مدخل عام

في محاولات سابقة أنجزت بحوثاً حول الحكمة العملية، وقد اكتسبت بحكم دوافعها وبحكم الموضوع الذي امتزجت به طابع نقد العقل العملي في تطبيقاته واستخداماته العلمية. حيث كان ميدان الاستخدام علم أصول الفقه وعلم الكلام. وتركزت في أوّل الميدانين على الحقبة الاخيرة من إنجازات علماء أصول الفقه الامامي. ولم اغفل عنصر البحث النظري المحايد وأنا اخوض مع تلك الابحاث في تفاصيل التطبيق، بل اسفرت المحاولات عن إتجاه نظري في نقد وتقويم العقل العملي، يتبناه الباحث ويسعى إلى اثرائه وإحكام اُسسه.

على ان الابعاد النظرية التي طُرحت عبر اتجاهنا العام تستجيب بالدرجة الاولى إلى مطالب توظيف وتطبيق الحكمة العملية في ميدان علم الكلام وأصول الفقه. بينا تطرح في الفكر المعاصر ـ جراء الاهتمام المشهود بالبحث الاخلاقي والحكمة العملية عامة ـ أسئلة وإشكاليات تستحق البحث والاستيعاب بشكل عام، وتستدعي إتجاهنا النظري المختار أن يختبر نفسه في ظل هذه الاسئلة والاشكاليات، ويثري أبعاده النظرية عبر الاجابة عليها.

وعلى طريق إختبار إتجاه الباحث ونظريته في الحكمة العملية إتجهت في أحد البحوث التي جاءت ضمن المجموعة التي بين أيدينا، إتجهت إلى درس دور الحكمة العملية في أحد أهم أبواب الفقه الاسلامي لدى الشيعة الامامية، باب الاجتهاد والتقليد. هذا الباب الذي اُقيمت دعائمه على أساس من مباديء العقل العملي وفق نظرية مدرسة العقل الكلامية واتجاهها القائل بالحسن والقبح العقليين. وقد تأكّد لدي عبر هذه الدراسة الاثر الكبير الذي لعبه العقل العملي وطبيعة الموقف من قضاياه في تحديد الموقف في الاستنباط الفقهي ذاته، بعد أن اتضح عبر دراستي (الاسس العقلية) الدور الخطير الذي يلعبه هذا العقل في أصول الاستنباط الفقهي.

إن الحكمة العملية تلعب دوراً خطيراً في ارجاء المعرفة الدينية المختلفة، على حد ما تلعبه هذه الحكمة من دور رئيسي في تشكيل العقل الانساني وفي الحياة الانسانية عامة، إن ضمور البحث في الحكمة العملية مؤشر سلبي في حياة الاُمم، لان اكتشاف سبل النمو والنهضة يبدأ من الاصلاح وبناء قاعدة الحضارة وينتهي بالعلم والتقنية والمدنيّة.

إن إختيار لون الحياة السياسية وشكل النظام الاجتماعي لا يتحدد وفق معطيات ما هو كائن. بل ينطلق من خيارات الشعوب فيما يجب أن تفعل أو يُفعل. إن الجدل المعاصر حول التعددية والليبرالية، وحتى حكومة العمال أو سيادة النخب يتكأ أساساً على مفاهيم العقل العملي. والامر كما قال الاوائل من حكماء البشر، العقل العملي يهتم بتدبير السلوك والاسرة والمدينة، أي الاخلاق، الاجتماع الانساني، والسياسة، ويدخل في لحمتها وسداها المذهب في تدبير الحياة الاقتصادية.

وفي اطار متابعة الاشكاليات المعاصرة، التي اثارتها دراسات في حكمة الغرب حاولت التركيز على موضوع (هوية الاحكام العملية)، حيث تحددت كثير من الاتجاهات الحديثة في ضوء معالجة هذه الاشكالية. وسأتحدث عن هذا البحث عبر القادم في هذا المدخل.

على أي حال نحن إمام مجموعة دراسات تنصب جميعها على موضوع "الحكمة العملية". لكنها لم تعد كمجموعة، بل كتبت في ظروف مختلفة، إستجابة لاسئلة مستجدة تفرض على الباحث معالجتها وإيضاح الموقف منها في إطار الاتجاه النظري الذي تبنّاه. اذن بين أيدينا مجموعة بحوث يمثل كلٌ منها جهداً مستقلاً، الا أنها تنصب جميعاً على موضوع واحد، وتحمل هماً واحداً، وهو (الحكمة العملية) واشكالياتها الاساسية، عبر تاريخ هذا الموضوع الاساسي.

ولد أول بحوث هذه المجموعة في احضان دراستي "الاسس العقلية للبحث في علم اصول الفقه". حيث تناول اتجاهات استاذنا الصدر في الحكمة العملية، هذه الاتجاهات التي بثها عبر دراسته لعلم اصول الفقه، فهي لم تأت ضمن اطار نظري مستقل عن بحثه التطبيقي، الذي كان يهمنا وقتئذ قراءته ونقده. ومن ثم جاءت دراستنا متابعة لاستخدامات العقل العملي لدى السيد الصدر في علم أصول الفقه، بغية وضع اليد على المواقف الاساسية التي تبناها في موضوع بحثنا، لتتحدد في ضوء هذه المواقف النظرية والمدرسة التي ينتمي إليها الصدر.

أما ثاني بحوث هذه المجموعة ـ حسب تسلسل ولادتها تاريخياً ـ فقد كان استجابة لحاجة لمستها عبر البحث التطبيقي. وهي أن البحث التطبيقي، الذي كنا نعالجه لم ينطلق من اتجاه نظري محدد المعالم، بل كان علينا انتزاع معالمه من خلال مجموعة التطبيقات. ومن ثم وجدت من الضروري لكي نضمن لمواقفنا النقدية انسجامها ـ ابراز ملامح وآفاق اتجاهي الذي اعتمده كقاعدة في النقود التي سجلتها في ثنايا وتفاصيل التطبيق. وقد تم لي في الجزء الثاني من دراستي (الاسس العقلية) اثراء هذه الدراسة، ووضع هذه الافاق في اطار نظري محدد.

على أن اشير هنا إلى أن البحث التطبيقي إذا لم يحدد المعالم النظرية، التي يعتمدها، فسوف تكون معالجته لمشكلات التطبيق كلٍّ في موضعها. وبهذا يخاطر في انسجام معالجاته. وكثيراً ما يقع في تناقضات، جراء عدم وحدة الموقف النظري، وهذا ما لاحظناه في التطبيقات الاصولية والفقهية للعقل العملي.

ومن هنا تصبح دراسة العقل العملي ونقده وتفحص مداه وطبيعة أحكامه المهمة الاولى، التي تحفظ للبحث التطبيقي انسجامه، وتقدم للنتائج المترتبة على استخدام العقل في مختلف حقول المعرفة حجتها ومسوغها.

انصب البحث الثالث على تطبيقات الحكمة العملية في الفقه الامامي، وعلى وجه التحديد في باب "الاجتهاد والتقليد". لقد حاولت جاهداً متابعة تاريخ الدليل العقلي الذي اعتمده الموقف الفقهي عبر الفتاوى المتنوعة في كتاب الاجتهاد والتقليد. لكن متابعتي التاريخية عامة تعاني نقصاً، قد لا يكون مؤثراً على ميدان البحث الذي ولجته، لكنه نقص معرفي على كل حال، لابد من تسجيله والدعوة إلى الكشف عن ملابسات التاريخ، التي تطرحها أسئلة كثيرة.

لماذا تأخر فتح باب مستقل لبحث (الاجتهاد والتقليد) لدى الشيعة الامامية؟ نحن نعرف أن باب الاجتهاد والتقليد فتحه المتأخرون في فقه الامامية، وكانت فتاوى الاجتهاد والتقليد موزعة على أبواب الفقه الاخرى، فما هي المسوغات لفتح هذا الباب وما هي العلل التي أدت بالمتأخرين إلى درس الاجتهاد والتقليد ككتاب مستقل في الفقه؟ وهناك سؤال آخر عن علاقة مدارس الفقه الاسلامي مع بعضها في مجال الاجتهاد والتقليد وعن طبيعة التفاعل وملامح الخصوصيات لدى هذه المدارس؟ والاجابة على هذا الاستفهام تتطلب مراجعة لتاريخ البحث الفقهي عامة.

أما البحث الرابع فقد انصب على الحكمة العملية لدى نصير الدين الطوسي، وهو أحد كبار فلاسفه المسلمين، وأحد أهم متكلمي مدرسة العقل الكلامية، الكبير في إعادة تظهير المشائية وابن سينا على التحديد، والاهم تأثيراً على ورثة مدرسة العقل الكلامية. ولان الطوسي فيلسوف ومتكلم اتاح لنا البحث في ارجاءه تمحيص دعوى التمايز بين اتجاهي الحكماء والمتكلمين (متكلمي مدرسة العقل). وقد جاء البحث حول الطوسي أقرب إلى نكهة التراث، الذي يجب أن يقرأ قراءة جد ومعرفة. وهذه دعوة حملها إلى القراء بحثنا حول الطوسي.

وجاء البحث الخامس لينتقل بنا إلى جدل معاصر حول الحكمة العملية، وهو جزء من جدل ثقافي عام. أراه مباركاً شرط أن نحوّله إلى حوار فكري، بعيداً عن ظلال لعبة السياسة. أنه جدل يدور في إيران، وقد وجدت ضرورة متابعة هذا الجدل بشكل علمي، ضرورة يفرضها تخصيب الثقافات ومعرفة العقول بإهتماماتها وطرق تفكيرها ووسائل اتصالها، فالمعرفة الانسانية شئنا أم ابينا لم تعرف جغرافيا، ولا اعتقد أنها سوف تتعرف عليها، إلا زوراً وبهتانا.

وآخر بحث كتبته ضمن هذه المجموعة تناول هوية الاحكام العملية، أردت منه القاء الضوء على بعض الاشكاليات المطروحة من خلال ما طرح في فكر الغرب الحديث. وقد كشفت هذه الدراسة عن لقاء العقول وترابط المعرفة الانسانية، رغم الاختلافات الثقافية، بل رغم المقاطعة الثقافية إحياناً. وهنا انتهز الفرصة للالماح إلى موضوع يستحق كل اهتمام:

هل المعرفة الدينية جزء من المعرفة الانسانية العامة؟ هل هناك من علاقة بين المعرفة الدينية والمعرفة الانسانية عامة؟ وهل الفصل بين مسار المعرفتين أمر سليم؟

تابعنا تسلسل بحوث هذه المجموعة حسب تاريخ كتابتها، لكن لهذه البحوث تسلسلاً تعليمياً، أرجح اعتماده بترتيبها في هذا الكتاب. أجل أنه تسلسل بغية التدرج مع القاريء لاستيعاب الرؤى والنظريات المطروحة في ميدان الحكمة العملية; ولعلك تسأل عن التسلسل الطبيعي لهذه الابحاث، ولماذا لا يُعتمد في تبويب مجموعتنا؟ والجواب أنه ليس هناك تسلسل طبيعي لبحوث الحكمة العملية. فالبدايات مختلفة ومراكز الاهتمام متنوعة، كلٌ حسب مناخه الثقافي وسياقه المعرفي.

انطلق أغلب الحكماء من المنطق ونظرية المعرفة، بدؤا بحثهم مع الحكمة العملية من تقويم الجمل (القضايا) الاخلاقية. فالسلف من الحكماء المسلمين درسوا الاحكام العملية في كتاب (البرهان) من المنطق، وأدخلوها في باب (الجدل)، لانها مشهورات يتواضع عليها الناس، وقطاع كبير من حكماء الغرب المعاصر بدأ من تحديد هوية الجملة الاخلاقية من زاوية معرفية، ووفق أسس النظرية التي اختاروها.

أما علماء الكلام فبدؤا من الصفات الالهية، وهل تخضع لاحكام الحسن والقبح أم لا؟ دون الوقوف على تحديد هوية الاحكام، وتحليل مضمونها. وأقامت مدرسه العقل الكلامية صرحاً من المقولات والقواعد في ضوء مذهبها القائل بعقلية الحسن والقبح، فسرت على أساس تلك القواعد عالم الغيب والشهادة، وحددت أحكام العقاب والثواب يوم الحشر الموعود، ورسمت صورة عن الالهية، وامتدت إلى أحكام التشريع لترسم أصول استنباطها وتتدخل في عمليه الاستنباط الفقهي ذاتها.

وهنا انتهز هذه الفرصة لا عرض لكم تجربتي الشخصية مع موضوع الحكمة العملية، فافتش في ذاكرتي، وأراجع أبحائي، لنقف معاً على خطوات هذه التجربة، فستوضح الاسئلة الاساسية، التي فتحت أمام الباحث نافذة الاطلال على ما أختار من اتجاه.

في خضم البحث عن قواعد الاستنباط في الفقه الامامي يواجه الدارسون بوضوح دوراً رئيسياً للمنطق والفلسفة وعلم الكلام (ما اسميته الاسس العقلية) كادوات تفكير ومنطلقات تقام في ضوءها الحجج والادلة التي يؤسسها الباحثون، بما فيها دليلية (العقل) وحجيته في الاستنباط الفقهي. خصوصاً لدى متأخري علماء اصول الفقه، حيث أضحى هذا العلم مركباً عقلياً شديد التعقيد والغموض، بحكم عوامل، منها فقدان وحدة المصطلح، إذ لا تدخل الفلسفة والمنطلقات العقلية بشكل رسمي إلى أروقة البحث الاصولي، فالباحثون في علم الاصول لم يفرغوا من درس فلسفي وعقلي مدرسي، ثم عكفوا على طرح ما اتفقوا على تحديد دلالاته، بل يتجه علماء أصول الفقه، كلٌ حسب طريقته في التعامل مع معطيات الحكمة والبحث العقلي.

أردت ـ وأنا واحد من دراسي علم أصول الفقه ـ أن استوضح هذا الغموض، فوجدت أن الطريق إلى ذلك هو بتفكيك المركب أولاً. ذهبت إلى القواعد العقلية، أي قواعد المنطق والفلسفة وعلم الكلام التي تأسس في ضوءها البحث في علم أصول الفقه، فحاولت اماطة اللثام عنها، والاصحار بها، لوضعها تحت مشرح التحليل. معتقداً أن الاسلوب السليم في معالجة هذه الاسس يتمّ عبر ثلاثة مراحل تتكفل المرحلة الاولى تمحيص القاعدة العقلية ودرسها النقدي، ثم بعد الفراغ من صحة المرتكز العقلي نحاول استيضاح جدوى توظيفه في ميدان علم أصول الفقه، لتأتي المرحلة الاخيرة منصبة على تحديد قواعد استخدام المرتكز العقلي بعد الفراغ من سلامة استخدامه في ميدان علم الاصول.

وردت ميدان البحث في الاسس العقلية لعلم أصول الفقه، وبعد معالجة الاسس التي طرحت عبر مدخل الدراسات الاصولية في تعريف العلم وتحديد موضوعه، انصب البحث على موضوع الحجية، حيث يتناول الادلة الاصولية، ويحدد مسوغات ومرتكزات الدليل. وبدءً من الحجية في مفهومها الاصولي وجد بحثنا نفسه أمام العقل العملي كاداة تلعب دوراً رئيسياً.

اتخذت من العقل العملي وتطبيقاته في علم أصول الفقه محوراً للبحث في القسم الاوّل من دراستي "الاسس العقلية". وجدت وأنا أبحث في هذه التطبيقات وأواجه إشكالياتها ضرورة الدرس المستقل للعقل العملي. إذ ليس من المنهجي إثارة الخلاف في دليلية العقل العملي وحدوده وصلاحياته ضمن بحوث التطبيق التي يوظف فيها العقل العملي في مجال علم أصول الفقه. على أن إيضاح الموقف من قضايا الحكمة العملية بشكل مستقل وسابق لعمليات الاستخدام التطبيقي يساهم مساهمة أساسية في تجنب التشويش والوقوع في التهافت.

إذن دفعنا الاشكال في البحوث التطبيقية إلى نقد العقل العملي وفحص معطياته، حدوده ومداه، طبيعة أحكامه. والامر لا يقتصر بالنسبة إلى البحوث التطبيقية على دفعنا منزوعي السلاح إلى درس الحكمة العملية، بل اثارت هذه البحوث في إذهاننا الاشكاليات الاساسية، التي تطرح على العقل العملي، ويطالب الباحثون في الحكمة بالاجابه عليها.

ولعل الاشكالية الرئيسية التي تتضح عبر البحوث التطبيقية هي إشكالية تخصيص وتقييد الاحكام العملية. إذ ليس أمام الباحث في أصول الفقه والقانون والتشريع عامة إلاّ أن يطرح نسقاً من الاحكام العامة التي تقبل التخصيص، فالتخصيص في أحكام التشريع يدخل في جوهر عملية التشريع ذاتها. بينا تبنى فقهاء الشريعة وعلماء أصول الفقه الذين تابعنا أبحاثهم نظرية العقل الكلامية، كأساس يخلصون من خلاله إلى قواعدهم. وهنا طرح الاستفهام الكبير أمام بحثنا: إذا كانت أحكام العقل العملي بديهية أولية فهل تقبل التخصيص؟

بعد مخاض البحث في إرجاء عطاء السلف من متكلمي وحكماء المسلمين خرجت إلى عالم الحكمة الغربية، حيث المعلّمان "هيوم" و"كنت"، اللذان يستوقفان كل بحث جاد في الحكمة العملية، بل الحكمة عامة. طرح الشكاك الاسكتلندي دافيد هيوم قضية التمييز الجوهري بين أحكام الواقع وأحكام الواجب، أي بين الاحكام التي تقرر ما هو كائن وبين الاحكام التي تقرّر ما ينبغي أن يكون، ويذهب بعض الباحثين إلى أن هذه التفرقة طرحت لاوّل مرّة من قبل هيوم. إلاّ أن تأكيد هيوم على هذه التفرقة لم يأت خارج سياق فكر الحكماء، فالحكمة اليونانية ميّزت بين الاحكام العملية والاحكام النظرية، والحكماء المسلمون نصوا على التمييز بين العلم ونظريته البرهانية وبين الاحكام العملية.

لكن هيوم أثار إشكالية العبور من الواقع إلى الواجب، وهي إشكالية حيوية على مستوى سلامة الادلّة في حقل الحكمة العملية على حد حيويتها في الحكمة النظرية. وقد طرح العلامة الطباطبائي وتلميذه مطهري هذه الاشكالية، بوصفها خطأ منطقياً فادحاً، عانت منه استدلالات المتكلمين وعلماء أصول الفقه. وقد خصصنا جزءً من البحث في دراستنا "الاسس العقلية" لتمحيص دعوى العلامة الطباطبائي ومتابعتها بشكل تفصيلي.

أما "كَنت" فهو أول حكماء العقل في الحكمة العملية الغربية على امتداد تاريخها. تمرّد على "أرسطو" ومذهب السعادة، واتجه إلى تأسيس فلسفة عقلية للاخلاق والحكمة العملية. ولقد كانت متابعتي لفكر كنت فرصة للمران العقلي المنهجي في نقد العقل العملي، وتحديد هوية أحكامه. لقد سعى كَنْت إلى تأسيس قاعدة عقلية للاخلاق، وقد كان على حق في التأكيد على أن هذه القاعدة لا يمكن أن تكون عقلية ما لم تنبثق من العقل الخالص.

لقد طرح كَنْت كثيراً من الافكار الحيوية التي تعين على التمييز بين ما هو عقلي وسابق للخبرة، وبين ما هو بعدي مكتسب في ضوء الخبرة الانسانية. وأياً كان الموقف من البناء الاساسي لنظرية كَنْت، فقد انتهى الرجل إلى مشروع بناء مذهب للفضيلة في ضوء نظريته العقلية الصارمة، أي خلص بعد بناء نظريته الاخلاقية إلى محاولة طرح شريعة للاخلاق تحكم السلوك في تفاصيل حياة الادميين. عندئذ واجه كَنْت أحكام العقل وهي تتزاحم على أرض الواقع، فطرح إشكاليات التزاحم عبر ما أسماه "أسئلة فتاوى"، وأجاب على بعض هذه الاسئلة، وترك كثيراً منها دون فتوى.

إن أسئلة الفتاوى، بل مذهب الفضيلة برمته يطرح إشكاليتين رئيسيتين أمام أي مذهب عقلي في الحكمة العملية: الاولى ـ هل هناك سلم عقلي للترجيح بين المتزاحمات؟ الثانية ـ هل تبقى الاحكام العملية عقلية وهي تأتي مخصصة ومقيدة؟

انتقلت وانا في محيط الاتجاه العقلي إلى الاستفهام عن سر عدم قابلية الاحكام العقلية للتخصيص؟ وإذ انتهيت إلى أن الاحكام العملية لا يمكن أن تكون عقلية وهي مخصصه أو مقيدة، اتضح لي أن أحكام الشرائع ومذاهب السلوك كلها أحكام تقبل التخصيص والتقييد، ولا يقدر لها الحياة والمعقولية ما لم تكن، قابلة للتخصيص، بل ما لم تخضع له. ومن ثمَّ فهي تختلف اختلافاً جوهرياً مع الاحكام العقلية.

عطفت النظر إلى مدرسة الاعتبار والمواضعة، التي طرحت في فكر الاوائل من حكماء السلف، واتجهت صوبها قافلة حكماء الغرب الحديث. وجدت أن هؤلاء ينظرون إلى الاحكام العملية دون أن يكون لها سندٌ عقلي، أي ينظرون إليها بوصفها أحكام الواقع، الذي يفرض بطبيعته التخصيص والتقييد. ومن ثمَّ ترتهن الاخلاق والاحكام العملية بمقاييس المنفعة والمصلحة، دون أن يكون لها مقياس متعال على عالم الضرر والنفع.

وفي ضوء اتجاه مدرسة المواضعة تطرح إشكالية أخلاقية الكائن الانساني، إذ تفتقد الاخلاق والاحكام العملية باسرها لمرجعية تحدد ما هو الصالح أخلاقياً وما الضار كذلك. وقد أدرك حكماء السلف هذه الاشكالية، ولذا وجدناهم يطرحون مرجعية "قبح الظلم وحسن العدل" كحكمين متعاليين، يسمونهما بالاتفاق الانساني العام الذي لا استثناء فيه، وأحياناً يلوذون بفطريتهما. الا أن موقف الحكماء في تقويم القضايا وإخراج الاحكام العملية من دائرة البداهة والبرهان يضعنا أمام إشكالية تفسير إتجاههم وموقعهم من نظرية الحكمة العملية.

في خضم هذه الاشكاليات التي طرحت، وأنا أسير في درسي لموضوع العقل العملي، فُتحت نافذة في الافق الذي اخترته لدراستي. بدأت معالمها تتضح في معالجتي ونقدي لتطبيقات العقل العملي في حقول المعرفة الاصولية والكلامية. ثم انتهيت إلى صياغة نظرية، حاولت اختبارها عبر التطبيق أولاً، ومن خلال المقارنة النظرية مع اتجاهات معاصرة في حكمة الغرب، ثانياً.

وفي ختام هذا المدخل أحرص على التأكيد: أن ما ذهبت إليه دراساتنا في الحكمة العملية من نسبة إتجاه المواضعة والاعتبار إلى حكماء المسلمين لم يأت جراء موقف قبلي أو رغبة شخصية، وليس اجتهاداً، بل النصوص المتظافرة لاعلام الحكمة الاسلامية تؤكد بشكل لامراء فيه ما ذهبت إليه. وإليك النص التالي، الذي حرره يراع الشيخ الرئيس في مطلع كتاب البرهان، حيث تعهد بتحديد منهج البحث ونظرية المعرفة:

"والذي على سبيل تسليم مشترك فيه: أما أن يكون رأيا يستند

إلى طائفة، أو يكون رأيا لا يستند إلى طائفة، بل يكون متعارفاً

في الناس كلهم قبوله، وقد مرنوا عليه، فهم لا يحلونه محل الشك: وأن كان منه ما إذا اعتبره المميز، وجعل نفسه كأنه حصل في العالم دفعة وهو مميز، ولم يعوّد شيئاً ولم يلتفت إلى حاكم غير العقل، ولم ينفعل عن الحياء والخجل، فيكون حكمه خلقياً لا عقلياً; ولم ينظر إلى موجب مصلحة فيكون بوسط لا بضرورة; وأعرض عن الاستقراء أيضاً فيكون بوسط; ولم يلتفت إلى أنه هل ينتقض عليه بشيء. فإذا فعل هذا كله ورام أن يشكك فيه نفسه أمكنه الشك: كقولهم أن العدل جميل، وأن الظلم قبيح، وأن شكر المنعم واجب. فإن هذه مشهورات مقبولة; وأن كانت صادقة فصدقها ليس مما يتبين بفطرة العقل المنزل المنزلة المذكوره;"(1)