وانقسام الموضوعات، مثلاً نعتبر الهندسة مجموعة من ثلاثة علوم: علم الخط، علم السطح، علم الحجم. بل أن نقسِّم هذه الأقسام إلى علوم، بحكم إمكانيتها للأنقسام، نظير قسمة الخط الى منحني ومستقيم.

أضف الى ذلك أنَّ موضوعات العلوم لا تتباين من جميع الجهات، وبينها وجه اشتراك. فنجد أحيانا أنَّ موضوع العلم الواحد ذاته جامع مشترك لموضوع علم آخر مع مجموعة أشياء أُخرى، فمثلاً موضوع علم النبات جامع مشترك لموضوع علم الحيوان ومجموعة من الأشياء، وهكذا...

أجاب المنطقيون والفلاسفة على هذه الإشكالية، وخلاصة الجواب: إنَّ العوارض والأحكام التي تنسب الى شيء من الأشياء تنقسم إلى قسمين: عوارض أولية أو ذاتية، وعوارض ثانوية أو غريبة. وبصدد تمييز العوارض الذاتية عن العوارض الغريبة هناك تحقيقات جيدة وجليلة، وأخصبها وأفضلها ما قام به إبن سينا في كتبه المنطقية، وخصوصاً في منطق الشفاء، رغم أَنَّ بعض المتأخرين لم يهضموا ما انتهى اليه من ملاحظات ضرورية، وسلكوا مسالك أُخرى، أدّت الى تشويش واختلافات كثيرة في هذه المسألة، حتى أَدلى بعض الغرباء على المنطق بآراء غريبة هوجاء في هذا الميدان.

إتضح أَنَّ مسألة تمييز العلوم وتصنيفها مهمة حساسة من وجهة النظر المنطقية، واتضح أيضاً أَنَّ تمييز العوارض الذاتية عن الغريبة مهمة حساسة من الزاوية المنطقية. وتمييز هذه الجهة يتطلب مقدمات منطقية كثيرة، لا تستوعبها هذه المقدمة وهذه المقالة، وعلى الراغبين في الاطلاع مراجعة الكتب المنطقية، خصوصاً دراسات ابن سينا.

ولكن ينبغي هنا أن نوضح الملاحظة التالية: بحكم أَنَّ العوارض الذاتية لكل موضوع إما أن يدركها الذهن بداهة ويتعرف على ارتباطها بالموضوع بشكل مباشر، وبدون إِقامة برهان، أو يدركها بواسطة برهان وعبر ((الحد الأوسط))، فمن المحتم أَن يكون الإرتباط بين كل موضوع وبين عوارضه الذاتية ارتباطاً واقعياً وليس اعتبارياً، ومن المحتم أَن يكون الموضوع كلياً وليس جزئياً.

على هذا الأساس فالعلاقة بين موضوعات العلوم الإعتبارية ومحمولاتها علاقة اعتبارية وليست واقعية، نظير علم القانون والفقه وأصول الفقه والنحو والصرف، وكذلك الحال في العلوم التي تتشكل مسائلها من قضايا شخصية كاللغة والتاريخ والجغرافية. والعلوم الإعتبارية خارج مقولات المناطقة؛ إذ الحديث عن تمايز وتصنيف العلوم إنما يوضح العلاقة الواقعية في مجال العلوم الحقيقية لا العلوم الإعتبارية. مضافاً أَنّ مجال هذا الحديث هو الكليات التي يمكن للذهن أَن يستدل ويستنتج من خلالها، لا الجزئيات التي هي على حد تعبير المنطقيين ((لا كاسبة ولا مكتسبة)). ومن ثم فالحديث ينصب في مجال العلوم التي يجري فيها البرهان بمفهومه المنطقي، نظير جميع العلوم العقلية المحضة والعلوم التجريبية.

أما بالنسبة إلى العلوم التجريبية والمختبرية فرغم أَنَّ البرهان غير جارٍ فيها بشكل مباشر، لكن يقينية البحث في هذه العلوم وكلية نتائجها ـ كما تقدم في المقالة الخامسة ـ رهن مجموعة براهين عقلية تتّكئ عليها هذه العلوم ضمنياً.