الحكمة العملية في ضوء اتجاهات

نصير الدين الطوسي

 

الحكمة العملية في ضوء اتجاهات

نصير الدين الطوسي

 

(اتجاهات نصير الدين الطوسي) بهذه الدعوى صدرت هذه الدراسة وكأنني اتخذت من كون الطوسي ذا اتجاهات متنوعة مصادرة، لا تتطلب إثباتاً!

كلا! اننا لا نصادر على تنوع مواقف الطوسي من الحكمة العملية، بل نطرحها كدعوى، نحاول استجلاءها، وفحص مستندات إثباتها. فصاحبنا اتخذ موقفاً من القضايا العملية في درسه للاشارات والتنبيهات، حيث شرح كتاب الشيخ الرئيس ابن سينا، وتابع باستقصاء شرح الامام الرازي لهذا الكتاب متابعة نقدية. وكتب أيضاً في الحكمة العملية كتابه المدبج للوزير الاسماعيلي ناصر الدين القهستاني (أخلاق ناصري)، وهو الذي حرر نقداً لـ (محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين) للامام الرازي، الموسوم بنقد المحصل أو تلخيص المحصل. وهو صاحب المتن المشهور (التجريد) أو (تجريد الاعتقاد).

ودعوى دراستنا الراهنة تقول: ان الطوسي في دراساته المتعددة، عبّر عن اتجاهات مختلفة في الحكمة العملية، وبشكل أكثر تحديداً، ان الطوسي في مراحله الاولى انتهج نهج الحكماء في معالجة الحكمة العملية، بينا تبنى موقف مدرسة العقل الكلامية في خاتمة مطافه. وما بين أيدينا من بحث ومتابعة يتكفل اماطة اللثام عن هذه الدعوى، وتحديد موقع مواقف الطوسي في اطار اجتهادات مدرسة العقل الكلامية عامة.

رغم أهمية البحث عن نصير الدين الطوسي عامة، وأهمية البحث عن دوره كمدافع عن الحكمة بعد انحسارها تحت ضربات الغزالي، فان للطوسي أهمية متميزة في ما لعبه من دور عبر (مدرسة الحلة). هذه المدرسة التي تمثل الملهم الرئيسي لعلم الكلام لدى الشيعة الامامية حتى يومنا هذا، وهي حلقة الوصل بمدرسة بغداد (المرتضى والطوسي) الامامية. هذه المزايا إذا أضفنا إليها شخصية الرجل الخطيرة والتأريخية (بما امتازت من ابهام أحاط بها، بحكم الظروف الاجتماعية والسياسية التي عاصر الطوسي صخبها ودخل في متن التوائاتها واحداثها الجسام) تضحى حوافزاً أكيدة لدراسة نصير الدين الطوسي. ونحن نختار أحد جوانبه المتنوعة، أعني (الحكمة العملية) عند هذا الفيلسوف والعالم، الذي لم يستوف حقه في الدرس والتحقيق.

هذه أفكار وحوافز كنت على وعي بها منذ زمن ليس باليسير، لكن المثير المباشر الذي ساقني إلى انجاز وتنفيذ هذه الدراسة، هو الكتاب الموسوم (الفيلسوف نصير الدين الطوسي مؤسس المنهج الفلسفي في علم الكلام الاسلامي)، للدكتور عبد الامير الاعسم. هذه الدراسة التي لم تتطابق مع عنوانها حيث لم يستطع أن يقدم لنا الاعسم تصوراً ولو اجمالياً للتأسيس الفلسفي الذي مارسه الطوسي في ارجاء علم الكلام الاسلامي.

لقد كانت دراسة الاعسم مثيرة حقاً، فيها من الحياد عن الدرس العملي ما تستطيع ان تسمه بالتحامل والقسوة، وفيها من نقص الوثائق ما يحار الباحث في ضوءه بالنتائج التي أقيمت على قاعدة هذا النقص. واقتصر هنا على الاشارة إلى بعض ما جاء في كتاب الاعسم، دون تعليق، لعل الحكمة العملية تدفعنا جميعاً لتمحيص ما نحرر وما ندّعي:

1 ـ يقول: "كتاب أخلاق ناصري، الذي كتبه بالفارسية، وترجم بعدها إلى العربية، وعلى ما يذكر البحراني، وخدابخش، ان النصير سمى كتابه باسم الوزير الاسماعيلي، ويبدو لنا أنّه حقق رغبات قرمطية في الكتاب، الذي ضاع، ويا للاسف، اصله الاسماعيلي فلم يصلنا لنعرف إلى أي مدى اندفع النصير مع العقيدة الاسماعيلية"(2).

ولا أظن ان هذا النص بحاجة إلى تعليق!

2 ـ يقول: "ونتيجة طبيعية للازمة النفسية والمرض اللذين أصابا النصير، بأن وصف من جمهور مؤرخيه بأنه تعرض لمرض ومات. حيث وصف لنا ميرزا مخدوم الساعات الاخيرة لنصير الدين، رواية عن تلميذه قطب الدين الشيرازي، مما دعا الدكتور كامل الشيبي إلى الاعتقاد بانه (مات ميتة طبيعية); وقد سكت مؤلفو الشيعة برمتهم عن ذلك! غير انني، وهكذا وبقناعة، اذهب إلى ما أخبرنا به ابن القوطي حيث قال: (انتحر سنة 672 هـ)، وليس انفراد هذا المؤلف بدليل على التشكيك بالرواية أو عدم تصديقها"(3).

اترك التعليق على هذا النص أيضاً!

3 ـ اصرار الاعسم على ان الطوسي اعلن تشيعه الاثني عشر تلبية لرغبة السلطان الفاتح هو لاكو. واصراره على اسماعيلته، خصوصاً حينما تحول إلى قلاع الاسماعيليين، دون أن يقدم دليلاً علمياً يمكن ان يركن إليه الباحث المحقق. علماً ان الاعسم يؤكد ما أكده المؤرخون من أن الرجل انتقل إلى قلاع الاسماعيليين بعد اكتمال نضجه العقلي والعلمي واشتهار ذلك عنه، ويؤكد ان نشأته كانت امامية اثني عشرية، وان أباه الذي تعلم منه مبادئ العلم من تلامذة مدرسة الشريف المرتضى.

لا أريد في هذا البحث أن أقدم قناعة تصديقيه حول تاريخ الرجل، انما أريد الاشارة فقط إلى أن أحكام الاعسم ذات طابع قبلي، وليست أحكاماً استقرائية تتبعية محايدة.

4 ـ ما يقع في صميم بحثنا من ملاحظة هو تأكيد الاعسم على التأسيس الفلسفي لعلم الكلام. "فان الطوسي سعى لاستكمال ذلك التأسيس الذي توقف العمل عند المتفلسفة فيه منذ زمن الغزالي حتى الرازي. وكنتيجة منطقية لذلك، وبالموازنة الموضوعية، ندرك أيضاً، ان علم الكلام الذي فلسفه لنا الطوسي، انما يعود برمته إلى السينوية"(4).

"فالحقيقة التي تشير إليها معالجات الطوسي الفلسفية في "تلخيص المحصل" ان علم الكلام كان في دور الانقلاب التام إلى فلسفة; وكمرحلة سابقة لتأليف الطوسي لكتابه "التجريد"، كما سنرى ذلك فيما بعد"(5).

واستناداً إلى الدكتور كامل الشيبي بشأن ما فعله الطوسي في كتابه التجريد يقول: "مزج فيه الفلسفة لاوّل مرة في الاسلام بعلم الكلام مزجاً تاماً، بحيث صارا شيئاً واحداً"(6).

ان بحثنا القائم سيتكفل معالجة القضيتين الكليتين اللتين اطلقهما الاعسم:

1 ـ ان علم الكلام لدى الطوسي يرجع كله إلى ابن سينا.

2 ـ ان علم الكلام أضحى فلسفة على يد الطوسي بشكل تام.

ان مثل هذه الاحكام المطلقة غير الجائزة أساساً تستدعي الدارس الدخول عملياً إلى ميدان البحث، ليرى ما هي مرتكزات الفلسفة السينوية بل الفلسفة عامة، وما هي معطيات مدرسة الطوسي الكلامية; عندئذ ليصدر أحكامه وفق معطيات البحث والتحقيق، حيث لا تسمح له هذه المعطيات اصدار أحكام هي أقرب إلى الخطاب الحماسي، وأبعد من التقديرات العلمية المتأنية.

* * *

يتجه بحثنا صوب متابعة الطوسي في ضوء دراساته الاساسية الاربعة، أي سنقرأ معاً اتجاهات الطوسي موثقة في شرحه للاشارات والتنبيهات، وفي كتابه الموسوم بـ "أخلاق ناصري"، وفي نقده لمحصل الامام فخر الدين الرازي، وفي متنه الشهير بالتجريد. وسوف تكون متابعتنا متابعة تحقيق جاد وقراءة تبتعد إنشاء الله عن التسطيح والتحديث المبهم، على اننا أبناء عصرنا، ومن حقنا في النهاية أن نستبصر الافكار في ظل آفاقنا وتطلعات جيلنا، هذه التطلعات التي يجب في مقاييس الحكمة العملية الوفاء لها، وأقل الوفاء أن تقرأ دراسات السلف قراءة بحث وتحقيق، أي ان نصفها وصفاً أميناً، أي أن نفهمها وفق مقاييس الدرس العقلي الفلسفي الاصيل; نعم الفهم! أما الموقف النقدي منها فليس من الوفاء بالضرورة محاكاة هذه الافكار والتسليم بها، بل الحكمة تدعونا للاجتهاد وتلزمنا بالنقد في ظل افق رحيب مقرون بالانصاف والتواضع.

 

الطوسي في شرح الاشارات:

هناك ثلاثة أسئلة نطرحها على الاشارات، أو قل هناك ثلاثة مواقف بشأن الحكمة العملية مطروحة في منطق الاشارات وفي بحوث الميتافيزيقيا من الاشارات. ففي منطق الاشارات يتعرض الشارح تبعاً للمتن إلى تحديد هوية الاحكام العملية، وفي النمط السادس والسابع من بحوث الوجود (علم ما قبل الطبيعة "الميتافيزيقيا") يحدد موقفاً من استخدام الاحكام العملية في تحديد صفات الافعال الالهية; وبهذا يحسم الطوسي موقفه من الاستفهام عن هوية الاحكام العملية وتفسيرها.

وفي النمطين المتقدمين من الاشارات يتحدد خيار الطوسي في معالجة مشكلة الشر ووقوعه في العالم، وتحديد صفات الافعال الالهية، واشكالية اتصافها بالحسن والقبح.

 

هوية الاحكام العملية:

يقرر الطوسي في منطق البرهان ـ باب أصناف القضايا ـ متابعاً ابن سينا والمشهور عن الحكماء ان الاحكام العملية مشهورات وليست أحكاماً ضرورية "فالمعتبر في المشهورات كون الاراء عليها مطابقة فبعض القضايا أولي باعتبار، ومشهور باعتبار، والفرق بينها وبين الاوليات ما ذكره الشيخ: من ان العقل الصريح الذي لا يلتفت إلى شيء غير تصور طرفي الحكم انما يحكم بالاوليات من غير توقف، ولا يحكم بها (المشهورات) بل يحكم منها بحجج تشتمل على حدود وسطى كسائر النظريات ولذلك يتطرق التغير إليها دون الاوليات فان الكذب قد يستحسن إذا اشتمل على مصلحة عظيمة، والكل لا يستصغر بالقياس إلى جزئه في حال من الاحوال"(7).

واضح في ضوء هذا النص ان الاحكام العملية (كقولنا العدل حسن... كقولنا الذب عن الحرام واجب وايذاء الحيوان لا لغرض قبيح... كقولنا الاحسان إلى الاباء حسن(8) ليست كلية مطلقة، ومن ثم فهي غير ضرورية، لوضوح ان هذه الاحكام عرضة للتغيير والتقييد والتخصيص.

تأسيساً على ما تقدم في تقويم الاحكام العملية، واخراجها من دائرة البرهان والقضايا البرهانية; ذهب الطوسي تبعاً للشيخ الرئيس إلى أن الاحكام العملية لا يصح استخدامها في حقول المعرفة البرهانية كابحاث الالهيات. وقد أدان بوضوح منهج مدرسة العقل الكلامية، حيث اعتمدت الاحكام العملية في إثبات الثواب والعقاب، وهي ليست قواعد فلسفية، وعلى حد تعبيره (قواعد حكمية). فبعد ان تبنى اتجاه الشيخ الرئيس في تفسير الثواب والعقاب، باعتباره لازماً ومعلولاً وجودياً لافعال النفس قال:

"وبعض المتكلمين المنكرين لتلك الاصول كالمعتزلة انما يقررون ذلك على وجه آخر وهو قولهم، تكليف العباد واجب على الله تعالى أو حسن منه إذ فيه صلاح حالهم العاجلة والاجلة، والوعد والوعيد على الطاعة والمعصية حسنان إذ فيهما تقريبهم إلى طاعته وتبعيدهم عن معصيته، وتعذيب العاصين عدل منه حسن، والاخلال باثابة المطيعين ظلم قبيح، إلى امثال ذلك مما يبنونه على مقدمات مشهورة مشتملة على تحسين بعض الاحكام وتقبيح بعضها بحسب العقل يعدّونها من البديهات.

فذكر الشيخ: ان تلك المقدمات ليست من الاوليات بل أكثرها آراء محمودة اشتهرت لكونها مشتملة على مصالح الجمهور... فإذن بناء بيان أحكام أفعال الواجب الوجود عليها غير صحيح"(9).

 

أفعال الواجب والاحكام العملية

يتضح في ضوء ما تقدم ان الطوسي وسائر حكماء الاسلام لا يصح لديهم النظر إلى الافعال الالهية (أفعال واجب الوجوب) من زاوية الاحكام العملية، لان هذه الاحكام قضايا مشهورة، تصدر لاعتبارات المصلحة المدركة من قبل الجماعة الانسانية في الافعال، بينا أفعال الواجب جزء من هرم الوجود; ومن ثمّ ينبغي أن ينظر إليها في ضوء المقاييس الوجودية، التي لا يلبي مطالبها ـ من زاوية المعرفة الفلسفية ـ إلاّ القضايا البرهانية الضرورية، ومن ثمّ لم تطرح في أبحاث الحكماء الاشكالية الرئيسية، التي طرحت في الفكر الكلامي: هل يفعل الله القبيح؟ لانهم أساساً لا يقرون بأحكام الواجبات العملية كمقاييس توزن من خلالها أفعال واجب الوجود.

لكن الحكماء طرحوا في سياق بحوثهم ـ وفق منهجهم ـ ثلاثة اشكاليات ترتبط ارتباطاً وثيقاً باشكاليات المتكلمين واسئلتهم التي طرحوها بشأن قياس الافعال الالهية وفق أحكام الواجبات العملية. لقد طرح الحكماء في سياق بحثهم عن الغايات ومبادئها الاشكالية الكلامية: هل يفعل الله أفعاله لغرض؟ وطرحوا اشكالية صدور الشر عن المبدأ الاوّل، في سياق إثبات أنّه خير محض، وفيما عرف بدليل العناية أو مبدأ العناية، وهذا البحث يتماس بشكل مباشر مع اشكالية المتكلمين هل يفعل الله القبيح؟ وفي سياق بحثهم عن بقاء النفوس الانسانية وتجردها، طرحت اشكالية العقاب والثواب، وهذه الاشكالية ترتبط برباط وثيق مع اشكالية وجوب الثواب والعقاب على الله، التي طرحت في أبحاث المتكلمين.

يعنينا هنا أن نرى مواقف الطوسي في ضوء شرحه للاشارات من هذه الاشكاليات:

 

اولاً: هل يفعل الله لغرض؟

تبعاً لمتن الاشارات يقرر الطوسي عدم صحة تعليل أفعال الباري تعالى بالحسن والوجوب العملي، فيقول:

"ان قوماً من المتكلمين يعللون افعال الباري تعالى بالحسن والاولوية; فيقولون: ان ايصال النفع إلى الغير حسن في نفسه، وفعله أولى من تركه. فلاجل ذلك خلق الله تعالى الخلق. والشيخ أراد أن ينبه على أن هذا الحكم في حق الله تعالى مفض لاسناد نقصان إليه"(10).

ثم يمضي مع ابن سينا إلى النهاية فيقول:

"وانما سلب الغاية عن فعل الحق الاوّل جل جلاله مطلقاً لان الفاعل الذي يفعل لغاية فهو غير تام لوجهين: أحدهما: من حيث يقصد وجود تلك الغاية، فان ذلك يقتضي كونه مستكملاً بذلك الوجود. والثاني: من حيث يتم فاعليته بماهية تلك الغاية، فان ذلك يقتضي كونه من حيث ذاته ناقصاً في فاعليته. والحق الاوّل لما كان تاماً بذاته، واحداً لا كثرة فيه، ولا شيء قبله ولا معه. فإذن لا غاية لفعله، بل هو بذاته فاعل وغاية للوجود كله"(11).

يتابع الطوسي البحث حول هذا الموضوع واضعاً نصب عينيه طريقة المتكلمين في إدارة الجدل حول اشكاليته. لينص أخيراً على ان الله لا يفعل لغرض:

"الغرض هو غاية فعل فاعل يوصف بالاختيار. فهو اخص من الغاية. والقائلون بان الباري تعالى انما يفعل لغرض ذهبوا إلى أنّه يفعله لغرض يعود إلى غيره لا إلى ذاته. وذلك لا ينافي كونه غنياً وجواداً. فأشار الشيخ إلى ان من يفعل لغرض فلا بد من ان يكون ذلك الفعل أحسن به من تركه. لان الفعل الحسن في نفسه ان لم يكن أحسن بالفاعل لم يمكن ان يصير غرضاً له، ثم أنتج من ذلك ان الملك الحق لا غرض له مطلقاً"(12).

اتضح ان الحكماء اتجهوا إلى سلب الغرض عن الافعال الالهية لاثبات الكمال المطلق لله تعالى. فالغني المطلق والجواد المطلق والملك الحق المطلق اقتضى ان تسلب عن افعاله تعالى ـ حسب منهج الحكماء ـ كل غاية أو غرض. ولكن يبدو ان هذا السلب المطلق ـ وفق الادوات العقلية التي اعتمدها الحكماء ـ لا يُنهي الاستفهام; إذ يبقى للانسان أن يستفهم: هل النظام الكوني يسير سيراً جزافياً، وان ما يقع فيه من أحداث يتم جزافاً واتفاقاً؟ أليس من حقنا ان نتساءل: إذا كانت جملة الاحداث والفعاليات الكونية في هذا العالم تسير بلا غاية ولا غرض فهل هذا يعني أمراً غير العبث واللامعقول؟

يقرر الطوسي تبعاً لابن سينا ان هذه الاسئلة تبقى مشرعة ومشروعة رغم كل التحليل الفني وفقاً لادوات الحكماء العقلية في تحديد صفات الباري وأفعاله. ويرى ان المخلص الوحيد من هذه الاشكاليات والجواب الحاسم عليها هو باللجوء إلى (العناية) كتصور لاهوتي، نفسر في ضوءه الافعال الالهية.

"لا تجد إن طلبت مخلصاً إلاّ ان تقول: ان تمثل النظام الكلي في العلم السابق مع وقته الواجب اللائق يفيض منه ذلك النظام على ترتيبه في تفاصيله معقولاً فيضانه وهذا هو العناية. وهذه جملة ستهدى سبيل تفاصيلها"(13).

على ان مبدأ "العناية" (الذي لجأ إليه الحكماء في معالجة مشكلة تعليل الافعال الالهية ووسمها بالغرضية) هو الاساس لمعالجة مشكلة وقوع الشر في القضاء الالهي. فعلى اساس هذا المبدأ نفسه ينطلق الحكماء لمعالجة إشكالية الخير والشر وكيفية وقوعهما في نظام التكوين.

 

ثانياً: العناية واشكالية وقوع الشر في القضاء الالهي

بغية ان نتعرف على حجم العلاقة بين هذا البحث وبين الجدل الكلامي حول المسألة المشهورة "ان الله لا يفعل القبيح" علينا ان نقف على تحديد مفهوم "الشر" الذي يبحث الحكماء عن وقوعه وعدم وقوعه، واسلوبهم في معالجة هذه المشكلة. لنبدأ في تحديد مفهوم الشر من الجدل الذي اثاره الامام الرازي (الفاضل الشارح ـ على حد تعبير الطوسي) حول هذا الموضوع في شرحه للاشارات.

يعرّف الطوسي (الشر) تبعاً للحكماء بانه "في ماهيته عدم وجود أو عدم كمال لموجود من حيث ان ذلك العدم غير لائق به أو غير مؤثر عنده. وان الموجودات ليست من حيث هي موجودات بشرور"(14).

وحول هذه الفكرة بالذات يطرح الفخر الرازي اشكاليته، فيقول: "انهم يستدلون على كون الشر عدماً. وهو ليس بصحيح لانهم ان أرادوا بذلك تفسير اللفظ على اصطلاحهم فلا حاجة إلى الاستدلال، وان أرادوا حمل العدم على الشر فهم محتاجون قبل ذلك إلى معرفة ماهية الشر لان التصديق مسبوق بالتصور. وعلى تقدير صحة الاستدلال في هذا المقام فحاصل استدلالاتهم تمثيلات لا تفيد يقينا"(15).

هكذا يطرح الاستفهام: هل أراد الحكماء مجرد المواضعة واعتبار لفظ الشر معادلاً للعدم؟ وهذا أمر لا يصح ان يقصده الحكماء; لانهم سعوا إلى الاستدلال وتحليل مفهوم الشر، بالشكل الذي ينتهي إلى ان ما هو شر في النهاية ليس إلاّ عدماً; عندئذ: ما هو مفهوم الشر الذي يسعى الحكماء إلى تحليله وحمل العدم عليه في نهاية المطاف؟ لا بد ان يكون لديهم مفهوم محدد للشر الذي سيكون عدماً عند تحليلهم، فما هو هذا المفهوم؟

يتكفل الطوسي الاجابة على هذا الاستفهام فيقول:

الجواب: انهم انما يبحثون عن ماهية الشيء الذي يعبر عنه الجمهور بلفظة الشر فينظرون في وجوه استعمالاتهم ويلخصون ما يدخل في تلك الماهية بالذات عما ينسب إليها بالعرض لتتحقق الماهية ممتازة عن غيرها. وظاهر ان البحث على هذا الوجه صحيح. وليس باستدلال تمثيلي. غاية ما في الباب أنه مبني على معرفة وجوه الاستعمالات التي لا طريق إليها إلاّ الاستقراء"(16).

إذن استهدف الحكماء تحليل مفهوم الشر، لكن هذا المفهوم ليس مفهوماً معرّفاً لديهم. انما سعوا إلى تحليل المفهوم السائد في الاستخدام اللغوي العام. ومن هنا يطرح الاستفهام: إذا كان الامر مرتبطاً بتحليل المفهوم اللغوي ووجوه الدلالات اللغوية فهل يصلح ان يكون أساساً للبحث البرهاني؟ إذا لم يكن مفهوم الشر مفهوماً بديهياً يدركه العقل بالوضوح الاولي فهل يتعدى تحليل وجوه الاستخدام اللغوي ورده إلى شبه مشترك فيما بينها من ان يرجع في نهاية المطاف إلى التمثيل (القياس الفقهي)، وهو أمر لا ينفع الحكماء الباحثين على نهج القياس المنطقي والدليل البرهاني؟ الطوسي يجيب ويقول ان هذا التحليل لا يرجع إلى القياس الفقهي (التمثيل)، انما هو نهج سليم، وليس امامه مشكلة سوى ان مقدمات هذا التحليل (معرفة وجوه الاستخدام اللغوي) ليس من سبيل إلى معرفتها سوى التتبع الاستقرائي(17).

في ضوء تحليل الاستخدامات اللغوية لكلمة "الشر" أورد ابن سينا في الامثلة التي اشار إليها "الا لم والاذى الحاصلين للحيوانات جميعاً، والجهل المركب الضار في المعاد الذي يعرض لها لا من حيث هي حيوان بل من حيث هي إنسان، والامور التي تعرض له بسبب قوتيه الحيوانيتين وتضره في أمر المعاد يعني الاخلاق الرذيلة والملكات الذميمة. فان هذه الاشياء هي معظم ما ينسب إلى الشرور"(18).

هذه هي الشرور التي أرادوا ان يفسرونها على أساس من "العناية"، وهل وقوعها في نظام الوجود ينسجم مع كون المبدأ خيراً مطلقاً؟ والملاحظ ان الشر في هذه الامثلة يتطابق مع ما يعالجه المتكلمون من مشكلات في اطار نظرية القبح والحسن العقليين. مع اختلاف المنهجين، فالحكماء يقررون:

ان العناية أي علم المبدأ الاوّل بالنظام الاكمل منبع لافاضة الخير في مجموع هذا النظام، دون قصد وطلب من المبدأ الاوّل، وما يقع في العالم من شر ليس صادراً عن الخير بالذات، الذي هو كمال بالذات ووجود محض، بل لا يصدر عنه إلاّ الوجود، والشر أمر عدمي.

لكن الشرور رغم كونها أموراً عدمية فهي ملازمة لما يقع من المبدأ الاوّل في نظام الوجود من افاضات وخير. وهي معلومة بالعناية والتقدير الالهي، فهي وان لم تصدر عنه بالذات، لان ما يصدر عنه ليس إلاّ الوجود، لكنها معلومة ومقدرة منه! وهنا يلجأ الحكماء في معالجة هذه المشكلة إلى ان صدور الخير الكثير الملازم للشر القليل خير.

وللامام الرازي موقف من طرح ابن سينا لمبدأ العناية ومعالجة اشكالية وقوع الشر في العالم. والطوسي ينقل لنا هذا الموقف: "قال الفاضل الشارح: هذا البحث ساقط عن الفلاسفة والاشاعرة لانه لا يستقيم إلاّ مع القول بالاختيار والحسن والقبح العقليين كما هو مذهب المعتزلة. أما مع القول بالايجاب أو بنفي الحسن والقبح عن الافعال الالهية لا يكون السؤال بـ "لِمَ" عن أفعاله وارداً. فإذن خوض الفلاسفة فيه من جملة الفضول"(19). لكن الطوسي لا يوافق على هذه الملاحظة الاساسية والمنهجية، بل يدافع عن موقف الحكماء قائلاً: "ان الفلاسفة انما يبحثون عن كيفية صدور الشر عما هو خير بالذات فينبّهون على ان الصادر عنه ليس بشر فان صدور الخيرات الكلية الملاصقة للشرور الجزئية ليس بشر"(20).

ويحق لنا ان نطرح الاستفهام التالي: ان الشر في النهاية هو ما يطلق عليه شر وقبيح في الاستخدام العام للفظ الشر، وإذا كان العقل غير مدرك لقبح الاشياء وحسنها، انما يتحدد حسن الاشياء وقبحها وفق المصلحة التدبيرية المدركة في الافعال، فما هي العلاقة بين الحسن والقبح والشر والخير في مفهومهما لدى الفلاسفة وبين تطبيقهما على الافعال الالهية، ما الذي يقلق الحكماء ويدعوهم إلى رفع الاشكال وشبهة وقوع الشر والقبح في الافعال الالهية، ما دام القبح أمراً مدركاً في طول ما يدركه الانسان من مصالح في الافعال لتدبير المدينة؟

فالعقل التجريبي الانساني مهما امتدت تجاربه لا يقدم لنا قاعدة علوية يمكن من خلالها ان نعلل الافعال الالهية، إذ ما يقدمه هذا العقل متغير لا ثبات له، ويخضع للمحاولة والخطأ أيضاً.

هناك رد على اعتراض الامام الرازي طرحه مواطنه قطب الدين الرازي في شرحه لشرح أستاذه الطوسي، حيث ذهب في رده إلى تنويع معاني الحسن والقبح إلى الانواع الثلاثة المشهورة: الكمال والنقص، والملائمة والمنافرة، وما يستحق الذم والعقاب والمدح والثواب. وأكد ان المعنى الثالث هو موضع الخلاف(21)، ومن ثم حق للفلاسفة ان يقولوا: "الله تعالى كامل بالذات خير بالذات فكيف يوجد منه الشر والناقص"(22). وانما يستقيم هذا الرد إذا افترضنا ان الشر يعادل النقص والخير يعادل الكمال، بغض النظر عن إدراك العقل لحسن الافعال وقبحها. أي ان نذهب إلى ان العقل يدرك كون الوفاء بالوعد كمالاً، بغض النظر عن وجوب الوفاء بالوعد أخلاقياً وبحكم العقل العملي، وان الكذب منقصة بغض النظر عن قبح الكذب وانه مما لا ينبغي فعله!

 

ثالثاً: العقاب والثواب

طرح موضوع العقاب في الاشارات عبر موضعين، ففي سياق البحث عن العناية والتقدير الالهي طرح الاستفهام: لِمَ العقاب؟ وطرح العقاب والثواب في سياق النمط التاسع في مقامات العارفين، حيث سعى الطوسي تبعاً لابن سينا ان يؤسس القواعد لاثبات النبوة والشريعة وما يتعلق بهما من إثبات الاجر والثواب الاجل.

في سياق فكرة العناية ووقوع الشر في التقدير الالهي ـ وبعد إثبات تجرد النفس وبقائها بعد زوال البدن ـ طرحت اشكالية العقاب، إذ ما دامت الافعال الانسانية متمثلة في العالم العقلي، وان ما يقع في هذا العالم من أفعال مطابق بالضرورة لما تمثل في ذلك العالم، إذن; لِمَ يُعاقب الانسان على شيء يصدر عنه على سبيل الضرورة والوجوب؟

يقرر الطوسي تبعاً للشيخ الرئيس في الاجابة على هذه الاشكالية: ان العقاب للنفس الانسانية لازم ومعلول يجب وقوعه ـ وفقاً لنظام العلية المحكوم به العالم وفق العناية ـ فهو لازم للنفس الانسانية، "بسبب ملكاتها الرديئة الراسخة فيها، فكأنها تكون من داخل ذاتها وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة"(23).

ويواجه مذهب الحكماء مجموعة اشكالات:

الاشكال الاوّل: ان الايات الواردة في الوعيد في الكتب الالهية تقتضي حسب ظواهرها القول بعقاب جسمي يرد على بدن المسيء من خارج.

وجواب الطوسي على هذه الاشكالية ان إثبات العقاب الجسمي لو كان حقاً لكان إثباته ـ في ضوء ما يفهمه أهل الظاهر ـ سمعياً، وليس للعقل النظري من سبيل إلى إثباته. ثم لا يغادر هذه الفقرة من البحث دون ان يشير وينقد تبعاً لابن سينا اتجاه متكلمي مدرسة العقل، حيث حاولوا إثبات العقاب والثواب وفق قاعدة الحسن والقبح العقليين. إذ ان محاولاتهم تقوم على أساس مقدمات مشهورة لا يصح ان تكون مستنداً في البحث البرهاني، الذي يتجه الحكماء إلى إدارته بشأن صفات الباري وأفعاله(24).

الاشكال الثاني: ان الاستفهام بشأن تعليل العقاب، ولم العقاب؟

يبحث في جوهره عن مخرج لاشكالية الجبر. والاجابة على هذه الاشكالية بأن الافعال الانسانية مقدرة في العناية وان العقاب لازم حتمي لا تخرج عن وحل الجبرية! ومن ثم يعادل اتجاه الحكماء اتجاه الاشعريين القائلين بالقدر اللازم الحتمي!

وجاء جواب الطوسي على هذا الاشكال، الذي طُرح في روحه من قبل الامام الرازي، فقال: "القول بالقدر على ما ذهب إليه الحكماء وهو وجوب كون الجزئيات مستندة إلى أسبابها المتكثرة يخالف القول بالقدر على ما ذهب إليه الاشاعرة من المتكلمين لانهم يقولون: لا فاعل ولا مؤثر في الوجود إلاّ الله. والجواب الذي ذكره الشيخ كان موافقاً لاصوله. فان فعل الانسان مستند عنده إلى قدرته وإرادته وكلاهما مستندان إلى أسبابهما"(25).

اما في النمط الخاص بمقامات العارفين فقد طرح ابن سينا موضوع العقاب والثواب، وكانت مناسبة طرح هذا البحث هنا ـ من وجهة نطر الطوسي ـ هي "لما ذكر في الفصل المتقدم ان الزهد والعبادة اما يصدران من غير العارف لاكتساب الاجر والثواب في الاخرة اراد أن يشير إلى إثبات الاجر والثواب المذكورين فأثبت النبوة والشريعة وما يتعلق بهما على طريقة الحكماء لانه متفرع عليهما"(26). أي ان إثبات الاجر والثواب يتفرع على إثبات النبوة والشريعة، وقد جاء تأكيد الطوسي واضحاً على ان إثبات الاجر والثواب، أي إقامة الدليل هنا مستند إلى منهج الحكماء وأصولهم النظرية، ثم يقول: "وإثبات ذلك مبني على قواعد"(27).

والقواعد كما يطرحها الطوسي هي التالية:(28)

القاعدة (1): ان الانسان مدني بالطبع، أي يحتاج في حياته وعيشه إلى اجتماع تتعاون فيه افراده لتحقيق ما يصلح حياتهم.

القاعدة (2): ان الاجتماع التعاوني لا ينتظم عقده ما لم يكن هناك تعامل بين أفراده، قائم على أساس عدل متفق عليه. والعدل المتفق عليه هو ما يستوي الناس في الانتفاع به وهو "الشريعة"; فإذن وجب ان تكون هناك شريعة.

القاعدة (3): الشريعة لا بد لها من شارع يقنن القوانين، ولا بد ان يمتاز الشارع في كونه ممن تستحق طاعته، ولا يتقرر استحقاق الطاعة ما لم يُثبت الشارع بالدليل ان شريعته من عند الله. إذن لا بد من نبي ذي معجزة.

القاعدة (4): ان الشريعة لا ينتظم أمرها في حياة الناس، ما لم يكن هناك ثواب وعقاب للمطيع والعاصي، فيحمل الرجاء والخوف العامة على الطاعة وترك المعصية. إذن وجب ان يكون للمحسن وللمسيء جزاء من عند الاله. ووجب ان تكون معرفة المجازي والشارع واجبة على الممتثلين للشريعة في الشريعة.

تلاحظ ان الشريعة والنبوة والثواب والعقاب تمّ إثباتها عبر هذه القواعد، بوصفها واجبات. والوجوب هنا يثير الاستفهام، كما أثاره لدى الامام الرازي "ان عنيتم به أنّه وجب على الله تعالى كما يقوله المعتزلة فهو ليس بمذهبكم، وان عنيتم به ان ذلك سبب للنظام الذي هو خير ما وهو (الله تعالى) مبدأ لكل خير فاذن وجب وجود ذلك عنه فهو ايضاً باطل لان الاصلح ليس بواجب ان يوجد وإلاّ لكان الناس كلهم مجبولين على الخير فان ذلك أصلح"(29).

يجيب الطوسي على هذه الاشكالية مؤكداً ان اجابته تقوم على أساس (أصولهم) أي أصول الحكماء وقواعدهم الفلسفية. ويقرر ان القواعد المتقدمة جميعها مقدرّة في العناية الاولى لحاجة الخلق إليها، اما تعليلها بغاياتها وهي حاجة الخلق; فلان "استناد الافعال الطبيعية إلى غاياتها الواجبة مع القول بالعناية الالهية على الوجه المذكور كاف في إثبات انيّة تلك الافعال ولذلك يعللون الافعال بغايتها كتعريض بعض الاسنان مثلاً لصلاحية المضغ التي هي غايتها"(30).

اما وجوب الاصلح فيؤكد الطوسي ان الاصلح (الاكمل) في نظام الوجود العام، أي الاكمل بالنسبة إلى كل الوجود فهو واجب بالعناية، أي ان الخير المحض والكمال المطلق يصدر عنه نظام الوجود على أكمل صورة. اما الاصلح بالنسبة إلى بعض مفردات الوجود، كما هو الحال في ان يجبل كل فرد على الخير بحيث لا يصدر منه إلاّ الخير، فهو ليس بواجب، "واما قوله: الاصلح ليس بواجب، فنقول عليه: الاصلح بالقياس إلى الكل غير الاصلح بالقياس إلى البعض. والاوّل واجب دون الثاني. وليس كون الناس مجبولين على الخير من ذلك القبيل كما مرّ"(31).

يهمنا ان نؤكد هنا ان الطوسي في جدله مع الامام الرازي أكد على ان اجابته على اعتراضات الرازي تقوم على أساس أصول الفلاسفة، وهذا يثير لدينا شعوراً بان الرجل اراد التمييز بين أصوله وأصولهم. على أنّه ختم البحث في القواعد المتقدمة بقوله:

"ثم اعلم ان جميع ما ذكره الشيخ من أمور الشريعة والنبوة ليست مما لا يمكن ان يعيش الانسان إلاّ به. انما هي أمور لا يكمل النظام المؤدى إلى صلاح العموم في المعاش والمعاد إلاّ بها. والانسان يكفيه في ان يعيش نوعاً من السياسة يحفظ اجتماعهم الضروري وان كان ذلك النوع منوطاً بتغلب أو ما يجري مجراه. والدليل على ذلك تعيّش سكان أطراف العمارة بالسياسات الضرورية"(32).

لكن كمال النظام العام لحياة الانسان في معاشه ومعاده هل يدرك بشكل بديهي ام أنّه يستكشف في ضوء الخبرة والتجربة؟ هل هناك قواعد برهانية ضرورية نستطيع ان نستكشف من خلالها القواعد المتقدمة (الانسان مدني بالطبع، وضرورة العدل المتفق عليه، وضرورة طاعة المشرع، وضرورة العقاب والثواب لحفظ النظام العام)؟

وبوجه أكثر تحديداً نقول: هل هذه القواعد مكتشفة في ضوء البرهان الفلسفي تحت قاعدة (العناية)، أم أنها بحكم كونها وقائع لا بد ان تدخل في اطار (العناية) في نهاية المطاف، ثم نحاول ان نجد لها تفسيراً كوقائع طبيعية تستهدف غايات؟

ثم ما دامت الشريعة والنبوة والثواب والعقاب ليست ضرورات وجودية في حياة بني البشر; لوضوح قيام الحياة ـ كما عبر الطوسي ـ الانسانية

في أطراف من المعمورة، دون اتكاء على شريعة ونبوة وثواب وعقاب اُخروي، فكيف نستطيع ان نقرر بجزم هذه القواعد في (العناية) بغض النظر عن الاحكام العملية والضرورات الاخلاقية؟ خذ مثلاً وجوب طاعة المشرع على أساس وجوب طاعة الله، فهل هذا الوجوب الذي قامت على أساسه قاعدة "النبوة" وجوب وضرورة وجودية يمكن ادراكها بعيداً عن أحكام ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله؟