ملاحظة منهجية:

هل يصح ان نعتبر الافكار التي طرحها الطوسي في شرحه للاشارات أفكاره التي يتبناها، والتي يتحمل مسؤوليتها؟

يقول الطوسي في مقدمة شرحه للاشارات: "ومن شرط الشارحين ان يبذلوا النصرة لما قد التزموا شرحه بقدر الاستطاعة... اللهم إلاّ إذا عثروا على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح... ولقد سألني بعض أجله الخلان... ان أقرر ما تقرر عندي... من معاني الكتاب المذكور ومقاصده، وما يقتضي ايضاحه مما هو مبني على مبانيه وقواعده، ما تعلمته من المعلمين المعاصرين والاقدمين، أو استفدته من الشرح الاوّل وغيره من الكتب المشهورة، أو استنبطته بنظري القاصر وفكري الفاتر، واُشير إلى أجوبة بعض ما اعترض به الفاضل الشارح مما ليس في مسائل الكتاب بقادح، واتلقى ما يتوجه منها عليها بالاعتراف"(33).

إذا بقينا مع هذا النص فسوف يكون الطوسي في شرحه للاشارات ـ وعلى الاقل ـ في المواطن التي يطرح خلالها اعتراضات الامام الرازي متبنياً للافكار التي يشرحها ويدافع عنها، لوضوح أنّه اشترط الدفاع عن الافكار السليمة والاقرار بالنقود الوجيهة، ونقد الافكار التي لا يسعه قبولها.

لكنه يعود ليطرح شرطاً مغايراً في مقدمة شرحه للابحاث الطبيعية والالهية، فيقرر: "واشترط على نفسي ان لا أتعرض لذكر ما اعتمده فيما أجده مخالفاً لما أعتقده فان التقرير غير الرد، والتفسير غير النقد"(34). ورغم عدم التزام الطوسي حرفياً بما اشترطه على نفس، إلاّ ان هذا الاشتراط يعرقل تحميل الطوسي مسؤولية الافكار المطروحة في شرحه، خصوصاً وهو يؤكد في بعض المواطن ـ عند دفاعه عن الشيخ الرئيس ـ على ان دفاعه وفق أصولهم، أي أصول الحكماء، وكأنه يوميء إلى أصول أخرى يتبناها.

 

الطوسي في (أخلاق ناصري):

نواجه في "أخلاق ناصري" نفس المشكلة المنهجية المتقدمة في الاشارات، وبشكل لا يقبل التأويل، إذ يقول الطوسي في نهاية ديباجته للكتاب: "وقبل الولوج في أبحاث الكتاب أقول: ان جميع ما حرر في هذا الكتاب من جوامع الحكمة العملية انما هو نقل وحكاية ورواية لاقوال الحكماء المتقدمين والمتأخرين، دون ان اخطو أي خطوة في تحقيق الحق وابطال الباطل، ودون ان اخوض في ترجيح رأي أو تزييف مذهب خاص، حسب ما أعتقده وأراه. إذن فإذا عثر المتأمل في هذا الكتاب على خطأ أو بدا له اعتراض على مسألة فليعلم ان محرر هذا الكتاب لا يتعهد الاجابة ولا يضمن الكشف عن الوجه الصواب في الرأي"(35).

ومن الواضح في ضوء هذا النص اننا لا نستطيع ان نحاكم الرجل محاكمة عادلة، حينما نحمله مسؤولية الافكار المطروحة في هذا الكتاب. على ان هناك اتجاها في الحكمة العملية لدى المرحوم الدكتور مهدي حائري اعتمد "أخلاق ناصري"، فيما أسماه اطروحه "العدل"، ليتخذ مما جاء في سياق أبحاث "أخلاق ناصري" حول "العدالة" أساساً من أسس نظريته في اقامة الحكمة العملية على أساس من نظرية الوجود.

عالجت نظرية الدكتور مهدي حائري في الجزء الاوّل من دراستي "الاسس العقلية". حيث ذهبت هناك إلى ان مفهوم "العدل" لا يمكن ان يكون مفهوماً متعالياً وموضوعاً حقيقياً للاحكام العملية. وعبر تحليل مفاد هذا المفهوم انتهيت إلى ان مفهوم العدل يتضمن مفهوم الواجب، ومن ثم تضحى قضية (العدل ينبغي فعله) معادلة لـ (ما ينبغي فعله ينبغي فعله).

وإذا استحكم الاصرار على تحميل الطوسي مسؤولية ما طرح في "أخلاق ناصري" من أفكار بشأن "العدالة" و"العدل"، وانطلاقه من ان مصطلح "العدل" ينبئ بمفهوم "المساواة"، والمساواة لا تفهم إلاّ في اطار الوحدة. عندئذ يجب أن تفهم اطروحة الطوسي في أطار مجموعة الافكار المطروحة من قبل الحكماء المتقدمين أفلاطون وأرسطو، وينبغي منهجياً أيضاً ان يتابع الطوسي في تطبيقاته العملية لفكرة "العدل" في الاقتصاد والاجتماع والسياسة.

وقد لاحظنا في "الاسس العقلية" ان هذه التطبيقات ـ بغض النظر عن الاشكالية الرئيسية على تضمن مفهوم العدل لفكرة الواجب ـ لا يمكن ان تفهم في اطار نظرية الوجود، ولا يمكن ان تحمل قضاياها وأحكامها على أساس المفهوم العقلي الارسطي للقضية البرهانية.

 

الطوسي في نقد المحصل:

اتسمت مناقشات الطوسي لمحصل الرازي بطابع جدل المتكلمين، فقد دخل في سجالات مع الرازي دون ان يكون الطرف الحقيقي فيها هو الطوسي، بل خصوم الرازي من المعتزلة والحكماء. فهو يتابع نقده للرازي في أكثر المواضع نيابة عن خصوم الرجل، فيرد بالقول للمعتزلة ان يقولون، أو انهم يقولون، أو للخصم ان يقول. ورغم هذا الطابع العام لكن المتابع لا يعدم مواقفاً يخرج فيها الطوسي من اطار السجال الجدلي، ويسجل رأيه وما هو حق من وجهة نظره. وهذه المواقف هي التي تعيننا بالدرجة الاولى. لكننا سنتابع نقد المحصل في عامة البحث عن الحكمة العملية، انطلاقاً من النصوص المحررة في الكتاب، وسوف تقع متابعتنا في النقاط التالية:

اولاً: مسألة الحسن والقبح

هل العقل مدرك لحسن الافعال وقبحها؟ اشار الطوسي في تعليقه على أُس هذا الاشكال إلى اختلاف الاراء حول هذا الموضوع قائلاً: "والمعتزلة يدعون ان الحكم بكون العدل والصدق حسناً وبكون الظلم والكذب قبيحاً بهذا المعنى ضروري.... وقالت الفلاسفة: ان الحكم بذلك مقتضى العقل العملي، فان الاعمال لا تنتظم إلاّ بعد الاعتراف"(36).

ثم يتابع الرازي في اعتراضاته على المعتزلة مدافعاً عنهم دفاعاً جدلياً، ويتكلم بلسانهم: انهم يقولون، وهو عندهم.. ولا تجد إلاّ موقفين يسجلهما الطوسي ويتبناهما في طول هذا البحث. الموقف الاوّل في صدور القبيح عن الله، إذ قال: "والحق عندنا فيه ان ذلك لو كان قبيحاً وموجوداً لفعله، إذ لا موجود غيره تعالى إلاّ وهو موجده، سواء كان حسناً أو قبيحاً"(37).

وموقف الطوسي حول هذا الموضوع سنعود إليه في القادم من هذا البحث. اما الموقف الثاني فهو ملاحظة منهجية سليمة توكد ان البحث في الحسن والقبح وفيما ينبغي فعله يتفرع على التسليم بحرية الانسان وبانه فاعل.

 

ثانياً: الافعال الالهية والواجبات العملية

هل يجب على الله وجوباً عملياً شيء من الافعال أم لا؟ تابع الطوسي اعتراضات الامام الرازي على المعتزلة، ولا تعثر خلال متابعة الطوسي على أي موقف يمكن ان تعتبره موقفاً يتبناه الطوسي، سوى تكرار الملاحظة المنهجية المتقدمة.

 

ثالثاً: هل يفعل الله لغرض؟

قبل أن يناقش الطوسي الحجة الاساسية التي اعتمدها الرازي في نفي الغرضية عن أفعال الباري تعالى طرح قيداً اضافياً لتعريف العبث وهو "الفعل الخالي عن الغرض، بشرط ان يكون من شأن ذلك الفعل ان يصدر عن فاعله المختار لغرض"(38).

وطرح أيضاً اتجاه بعض القائلين بالاغراض ـ من غير المعتزلة، حيث ذهبوا إلى ان "المراد من الغرض سوق الاشياء الناقصة إلى كمالاتها"(39)، دون ان ينسب هذا الاتجاه إلى الفلاسفة.

وفي مناقشته لحجة الرازي الاساسية في نفي الغرض عن الفعل الالهي (ان الفاعل لغرض مستكمل بالغرض) أكد ان هذه الحجة "حكم أخذه من الحكماء واستعمله في غير موضعه"(40)، ولكن ألم ينف الحكماء الغرض والغاية عن أفعال الله تعالى؟

يجيب الطوسي على هذا الاستفهام: "انهم لا ينفون سوق الاشياء إلى كمالاتها"(41)، بل يقروون ان الافعال في عالم الطبيعة لها عللها الغائية وتتجه إلى غرض مقصود للفاعل. ولكن ماذا يعنون إذن بنفي الغرض عن أفعال الباري تعالى؟ انهم يقولون: "افاضة الموجودات عن مبدأها، يكون على أكمل ما يمكن. لا بأن يخلق ناقصاً، ثم يكمله بقصد ثان، بل يخلقه مشتاقاً إلى كماله، لا باستيناف تدبير. ويعنون بالغرض ]المنفي عن أفعاله تعالى[ استنياف ذلك التدبير في الاكمال بالقصد الثاني"(42).

وفي نص لاحق يقول الطوسي: "وتعليل افعاله لا يكون إلاّ بسوق الافعال إلى كمالاتها". هذا النص يدلل على ان الطوسي يتبنى وجهة نظر الحكماء في غرضية أفعال الله تعالى، وإذا قرأناه مع تتمته فسوف يتأكد ان الرجل يتبنى وجهة نظر الحكماء في هذا الموضوع، إذ يقول: "واما قوله: "أولى الامور بأن لا يكون معللاً أفعال الله" فمعناه يعود إلى الحكم بان لا معلل في الوجود أصلاً، فانه ليس في الوجود إلاّ الله تعالى وأفعاله، وهو غير معلل، فلو لم تكن افعاله معللة لم يكن شيء معللاً أصلاً. وأفعال الله تعالى كثيرة، فلم لا يجوز ان يكون بعضها معللاً ببعض إلى ان ينتهي إلى شيء واحد غير معلل"(43).

وهنا يحسن الوقوف على وجه الفرق بين اتجاه الحكماء واتجاه المتكلمين في تعليل الافعال الالهية:

انطلق الجدل الكلامي من أحكام العقل العملي حول الصفات عامة. ومن ثم نظر المتكلمون إلى غرضية الفعل الالهي من زاوية أحكام الحسن والقبح وما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله. فاتجهت مدرسة العقل الكلامية إلى إثبات الغرض، لان نفيه يعادل وسم الفعل بالعبث، والعبث قبيح، والقبيح لا يفعله الله. اما الاتجاه الاشعري فهو لا يؤمن بالحسن والقبح العقليين، ولا يصح لديه تعليل الافعال الالهية، لانه لا يسئل عما يفعل.

اما الحكماء الذين نظروا إلى الالوهية في طول نظرتهم إلى الوجود وأحكامه، أي إلى ما هو كائن لا إلى ما ينبغي ان يكون، فجاءت نظرتهم إلى الغرضية في الافعال الالهية في اطار رؤيتهم الكونية الوجودية. وإذ هم يطبقون قانون العلية على العوالم الامكانية نوعوا العلة إلى أنواعها الاربعة، وكانت الغائية إحدى العلل، لان الفعل الممكن يستهدف الفاعل منه ان يحقق كماله وغناه. ومجموع الفعلية في عالم الامكان تتجه صوب الكمال والغنى.

وحينما أثبتوا العلة الاولى، التي هي الواجب الغني الكامل مطلقاً، لاحظوا ان هذه العلة لا يمكن ان يكون لها غاية وغرض من أفعالها، لانها لا حاجة لها فيما تفعل، ومن التناقض ان نثبت للكامل المطلق غرضاً خارج ذاته يحقق ـ عبر ايقاعه وفعله ـ كماله به. ومن هنا لا يصح ان تكون الافعال الالهية ذوات أغراض.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ان الفلاسفة المسلمين يخضعون مجمل النظام الكوني بعوالمه المختلفة إلى العلة الاولى، ويرون ان كل ما يقع في عالم الوجود هو في النهاية متقوم بواجب الوجود وعلته الغنية الاولى، وان الله هو العلة لعوالم الامكان جميعاً، عندئذ نواجه اشكالية التناقض بين القضيتين التاليتين: "الافعال الالهية لا غرض لها" و"وقائع عالم الامكان لها علل غائية"; إذ وقائع عالم الامكان في النهاية هي أفعال إلهية، فكيف تعلل ويكون لها غرض وغاية بينا نحن قد نفينا عن الفعل الالهي الغاية والغرض؟

ان الفكرة التي طرحها الطوسي "لا يصح تعليل الافعال الالهية إلاّ بسوق الموجودات إلى الكمال" تمثل معالجة النقيضة المتقدمة، لوضوح ان المنفي عنه الغرض هو الذات الالهية، اما ان تكون موجودات وأفعال عالم الامكان ذات غاية وغرض فهذا أمر لا يتعارض مع نفي الغرضية عن الذات الالهية وافعالها. فالباري تعالى ليس له غرض من خلق عالم الامكان، إلاّ أنه خلقه غرضياً، تقع حوادثه لغاية تحقيق كمالها.

إذن; المنفي هو ان يكون للذات الالهية غرض وغاية من الافعال، اما المثبت فهو غرضية هذه الافعال وغائيتها.

أي ان الله تعالى ليس له غرض من الفعل، لانه لا يستكمل بأي غرض ولا يسد أي نقص في أفعاله، اما الافعال نفسها فهي تستكمل وتشبع حاجاتها عبر حركتها صوب غاياتها المرسومة لها في نظام الوجود.

لكننا نلاحظ تبني الطوسي في نقد المحصل لمذهب الحكماء في "العناية"; إذ يعالج الحكماء الغرضية في ظل مبدأ "العناية"، وتواجه هذه الملاحظة اشكالاً في ضوء إحدى معارضات الطوسي للامام الرازي. ففي بحث إثبات صدق الباري تعالى لجأ الرازي إلى أحكام العقل النظري وأكد ان الكذب نقص، لا يتصف به الكمال المطلق، ومن ثم يستحيل ان يصدر الكذب عن الله تعالى. وقد اعترض عليه الطوسي قائلاً:

"الحكم بأن الكذب نقص ان كان عقلياً كان قولاً بحسن الاشياء وقبحها عقلاً، وان كان سمعياً لزم الدور"(44).

من حيث الاساس يتبنى الباحث هنا وجهة النظر التي تقول ان ما يوسم بالنقص والكمال في عالم الافعال الارادية وفي السلوك لا يمكن فهمه بغض النظر عن أحكام العقل بما ينبغي وما لا ينبغي، أي ان الكمال والنقص الاخلاقيين لا يتوفران على مضمونهما الحقيقي إلاّ في طول أحكام العقل العملي. ومن ثم يصح لنا ان نقول ان الحكم بان الكذب نقص ان كان عقلياً فهو حكم تابع وفي طول حكم العقل بان الكذب لا ينبغي فعله.

لكن الطوسي ومذهب الحكماء الذين فهموا الكمال والخير والحسن والقبح والشر والنقص على أساس من نظرية الوجود والعدم، والذين قرروا بوضوح ان الاحكام البرهانية لا يمكن الوصول إليها عبر الاحكام المشهورة أي أحكام التدبير وما يسمى بالاراء المحمودة، كيف يصح لهؤلاء ان يعترضوا على الرازي بأن وسم الكذب بالنقص عقلياً يتوقف على إثبات الحسن والقبح العقليين؟

 

الطوسي في التجريد:

"التجريد" قسمان، قسم في المنطق، وآخر في العقيدة. هكذا عرف "التجريد" في مدرسة الحلة، وجاء شرح العلاّمة للتجريد بوصفه قسمين مستقلين، فشرح قسم المنطق تحت عنوان "الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد". اما القسم الخاص بالعقيدة فشرحه تحت عنوان "كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد".

ولم نطلع على شرح للتجريد تناول القسمين معاً، ولعل العلاّمة الحلي هو الشارح الوحيد الذي شرح القسمين كلا على حده.

سوف نتابع الطوسي في "تجريد" المنطق و"تجريد" الاعتقاد معاً. وسيكون منطلقنا في فهم الطوسي هو "العلاّمة الحلي" بشرحيه، دون ان نغفل أحد أهم الشروح الاخرى أعني شرح "علاء الدين القوشجي" الموسم بـ "شرح تجريد العقائد". ولكن لماذا يكون العلاّمة الحلي منطلق فهمنا؟ لان الطوسي المتكلم لا يصح ان يفهم خارج اطار مدرسة الحلة، لا يصح قراءة نصوصه مع اغفال فهم الحليين، ولا يصح تفسير وتحليل اجتهاداته الكلامية خارج اطار هذه المدرسة.

يقولون: ان الطوسي أسس المنهج الفلسفي في علم الكلام. وهل يمكن ان تفهم هذه الدعوى، دون قراءة الفكر الكلامي لتلاميذ الطوسي، ومن أسس لهم؟ بل هل يمكن تعريف هذه الدعوى وتحديد المعني بها، دون ان نحدد المنهج الفلسفي، ودون ان نتعرف على معطيات الطوسي الكلامية كما فهمت في جو مدرسته الاخيرة. حيث قضى الرجل ثمالات عمره العلمي في ظل مدرسة الحلة. فهل صحيح ان الطوسي علّم الحليين علم الكلام أو أسس لهم علماً كلامياً فلسفياً، أم هم الذين أسسوا له ما يختاره من علم الكلام، وهم ورثة مدرسة بغداد الكلامية المتمثلة باعلام الامامية في القرن الرابع والخامس الهجريين ]المفيد، المرتضى، الطوسي[؟

وقبل تحليل وتفسير اتجاهات الرجل لا بد ان نعكف أو لا على درس التجريد ومواقف الطوسي في هذا الكتاب المهم من اشكاليات الحكمة العملية.

نبدأ من قسم المنطق، وعلى وجه التحديد من "الجوهر النضيد في شرح منطق التجريد"، ثم نتابع البحث في القسم الاخر. وسوف تكون متابعتنا لقسم

المنطق عاجلة سريعة. اما القسم الاخر فسنختار العمود الفقري لابحاث الحكمة العملية من "تجريد الاعتقاد"، ونقوم بعملية شرح لها على الطريقة التقليدية في الشروح نضع المتن في أعالي الصفحة، ونأخذ بالشرح في السطور التي هي دون المتن.

أعمد إلى ذلك احياء لعملية قراءة التراث، قراءة جادة وعميقة، وانا أرى طغيان روح الارتجالية والتسطيح في فهم هذا التراث وفي تقويمه. على ان شرحنا سيتضمن مقارنة ما طرح في "التجريد" بما طرحه الطوسي في شرح الاشارات ونقد المحصل. مضافاً إلى اثارات نقدية لاتجاهات مدرسة العقل في ضوء ما اختاره الباحث من اتجاه في الحكمة العملية. وسنخصص خاتمة البحث لقراءة الطوسي في ضوء نتائج هذه المتابعة، لنرى موقعه في اطار مدرسة العقل الكلامية.

 

الطوسي في منطق "التجريد":

على غرار ما صنعه المناطقة الارسطيون وعلى رأسهم الشيخ ابن سينا في منطق الاشارات وفي الشفاء جاء تقويم الاحكام العملية في منطق التجريد عبر ثنايا نظرية البرهان. وقد قرر الطوسي هناك: "ومبادئ الجدل... هي المشهورات الحقيقية اما مطلقة يراها الجمهور ويحمدها بحسب العقل العملي كقولنا العدل حسن وتسمى آراء محمودة، أو بحسب خلق أو عادة أو قوة من القوى النفسانية كحمية أو رقة أو بحسب استقراء، وبالجملة بحسب شيء غير بديهية العقل النظري"(45).

والشارح العلاّمة يتابعه حذو القذة للقذة. ومن الواضح تماماً ان الطوسي هنا يتابع بشكل حرفي اتجاه الشيخ الرئيس، الاتجاه الذي أكدته سائر بحوث ابن سينا المنطقية، بل الفلسفية أيضاً، كما ثبتنا نصوصاً من الاشارات، فيما تقدم من بحث.

هناك بعض الباحثين وعلى رأسهم المرحوم الدكتور مهدي حائري ذهب إلى ان تصنيف الاحكام العملية على المشهورات لا يتنافى مع كونها أحكاماً ضرورية وأولية، استناداً إلى قاعدة يقرها المناطقة الارسطيون، ويقرها الطوسي أيضاً في "الجوهر النضيد"، حيث قرر في النص اللاحق للنص المتقدم قائلاً: "والواجبة قبولها مشهورة بحسب الاغلب ولا تنعكس". وقد عضد الدكتور حائري مذهبه بنص نقله عن اللاهيجي في "سرمايه ايمان"، وحمل بشدة على المرحوم الشيخ محمد حسين الاصفهاني، حيث تبنى في أبحاث علم أصول الفقه نظرية اعتبارية الاحكام العملية، وأخرجها من دائرة القضايا الحقيقية والاحكام الضرورية، محملاً الاصفهاني مسؤولية هذا المذهب(46).

لكن مراجعة النصوص التي تقدم نقلها عن الاشارات تؤكد بشكل لا لبس فيه على ان اتجاه المناطقة الاسلاميين يتبنى المذهب الذي أعاد الاصفهاني له الحيوية فيما كتبه من أبحاث في علم أصول الفقه، وتبناه تلميذاه العلمان المظفر والطباطبائي في دراساتهم المنطقية والفلسفية والاصولية. أما اللجوء إلى علاقة العموم والخصوص المطلق بين المشهور والضروري فهي غير مجدية، بعد أن أكد الشيخ الرئيس والطوسي عبر النصوص المتقدمة على ضرورة الحذر المنهجي من استخدام الاحكام العملية ]أحكام الحسن والقبح [في الابحاث البرهانية.

في هذا الضوء لا نجد تأويلية الدكتور حائري مستندة إلى قرار مكين، بل هي لا تتعدى الرغبة العلمية. اما ان نأخذها مأخذ الجد فأمر دونه خرط القتاد. نعم يصح للدكتور حائري ان يطرح اجتهاداً مختلفاً، يقوم على أسس وأصول مبتكرة منقحة، لا ان ينطلق في تأويل لا تطيقه النصوص ولا يتحمله سياق فكر الحكماء عامة، ليفسر لنا هوية الاحكام العملية.

 

الطوسي في تجريد الكلام

الفصل الثالث: في أفعاله

الفعل المتصف بالزائد اما حسن أو قبيح، والحسن أربعة وهما عقليان; للعلم بحسن الاحسان وقبح الظلم من غير شرع، ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا بالشرع، ولجاز التعاكس.

وليكون أيضاً منطلقاً عقلياً لمفردات وأصول في المعتقد الامامي.

في نص الماتن جاءت عبارة "الفعل المتصف بالزائد" وقد فسر العلاّمة الحلي والقوشجي الفعل غير الموصوف بالزيادة بالفعل الحادث، ومثلوا له بحركة الساهي والنائم، قال العلاّمة: "فالفعل الحادث اما ان لا يوصف بأمر زائد على حدوثه، وهو مثل حركة الساهي والنائم، واما ان يوصف وهو قسمان حسن وقبيح"(47). وقال القوشجي: "الفعل المتصف بالزائد اما ان يتصف بأمر زائد على الحدوث أولا، الثاني مثل أفعال النائم والساهي والاوّل اما حسن أو قبيح"(48).

لكن العلاّمة في شرحه نقل عن أبي الحسين البصري تعريفه للفعل فقال: "ان الفعل من المتصورات الضرورية وقد حده أبو الحسين بانه ما حدث عن قادر مع أنه حد القادر بانه الذي يصح ان فعل وان لا يفعل، فلزم الدور". لا شك ان مقصود أبي الحسين البصري وعامة المتكلمين من الفعل الذي يوصف بالحسن والقبح ويقع في دائرة ما ينبغي فعله وما لا ينبغي هو الفعل الارادي، كما اكد العلاّمة في نصه السابق، ومن ثم لا وجه لاعتراضه على تعريف أبي الحسين، الذي هو ليس بحد فني للفعل، بمقدار ما هو تحديد، وتحرير لمحل النزاع والبحث.

نعود إلى متن الطوسي، حيث قال "الحسن أربعة"، دون ان يطرح تعريفه للحسن والقبح. هذا التعريف الذي تبناه في قواعد العقائد، حيث قال: "بل المراد بالحسن في الافعال ما لا يستحق فاعله ذماً أو عقاباً، وبالقبح ما يستحقهما بسببه"(49).

وما لا يستحق فاعله الذم أو العقاب هو الجامع بين الافعال الاربعة (المباح، المستحب، المكروه، الواجب)، التي ميز العلاّمة في شرحه بينها على أساس المدح والذم.

وهنا يطرح الاشكال التالي: ان الذم والمدح أفعال توصف بالحسن أو القبح، فكيف يجوز ان نعرف الحسن والقبح بها؟ بل استحقاق المدح والذم يعني ان المدح والذم مما ينبغي فعله، ونكون قد عرفنا الحسن بما يحسن المدح عليه.

على ان هناك بحثاً في استحقاق العقاب والثواب والذم والمدح، يثير اشكاليات متعددة، كما يثير أمام هذا التعريف اشكالية جادة بشأن أداة إدراك استحقاق الثواب والعقاب، هل هي العقل أم السمع؟ ومن يختار السمع فسوف يقع في تناقض، حينما يقرر ان الحسن والقبح مدركان عقليان لا شرعيان; إذ كيف يكون ما يستحق الثواب والعقاب مدركاً عقلياً، ونحن نقرر ان استحقاق الثواب والعقاب لا يدرك إلاّ في ضوء الشرع؟!

 

الادلة على عقلية الحسن والقبح:

ذكر الطوسي ثلاثة أدلة في مقام إثبات عقلية الحسن والقبح:

الاوّل: العلم بحسن الاحسان وقبح الظلم، وهو يشير بذلك إلى إدراك العقل البديهي الاولي لمبادئ واضحة بالضرورة، والضرورة هنا البداهة والاولية، ويستشهد باقرار سائر أبناء البشر بحسن الاحسان وقبح الظلم، رغم اختلاف أديانهم ومذاهبهم العقائدية. ولو كان حسن الاحسان أمراً شرعياً لما أقر به من لم تصل إليه شريعة إلهية. وهذا الدليل يصلح للرد على سائر منكري عقلية مبادئ الحكمة العملية والحسن والقبح، سواء أكانوا على مذهب الحكماء (الذين أشار إليهم العلاّمة في الشرح بقوله: والاوائل ذهبوا إلى ان من الاشياء ما هو حسن ومنها ما هو قبيح بالنظر إلى العقل العملي) في ان أحكام العقل العملي وحسن الافعال وقبحها أحكام تنشأ جراء التدبير العملي للمدينة، وما هي إلاّ آراء تتفق عليها الجماعة البشرية، وتتلقاها الاجيال عبر التدريب والتربية، أم كانوا على مذهب الاشعرية الكلامية، وهم المعنيون أساساً في إقامة الدليل لدى الطوسي، حيث نص على ذلك في قوله (من غير شرع).

الثاني: اننا إذا لم نؤمن بعقلية مبادئ الحسن والقبح وقلنا بشرعيتهما فسوف لا يثبت حسن أو قبح عقلي ولا شرعي، والتالي باطل لدى الطرفين، فيثبت نقيض المقدم، وهو ان الحسن والقبح عقليان.

إيضاح الملازمة:

...

 

اننا إذا نعلم بقبح الكذب عقلاً وسلمنا ان الكذب يقبح حينما يخبرنا به الله (الشارع) فحسب، سوف لا نستطبع ان نثبت قبح الكذب شرعاً، وذلك لاننا لا نعلم بقبح الكذب على الله، وحينما يخبرنا بان الكذب قبيح فسوف لا ندري أهو كاذب أم صادق بهذا الاخبار، وحينئذ سوف لا يثبت قبح الكذب شرعاً.

وقد طرح هذا الدليل بشكل آخر، وذلك بدعوى ان انكار الحسن والقبح العقليين يؤدي إلى سلب إمكانية إثبات النبوة، إذ لو لم نعلم بأن الله تعالى لا يفعل القبيح وانه لا يجري المعجزة على يد الكاذب، لما استطعنا إثبات النبوة والشريعة، لان معجزة الكاذب ممكنة، وهذه المعجزة لا تثبت الشريعة والنبوة فلا يثبت قبح الكذب شرعاً.

وهنا أذكر بملاحظات حول هذا الدليل:

1 ـ ان هذا الدليل يوجه كنقض على الاشعرية وعامة الاتجاهات التي تقرر ان الحسن ما حسنه الله والقبيح ما قبحه الله أو قل الحسن ما أمر به الله والقبيح ما نهى عنه الله.

*******

 والقبح لاثبات ان الله لا يكذب، بل نستطيع نفي الكذب عنه بواسطة القواعد النظرية، باعتبار ان الكذب منقصة لا يمكن ان تقع من الكمال المطلق. والملاحظة الاخير تشمل التقرير الثاني للدليل أيضاً، وهي ملاحظة قررها السيد الصدر في بحوثه الاصولية، وسنحاول تمحيصها في القادم من البحث.

الثالث: ان الحسن والقبح لو كانا غير مستندين إلى العقل بل يثبتان شرعاً لجاز التعاكس في الحسن والقبح; فان الشارع يجوز ان يأمر بما حرمه ويحرم ما أباحه، كما حصل في النسخ فيلزم جواز الاساءة وقبح الاحسان، وهذا باطل بالضرورة.

هكذا قرر القوشجي الدليل الثالث للتجريد في هذا المجال، وبحكم اتجاهه الكلامي يعلق راداً عليه بقوله "ان الباطل بالضرورة حسن الاساءة وقبح الاحسان بأحد المعنيين الاوّل والثاني لا بالمعنى المتنازع فيه"(50).

إشارةً إلى المعاني المختلفة لمصطلح الحسن والقبح(51)، وقد حددها بوضوح عضد الدين الايجي في "المواقف"، ذلك ان الحسن والقبح يطلق على ثلاثة معاني، وله ثلاث دلالات:

******

 

الاوّل: ان يراد به الكمال والنقص.

الثاني: ان يراد به ما يلائم الغرض وما ينافره.

الثالث: ان يراد به ما يستحق الذم والعقاب والمدح والثواب عليه.

لا شك ان بطلان حسن الاساءة وقبح الاحسان بالضرورة يتوقف على إدراك العقل الاولي لقبح الاساءة وحسن الاحسان. وعندئذ سيكون الدليل الثالث تنبيها على الادراك البديهي للعقل، وليس دليلاً مستقلاً. لان الضرورة في مصطلحهم تعني البداهة والوضوح الاولي.

وإذا أغمضنا النظر عن الضرورة، يبقى لنا أن نقول مع رجال مدرسة العقل ان الحسن والقبح إذا كانا شرعيين، فان العقل يصح له على قاعدة النسخ ان يتصور امكانية حكم الشارع بقبح الاحسان وحسن الاساءة وجواز الكذب واباحة الخيانة... وليس أمام العقل من طريق لاستبعاد هذه الامكانية ما دام الباب موصداً أمامه لتقرير ما ينبغي وما لا ينبغي من الافعال.

لكن العلاّمة يقرر الدليل الثالث بشكل آخر، إذ يقول: "الذي خطر لنا في تفسير هذا الكلام أنه لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لجاز ان يقع التعاكس في الحسن والقبح بان يكون ما نتوهمه حسناً قبيحاً وبالعكس. وكان يجوز ان يكون هناك أمم عظيمه يعتقدون حسن مدح من أساء إليهم وذم من أحسن، كما حصل لنا اعتقاد عكس ذلك. ولما علم كل عاقل بطلان ذلك جزمنا باستناد هذه الاحكام إلى القضايا العقلية لا الاوامر والنواهي الشرعية ولا العادات"(52).

 

*******

 

 وبهذا التقرير يكون الدليل الثالث رداً على كل المسالك اللاعقلية في الحكمة العملية. لكن الركون إلى الاتفاق العام على مبادئ الحسن والقبح لا يؤكد عقليتها بالمفهوم الذي تسعى إليه مدرسة العقل الكلامية، وسائر الاتجاهات العقلية في الحكمة العملية. لان الاتفاق العام يمكن تفسيره على أسس تكوينية طبيعية في حياة البشر، وليس هناك ضرورة لان يكون هذا الاتفاق قائماً على بديهية العقل، بل يقال ان طبيعة الاجتماع الانساني ومطالب التكوين البشري تدفع عقلاء البشر إلى التواضع على قواعد لتوجيه السلوك وفق مصالح الاجتماع الانساني، وما قواعد الحكمة العملية إلاّ هذه القواعد التدبيرية.

كررنا عبارة مبادئ العقل العملي; بغية الاشارة إلى ان محور النزاع والجدل حول مدركات العقل العملي والحسن والقبح ينصب على مجموعة من أحكام العقل، وليست كل أحكام العقل العملي، فالبحث حول عقلية الاحكام العملية لا يعني إثبات ان كل حكم عملي صادر من العقل المحض. نعم النافي لعقلية الاحكام العملية مطالب بدليل على إثبات السالبة الكلية (لا شيء من الاحكام العملية بعقلي) اما المثبت فمطالب بإثبات الموجبة الجزئية لاثبات مدعاه، وعبرنا عنها بمبادئ العقل العملي.

 ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور، وارتكاب أقل القبيحين مع امكان التخلص، والجبر باطل

 بعد ان طرح ثلاثة أدلة على عقلية مبادئ الحسن والقبح اتجه نحو مناقشة ردود الخصوم، ثلاثة نقوض يطرحها الاشاعرة كاشكاليات أمام دعوى عقلية مبادئ الحسن والقبح، نطرح أولا الاشكال الاشعري، ثم نذكر رد الطوسي عليه:

 

الاوّل: ان الحسن والقبح لو كانا ثابتين للافعال ثبوتاً ضرورياً لما تفاوت الناس في إدراكهما، ولما اختلفت القواعد العملية من جماعة إلى جماعة، فمالاًهو قبيح عند بعض الناس ليس قبيحاً عند آخرين. والعلوم الضرورية كالكل أكبر من الجزء والنقيضين لا يجتمعان لا تفاوت في إدراكها بين الناس.

أجاب ان التفاوت في إدراك العلوم الضرورية أمر جائز لان الناس قد يختلفون في تصور هذه العلوم، ومن ثم يختلفون في التصديق بها. فهناك من يقول ان اجتماع النقيضين محال، وهناك من يقول ان اجتماعهما ليس بمحال. ومرد الاختلاف بين الفريقين يرجع عند التحليل إلى اختلاف التصور المطروح للنقيضين، فاجتماع الوجود والعدم في الواقع الحقيقي يقرره الديالكتيك ومن ثم يقرر تناقضا في الواقع، بينا ينكر المنطق وقوع التناقض في الحقيقة الواحدة والواقع الحقيقي مؤلف من وجود فعلي ووجود بالقوة، وهما متضادان لكنهما ليسا حقيقة واحدة لدى التحليل. إذن ما يتصوره الديالكتيكي من موضوع للتناقض يتفاوت عما يتصوره المنطق من موضوع للتناقض.

 

الثاني: ان الواجبات تتعارض وتتزاحم في عالم الافعال الخارجية، ولابد في النهاية من ترجيح أحدهما على الاخر، ثم الغاء أحدهما. فلو كان الكذب موجباً لنجاة النبي من القتل أفلا يجوز الكذب، ولو وعد بقتل مؤمن إلاّ يحرم هذا القتل ويدخل في دائرة القبيح. وهذا يعني ان الكذب ليس قبيحاً بذاته وليس كل كذب مما لا ينبغي فعله، وان الوفاء بالوعد ليس حسناً بذاته وان كل وعد يجب الوفاء به.

فمن قال: لا كذبن غدا، لا يجوز ان يكذب ولا يجوز له الوفاء بوعده.

الجواب على هذا الرد ـ كما جاء في شرح العلاّمة ـ : "ان تخليص النبي أرجح من الصدق فيكون تركه أقبح من الكذب فيجب ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحه العظيمة الراجحة على الصدق، وايضاً يجب ترك الكذب في غد لانه إذا كذب في الغد فعل شيئاً فيه جهتا قبح وهو العزم على الكذب وفعله، ووجهاً واحدا من وجوه الحسن وهو الصدق، واذا ترك الكذب يكون قد ترك الكذب والعزم، وهما وجها حسن، وفعل وجهاً واحداً من وجوه القبح وهو الكذب. وايضا قد يمكن التخلص عن الكذب في الصورة الاولى بان يفعل التورية"(53).

السؤال المطروح هنا: هل العقل يصدر أحكامه عامة أم يصدرها مخصصة بترجيح الاهم؟

 لا شك ان العقل يصدر أحكامه عامة مطلقة، ولم يفترض التزاحم والتنازع بينهما في مقام العمل، لان العقل المعني هنا هو العقل الاولي ـ قبل التجربة والخبرة والعمل ـ ولكن اذا تجاوزنا هذه الفكرة، وسلمنا ان العقل يصدر أحكامه فيما ينبغي وما لا ينبغي من الافعال على نحو الاقتضاء وبشرط ان لا يزاحمها ما هو اهم منها في مقام العمل، فما هو المقياس الذي يطرحه العقل للترجيح؟

ان ترجيح الحفاظ على حياة النبي أو الانسان بعامه على ارتكاب الكذب يقوم على أساس وجود مصلحة أرجح في الحفاظ على حياة النبي، والسؤال هنا من الذي يدرك هذه المصلحة؟ هل هو العقل الاولي السابق للخبرة والتجربة أم هو عقل بعدي مزود بخبرات تشريعية محددة؟

ان العقل الذي يرجح في هذا المقام هو عقل بعدي دون شك، إذ هل يحكم منكروا نبوة محمد (ص) أو نبوة عيسى (ع) أو أي نبي آخر بمثل هذا الترجيح؟ أجل لعلهم يحكمون بترجيح القتل على الكذب دون تردد، بحكم مصلحة بقاء معتقداتهم ومقدساتهم مصونة من خطر القضاء عليها من قبل هذا النبي; بل لا يحصل لدى هؤلاء عادة تزاحم بين قتل الانبياء وقبح الكذب. ان عالم المصلحة ليس عالم العقل، وعلى وجه التحديد العقل البريء من خبرات الواقع. إذن فالترجيح هنا ليس ترجيحاً عقلياً، بل ترجيح بعدي لاحق يتكأ أساساً على الشريعة وأحكامها وعلى العرف ومواضعاته.

 أما ما هو الطريق للخروج من هذا المأزق؟ هل نلغي أحكام العقل وها هي تخرج في عالم الافعال الخارجية من عقيلتها، وتضحى أحكاماً عقلائية، ترتبط بالمصلحة والمفسدة، أم نصر على عقلية الترجيح؟ هناك من يقول ان المخرج هو القول بان العقل يحكم باقتضائية الافعال ـ وهذا ما فعله أستاذنا الصدر ـ إلاّ اننا تساءلنا عن طبيعة هذا المخرج، هل هو تفسير عقلي خالص لمدركات العقل ام أنه ملاذ بعدي لجأ اليه الباحث بعد ملاحظة عالم الافعال وتزاحمها وتعارضها؟ ولعل فيما طرحته في الاسس العقلية من اتجاه ما يعالج المشكلة المثارة أمام مدرسة العقل الكلامية، بل المدرسة العقلية في الحكمة العملية عامة، فقد واجه كنت هذه الاسئلة في مذهب الفضيلة، وترك جلها حائرة بلا جواب.

الثالث: لاذ تلامذة الاشعري صاحب نظرية (الكسب) بالجبر لكي ينقضوا على المعتزلة نظريتهم في عقلية مبادئ الحسن والقبح فقالوا ان الحسن والقبح لا يتعلق إلاّ بالافعال الاختيارية وأفعال العباد ليست باختيارية، ومن هنا فلا يحكم العقل بحسنها أو قبحها. واليك نص المواقف:

"لنا وجهان: ـ الاول: ان العبد مجبور في افعاله، واذا كان كذلك لم يحكم العقل فيها بحسن ولا قبح اتفاقاً"(54). وهذا نص الرازي في ...

 الفعل عنه إلاّ إذا أحدث الله فيه الداعى إلى الفعل، ومتى أحدث الله الداعي فيه كان الفعل واجباً. وبالاتفاق لا يقبح من المضطر شيء)(55).

وجاء رد الطوسي برفض أساس فكرة الجبر، متبنيا الاتجاه العام لمدرسة العقل الكلامية، وسيأتي الوقوف عند هذا البحث.

وأخيراً هل يتطابق موقف الطوسي من الاحكام العملية هنا مع موقفه في شرح الاشارات وفي منطق التجريد؟

تصنيف الاحكام العملية على مبادئ الجدل ـ من وجهة نظر المنطق الارسطي ـ يعادل اخراجها من عالم الاحكام اليقينية إلى الاحكام الظنية. وأحكام الوجود عامة وواجب الوجود بوجه خاص يطلب فيها اليقين ـ من وجهة نظر الفلسفة ـ ومن ثم لا يصح ان تستخدم مبادئ الجدل عامة في إثبات أحكام الوجود والواجب.

لكن مبادئ الاحكام العملية ـ من وجهة نظر مدرسة العقل ـ يقينية مدركة بالبداهة، فهي علوم وليست بظنون. وهذا الاتجاه هو ما تبناه الطوسي بشكل لا لبس فيه في متن التجريد، وأكدته مدرسة الحلة الكلامية في بحوث شارح التجريد وفي بحوث عامة متكلمي هذه المدرسة.

 لم يجد بدا من التحلل عن هذا الوفاء، فأقام الاحكام العملية على قاعدة وثيقة من العقل اليقيني بالبداهة، وأضحت مبادئ هذه الاحكام علوماً، يدركها العقل، ولا تقوم على مجرد الاعتراف والمواضعة.

هذه المفارقة في الجمع بين هذين الاتجاهين أبعدها عن المراقبة اختلاف حقلي تثبيت هذين الاتجاهين. فالاوّل حرره الطوسي في أبحاثه المنطقية، بينا أكد الاتجاه الثاني في بحوثه الكلامية. أجل لم تتجل هذه المفارقة ولم تقلق متقدمي المناطقة المتكلمين العقليين، رغم اثارتها من قبل الغزالي، حيث تمسك بالتقويم المنطقي للاحكام العملية كحجة في إثبات عدم عقلية هذه الاحكام.

لكن بحوث العلاّمة الطباطبائي والمطهري، ودراسات المحدثين التي تبنت اشكالية هيوم ]عدم صحة الانتقال من الواجب إلى الواقع [أبرزت هذه المفارقة، ووضعتها على المحك كاشكالية تتطلب حلاً.

واستغناؤه وعلمه يدلان على انتفاء القبح عن أفعاله تعالى.

هل يفعل الله القبيح وما لا ينبغي فعله؟

إذا ذهبنا ـ كما ذهب الاشاعرة ـ إلى ان العقل لا سبيل له إلى تحديد ما ينبغي وما لا ينبغي فعله فقدنا عندئذ المقياس الذي يصح لنا في ضوءه ان نسم الافعال بالحسن والقبح، بما في ذلك أفعال الباري تعالى. وعندئذ يكون نفي القبح عن أفعاله تعالى من باب السالبة بانتقاء الموضوع، لان أفعاله لا توصف بالحسن والقبح.

أما مدرسة العقل الكلامية فهي ترى ثبوت مبادئ الحسن والقبح لدى العقل ثبوتاً ضرورياً. ومن ثمّ حاولت الاستدلال على ان الله تعالى لا يفعل القبيح. وانطلقت من قاعدة عامة مفادها: ان كل عالم بالقبيح ومستغن عن فعله لا يفعله، وحيث ان الله عالم بقبح القبيح وغني عن فعله، يثبت ان الله تعالى لا يفعل القبيح.

اما كيف تثبت القاعدة "كل عالم بالقبيح ومستغن عن فعله لا يفعله"، هل هي قاعدة بديهية، أم هناك برهان يقوم عليها؟

لقد تابع الطوسي في إثبات هذه القاعدة شيوخ مدرسة العقل الكلامية، وعلى رأسهم القاضي عبد الجبار، إذ يقول الاخير: "ان الله تعالى عالم بقبح القبيح وانه مستغن عنه وعالم باستغنائه عنه وان من هذه حاله لا يختار القبيح بوجه من الوجوه"(56). ويدلل في المغني على كبرى هذا ...

 الكلام في ان المستغني بالحسن عن القبيح لا يختار القبيح فظاهر، لانا نعلم في الشاهد ضرورة ان أحدنا إذا استغنى باقتضاء دينه عن غصب مال الغير فانه قط لا يغصب مال الغير، لا ذلك إلاّ لاستغنائه بالحسن عن القبيح.

وأوضح في المثال من هذا هو من استغنى بماء الفرات عن اغتصاب شربة من ماء الغير بان يكون على الشط فانه قط لا يغصب تلك الشربة من غيره، ولا وجه له إلاّ استغناؤه بالحسن عن القبيح على ما ذكرناه. وهذه العلة بعينها دائمة في القديم فوجب ان لا يختار القبيح"(57).

الملاحظ ان القاضي وتبعاً له جل متكلمي مدرسة العقل حاولوا إثبات امتناع عقلي ولو على مستوى الوقوع، أي ان يثبتوا حكم العقل بامتناع وقوع الفعل القبيح من الله. وهذا يستلزم بدوره إثباتاً عقلياً لهذا الامتناع. إلاّ ان القاضي استند إلى قياس الغائب على الشاهد، وادعى ان استقراء الشاهد يدلل على ان المستغني عن القبيح بالحسن لا يفعله; والغريب ان مراجعة التاريخ الانساني تثبت ان أقبح الممارسات وأشدها ظلماً وتعسفاً هي تلك الممارسات التي مارسها أصحاب القرار والمال بحق من أغناهم الله عن ماله وحريته وكرامته.

*********

 استقراء، فقرر العلاّمة الدليل كما يلي: "ان له داعياً إلى الفعل الحسن وليس له صارف عنه وله صارف من فعل القبيح وليس له داع إليه، وهو قادر على كل مقدور، ومع وجود القدرة والداعي يجب الفعل، وانما قلنا ذلك لانه تعالى غني يستحيل عليه الحاجة وهو عالم بحسن الحسن وقبح القبيح، ومن المعلوم بالضرورة ان العالم بالقبيح الغني عنه لا يصدر عنه وان العالم بالحسن القادر عليه إذا خلا من جهات المفسدة فانه يوجده. وتحريره ان الفعل بالنظر إلى ذاته ممكن وبالنظر إلى علته واجب، وكل ممكن مستند إلى قادر، فان علته انما تتم بواسطة القدرة والداعي فإذا وجد فقد تم السبب وعند تمام السبب يجب وجود الفعل"(58).

وعند التحليل نلاحظ ان دليل العلاّمة يرجع في جوهره إلى دعوى ان الذات الالهية المقدسة لديها العلة التامة لترك القبيح وفعل الحسن; أذ العلة التامة لفعل القبيح ما هي إلاّ وجود المقتضي (العلم والداعي والقدرة) وارتفاع المانع والصارف. والبحث ينصب على إثبات هذه الدعوى.

 مع قدرته عليه لعموم النسبة، ولا ينافي الامتناع اللاحق.

 حينما اتفق مذهب رجال مدرسة العقل على ان الله يمتنع عليه فعل القبيح، طرحت أمامهم اشكالية تعطيل قدرته في مساحة من الممكنات، وهي القبائح. فقد نسب إلى الجاحظ والاسكافي ان الله لا يوصف بفعل القبيح، وإلى النظّام سلب القدرة على فعل القبيح، وذهب معظم رجال مدرسة العقل إلى إثبات قدرته على فعل القبيح، الذي يمتنع صدروه منه. وأمام مذهب هؤلاء تطرح اشكالية الجمع بين شمول القدرة للفعل وامتناع صدوره.

وجوابهم ان الامتناع عن الصدور هنا لاحق لاتصاف الفعل بالامكان الذاتي. فالفعل القبيح ممكن بالذات، والقدرة الالهية شاملة لكل الممكنات، والفعل القبيح لا يصدر عنه تعالى لا لعجزه عن ايقاعه، بل لكماله واستغنائه المانع عن صدوره.

ولا بد من الاشارة هنا إلى الفارق بين منهجي الحكماء والمتكلمين في معالجة هذا البحث:

 كونه واجب الوجود.

ثم عرّفوا الخير بكمال الوجود فأثبتوا ان واجب الوجود بالذات خير محض، لان النقص والعدم لا طريق إليه، "والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ويتم به وجوده والشر لا ذات له، بل هو أما عدم جوهر، أو عدم صلاح حال الجوهر.

فالوجود خيرية، وكمال الوجود خيرية الوجود، والوجود الذي لا يقارنه عدم: لا عدم جوهر ولا عدم شيء للجوهر، بل هو دائماً بالفعل، فهو خير محض"(59).

إلى هذا الحد يمكننا ان نمضي في سياق الحكماء وندعي ان الفضائل الاخلاقية وكل ما يدعى من واجبات عملية عقلية ما هي إلاّ كمالات وجودية، تتوفر عليها الذات الالهية في حدها اللامتناهي المطلق. ومن الطبيعي اننا سنكون مطالبين ببرهان، ما لم نفترض لدعوى مساواة الواجبات العملية للكمالات الوجودية البداهة والاولية، وهي دعوى لا نجرأ عليها.

لكن نصوص الحكماء لم تقف عند هذا الحد، بل تناولوا موضوع البحث عبر لون آخر من النصوص. فقالوا: "بل نقول من رأس: ان الشر يقال على وجوه:

يقال: شر للافعال المذمومة.

ويقال: شر لمباديها من الاخلاق.

ويقال: شر للالام والغموم وما يشبهها.

ويقال: شر لنقصان كل شيء عن كماله، وفقدانه ما من شأنه ان يكون له.

وكأن الالام والغموم، وان كانت معانيها وجودية ليست اعداماً، فانها تتبع الاعدام والنقصان.

والشر الذي هو في الافعال أيضاً هو بالقياس إلى من يفقد كماله بوصول ذاك إليه مثل الظلم، أو بالقياس إلى ما يفقد من كمال يجب في السياسة المدنية، كالزنا.

وكذلك الاخلاق، انما هي شرور، بسبب صدور هذه عنها، وهي مقارنة لاعدام النفس كمالات يجب ان تكون لها"(60).

ما ينبغي فعله؟! لكنهم يقررون بوضوح لا لبس فيه ان الكمال المدني أمر اعتباري وتدبير تقتضيه متطلبات الحياة الاجتماعية ومن ثم يكون كمال السياسة المدنية أمراً اعتبارياً.

ثم انهم يعرفون الشر بانه "والشر بالذات هو العدم، ولا كل عدم، بل عدم مقتضى طباع الشيء من الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته. والشر بالعرض هو المعدم أو الحابس للكمال عن مستحقه"(61).

ثم يقررون ان الافعال ليس فيها ما هو شر بالذات، بل الافعال الشريرة جميعاً نسبية الشر، والافعال بذاتها كمالات لفاعليها!

"ولا تجد شيئاً مما يقال له: شر من الافعال، إلاّ وهو كمال بنسبة الفاعل إليه، وعسى انما هو شر بالقياس إلى السبب القابل له، أو بالقياس إلى فاعل آخر يمنع عن فعله في تلك المادة، التي هو أولى بها من هذا الفعل. والظلم يصدر مثلاً عن قوة طلابه للغلبة، وهي الغضبية أعني خلقت لتكون متوجهة إلى الغلبة، تطلبها وتفرح بها. فهذا الفعل بالقياس إليها خير لها، وان ضعفت عنه، فهو بالقياس إليها شر لها. انما هو شر للمظلوم، أو للنفس النطقية التي كمالها كسر هذه القوة والاستيلاء عليها. فان عجزت عنه كان شراً لها"(62).

حينما نتفحص(63) هذا النص نلاحظ ان كل الافعال القبيحة تضحى مما ينبغي فعله للفاعل، لانها كمالات للنفس يجب ان تكون لها، وفق وجهة نظر الحكماء، لكنها تضحى شراً ومما لا ينبغي فعله بالقياس إلى ما يفقده النازل بساحته الفعل من كمال. ويمسي القبح أمراً نسبياً، بل الفعل بالذات وجود وكمال وخير لفاعله، انما يطرأ عليه الشر بسبب ما يعرض على الغير من فقد كمال.

ولكن هل ينجو فعل الخير من المقياس المتقدم؟ أجل ففعل الخير بدوره حينما ينزل إلى عالم الفعل والوجود تتنازعه الميول أيضاً فحب الذات يستكمل بالبخل ـ على حد تعبير ابن سينا ـ لكن الانفاق والاحسان كمال رغم أنه فقدان تحقق الذات فيه بعض ميولها.

المعاش وسياسة المدن. وهذه المقاييس حتى إذا حكّمنا العقلانية (القوة النطقية) فيها لا تتعدى كونها مقاييس تجريبية، لا تقرر لنا مبادئ أولية حاكمة بما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله; إذ العقل غير قادر قبل ملاحظة القوى وكمالاتها ونقصانها ان يحكم بما ينبغي وبما لا ينبغي.

حقاً هل يمكن لنا ان نتصور ان النفس الانسانية تطلب وتشتاق إلى امتثال أوامر الواجب وفعل الحسن وترك القبيح، دون ان تدرك في مرتبة سابقة أنه واجب وينبغي فعله. ان مبادئ الحسن والقبح ككمالات وخيرات لا يتم فعلها على غرار استكمال النفس الانسانية باشباع الشهوات، حيث الغريزة التي لا تتطلب عقلاً، بل شوق النفس نحو الواجبات الاخلاقية لا يحصل ما لم نفترض في مرحلة سابقة الايمان بهذه الواجبات، وتحولها إلى قيم كمالية تتطلع النفس الانسانية إليها.

وحقاً أيضاً هل يتم لنا إثبات ان الله لا يفعل القبيح على أساس قاعدة ان الوجود خير والعدم شر؟ (دعنا عن معالجة مشكلة وقوع الشر في العالم، فهذه مشكلة يجب معالجتها منهجياً كاشكالية على ان الاله كائن أخلاقي فهي تأتي في مرتبة لاحقة على إثبات ان الاله كائن أخلاقي). أي نقص، وأي عدم، وأي شر سوف يكون إذا افترضنا ان الرحمة الالهية عمت الجميع، وأضحت جهنم قاعاً صفصفاً وبرداً وسلاماً!

ليتحقق منها أقصى درجة من الخير الممكن من البشر، الذين أنعم الله عليهم بنعمة الحياة، فهددهم مجرد تهديد ليحققوا ما أمكنهم من خير وعدل وحسن!

ألانه عالم وغني، وكم من عالم غني وعيناه بريق يستحوذ على ما الفقراء والمستضعفين! ألانه قادر ولديه الداعي؟ وأي داع يعنون؟ أيريدون مجرد الميل إلى العمل وفق مبادئ الواجب، فالعقل الانساني يحفز الادميين عليه، ولم يفعلوا؟ أم يريدون المقتضي التام لفعل الحسن وترك القبيح، وهذا هو أوّل الكلام، أي ان القول بان لديه العلة التامة للعمل وفق مبادئ الاخلاق مصادرة على المطلوب; لان بحثنا في إثبات ذلك.

نعم ما لم نثبت ان الذات الالهية المقدسة إرادة لا تتنازعها الميول والرغبات، وان العقل الالهي عقل محض، وان العقل الانساني المحض هو الذي يكتشف مبادئ الاخلاق أو يقررها، وان النكوص الانساني عن أداء الواجب جراء اختلاط العقل الانساني بالتجربة والحس والميل والرغبة، فنثبت ان إرادة العقل المحض أخلاقية، لا نستطيع أن نثبت أن الارادة الالهية أخلاقية.

أجل فالارادة الالهية أخلاقية بالذات، لان الله تعالى عقل محض بالذات، بينا تختلط قوى العقل الانساني بين العقل الخالص الاولي، والعقل المشوب بالحس والتجربة.

الحسن والقبح وقياس الغائب على الشاهد في موضوع: (أن الله لا يفعل القبيح)، فالطوسي ذاته تبنى الرد على المعتزلة في دفاعه عن نهج الحكماء المتقدم فقال: "وبعض المتكلمين المنكرين لتلك الاصول كالمعتزلة انما يقررون ذلك على وجه آخر... مما يبنونه على مقدمات مشهورة على تحسين بعض الاحكام وتقبيح بعضها بحسب العقل يعدونها من البديهيات... فذكر الشيخ: ان تلك المقدمات ليست من الاوليات بل أكثرها آراء محمودة اشتهرت لكونها مشتملة على مصالح الجمهور... فاذن بناء بيان أحكام افعال الواجب الوجود عليها غير صحيح)(64).

وأخيراً لا بد من التنويه بان الطوسي في بدايات البحث في التجريد، وعلى وجه التحديد في أبحاث الوجود، طرح نصاً فرداً يؤكد ان الرجل على صلة بفكر الحكماء واتجاههم في (العناية) ومعالجة مشكلة وقوع الشرور في العالم. ففي سياق البحث عن أحكام الوجود، ذكر قائلاً: "وهو خير محض"(65)، ثم غار العلاّمة الحلي عند تفسير هذا النص في قلب المعالجة الفلسفية لمشكلة وقوع الشر في عالم الوجود فقال:

في كل ما يقال له شر وجدناه عدماً. الا ترى القتل فان العقلاء حكموا بكونه شراً وإذا تأملناه وجدنا شريته باعتبار ما يتضمن من العدم فانه ليس شراً من حيث قدرة القادر عليه فان القدرة كمال الانسان، ولا من حيث ان الاله قطاعة فانه أيضاً كمال لها، ولا من حيث حركة أعضاء القاتل، ولا من حيث قبول العضو المنقطع للتقطيع. بل من حيث هو إزالة كمال الحياة عن الشخص فليس الشر إلاّ هذا العدم وباقي القيود الوجودية خيرات فحكموا بان الوجود خير محض والعدم شر محض(66).

طرح هذا النص الفرد في التجريد منسلخاً عن الاساس النظري الفلسفي (العناية)، ومنقطعاً عن النتائج الاخرى، التي رتبها الحكماء على هذا الاساس. حيث تلاحظ ان الطوسي يطوي صفحاً عن فكرة العناية والاسس النظرية الفلسفية، التي قرأ الحكماء على هديها ]صفات الافعال[، وينطلق في إثبات هذه الصفات من القاعدة الكلامية العقلية، التي لم يصححها وفق منهج الحكماء.

ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم عوده إليه. وإرادة القبيح قبيحة وكذا ترك إرادة الحسن والامر والنهي. وبعض الافعال مستندة إلينا والمغلوبية غير لازمة والعلم تابع.

التزم الطوسي بما التزم به جمهور متكلمي مدرسة العقل بإثبات ان الله يفعل لغرض، وإلاّ لصارت أفعاله عبثاً، والعبث قبيح، والله لا يفعل القبيح. وقد اعترض الفخر الرازي وغيره من الاشاعرة بحجج منها "ان الفاعل لغرض مستكمل بالغرض"، فأجاب الطوسي بان الغرضية لا تعني ان يكون الغرض عائداً لذات الباري تعالى لكي يستكمل به، بل كمال لغيره.

لكن يطرح الاستفهام التالي: ما هو المعني بالعبث؟ هل هو الفعل الخالي من الغرض، وهنا تثبت المصادرة، لان بحثنا في إثبات هل افعاله خالية من الاغراض أم ان له أغراضاً؟ وقف الطوسي عند هذه الملاحظة التي أثارها الرازي في المحصل فقال (والعبث ليس هو الفعل الخالي عن الغرض مطلقاً. بل يجب ان يزاد فيه: "بشرط ان يكون من شأن ذلك الفعل ان يصدر عن فاعله المختار لغرض"(67).

مستوحى من عالم الادميين وسلوكهم الموسوم بالحكمة أو التوازن أو غيرها من السمات التي تطلق في هذا الباب، إذ للانسان الحكيم السوي المتوازن في أفعاله فعال لاهية غير جادة، وليست من شأنها ان تدخله في دائرة العبثية وفقدان الحكمة.

ثم أكد ان إرادة القبيح وإرادة ترك الحسن قبيحة، والله تعالى لا يفعل القبيح، إذن لا يريده أيضاً، لبداهة ان إرادته قبيحه، مضافاً إلى أنه أمر بالحسن ونهى عن القبيح، ومن الواضح ان الحكيم ينهى عما لا يريد ويأمر بما يريد.

 

وأخيراً أجاب عن ثلاثة حجج للاشاعرة:

1 ـ ان الانسان ليس له من الفعل شيء، بل الله هو خالق كل شيء. فأجاب: ان الانسان فاعل وقادر على أفعاله الارادية.

2 ـ لو اراد الله من الانسان الطاعة وفعل المعروف، لكنه عصى فيلزم ان تغلب إرادة الانسان إرادة الله تعالى. فأجاب: ان الله أراد الطاعة الاختيارية، أي أراد من الانسان ان يطيعه بإرادته واختياره، ولو أراد ان يطيعه على كل حال مريداً أم مجبوراً فسوف تقع إرادة الله.

لحصول الفعل اضطراراً لكانت أفعاله تعالى اضطرارية.

على ان نشير هنا إلى ان الطوسي استخدم "الحسن في الواجب على وجه الخصوص. بينا نوّع الحسن إلى أنواع على غرار أنواع المباح بالمعنى الاعم في أحكام الشريعة الاسلامية مقابل الحرام، الذي جعله معادلاً للقبيح. وارتباك استخدام مصطلح "الحسن" ليس موقوفاً على الطوسي، بل أمر يمكن ملاحظته لدى عامة متكلمي مدرسة العقل بل عامة المتكلمين.

نأتي هنا إلى القاء نظرة مقارنة بين اتجاه الطوسي في التجريد واتجاهه في أبحاثه السابقة بشأن موضوع ]غرضية الافعال الالهية[. لقد اتضح في ضوء ما تقدم من بحث ان الطوسي يتبنى ـ لا اقل في نقد المحصل ـ نظرية الحكماء ومنهجهم في معالجة هذه الاشكالية، ومن البين أيضاً ان الحكماء يصححون تعليل الافعال الالهية على قاعدة "سوق الافعال إلى كمالاتها"، وهي القاعدة التي أكد الطوسي تبنيها في "نقد المحصل".

لقد أكد الحكماء بشكل لا لبس فيه نفي الغرض والغاية عن الذات الالهية، ولم يوافقوا على افتراض غرضية الافعال الالهية بالتفسير المعتزلي لهذه الغرضية، أي أن يعود النفع إلى الغير. بل اعتبروا الذات الالهية هي الغرض والغاية لكل الافعال. ومن ثم لم يجدوا تعارضاً بين نفيهم للغرض عن الافعال الالهية، وبين مذهبهم في إثبات العلة الغائية في الافعال الطبيعية.

والقبح لاثبات غرضية الافعال الالهية. حيث تصوروا ان نفي الغرض يعادل إثبات عبثية الافعال الالهية، وعلى قاعدة "قبح العبث" وان الله لا يفعل القبيح استنتجوا ان الله يفعل لغرض.

والضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا.

هل الانسان مختار في أفعاله أم أنه مجبر عليها؟

لعل الجدل حول هذه الاشكالية وما يترتب عليها من آثار على مستوى فكرة المسؤولية والواجب والعقاب والثواب، هو بداية البحث الكلامي في تاريخ الفكر الاسلامي. هذا الفكر الذي استند أساساً للنص ودلالته. ومن ثم نشأ الجدل العقلي حول هذه الاشكالية في جو النص، وملابساته التاريخية.

يهمنا ان نشير هنا إلى ان متكلمي مدرسة العقل تبنوا الايمان بحرية الارادة، وبصدد التدليل عليها اتجهوا اتجاهين رئيسين، اتجاه لجأ إلى البداهة والوضوح الضروري، واتجاه آخر حاول اقامة البرهان على هذه الفكرة. والطوسي استند إلى ضرورة وبداهة ادراكنا لحريتنا واختيارنا في أفعالنا الارادية، وقد تابع الطوسي في موقفه هذا أبا الحسين البصري، حيث كان للاخير اثر واضح على خيارات الطوسي الكلامية في مواضع أخرى.

الوجوب للداعي لا ينافي القدرة كالواجب. والايجاد لا يستلزم العلم إلاّ مع اقتران القصد، فيكفي الاجمال. ومع الاجتماع يقع مراده تعالى. والحدوث اعتباري. وامتناع الجسم لغيره.

هذه أجوبة على مجموعة اعتراضات المدرسة الاشعرية على مذهب مدرسة العقل الكلامية في إثبات حرية الارادة واختيار الانسان، نذكر هذه الاعتراضات وأجوبتها متسلسلة كما جاءت في المتن:

1 ـ ان الفعل الصادر من الانسان المختار لا بد ان يكون ممكناً حال فعله وصدوره، لكنه يحتاج في هذه الحالة لكي يخرج إلى حيز الوجود إلى مرجح ـ لاستحالة الترجيح بلا مرجح ـ وعندئذ يجب الفعل، ووجوبه يتنافى مع افتراض كونه مختاراً.

 

الجواب: ان صدور الفعل من الفاعل المختار معلول للقدرة والداعي، والقدرة تعني ان له ان يفعل وله ان لا يفعل، والداعي لاحق للقدرة فإذا حصل الداعي وجب الفعل، إذ مع حصول الداعي يتم المرجح، ومن ثم فوجوب الفعل للداعي لا ينافي اختيارية الفعل لانه تحت القدرة.

مضافاً إلى ان وجوب الفعل مع حصول الداعي لو كان دليلاً على نفي القدرة والاختيار فهو دليل على نفي اختيارية أفعال الباري تعالى، لانها تتم بالقدرة والداعي أيضاً. وهذا أمر لا يسلم به الاشاعرة.

لا يؤمنون بصحة هذه القاعدة. ولا غرابة في البين لان البحث الكلامي عامة تأسس على قاعدة الجدل والزام الخصوم. وهذا هو صاحب المواقف الاشعري يعلق على دليله:

"واعلم ان هذا الاستدلال انما يصلح الزاماً للمعتزلة القائلين بوجوب المرجح في الفعل الاختياري، وإلاّ فعلى رأينا يجوز الترجيح بمجرد تعلق الاختيار بأحد طرفي المقدور"(68).

2 ـ لو كان الانسان موجداً لافعاله لعلم بها، وإلاّ أضحى كالنائم حيث تصدر منه الافعال دون ان يعلم بكيفية الفعل ولا كميته. والانسان في حركته لا يعلم بأجزاء الحركة، فمن يقوم بتحريك اصبعه أو يده لا يعلم بتفاصيل هذه الحركة; إذن فالانسان ليس موجداً لافعاله.

 

الجواب: ان مجرد الايجاد لا يستلزم العلم، فالنار توجد الاحتراق دون ان يكون لها امكانية العلم، انما الايجاد الذي يستلزم العلم هو الايجاد القصدي، ويكفي في صحة الايجاد القصدي العلم اجمالاً بالحركة دون العلم بتفاصيلها.

ويمكن ان نضيف كحجة الزامية لمتكلمي الاشاعرة انكم لا تعلمون بما تسطرون من حجج وبينات في المقام، ومن ثم لا يصح الحجاج معكم، لان ما تسطرون من حجج وبينات فعل لم يصدر عنكم عن علم وبينة; إذ لو كان صادراً عن علم وبينة لكان اختيارياً، وهو خلف مبناكم.

3 ـ لو اجتمعت قدرة الله وقدرة العبد على الفعل، وأراد الله ايجاد الفعل وأراد العبد عدم ايجاده، فأما ان يقع المراد وهو يستلزم التناقض، واما ان يقع مراد أحدهما دون الاخر، وهو ترجيح بلا مرجح.

الجواب: تقع إرادة الله لانها راجحة، إذ هي أقوى من إرادة العبد.

4 ـ ان الحادث لا يمكن ان يصدر عنه الحادث، والانسان حادث ومحدث للفعل، حسب ادعاء المعتزلة، وهو أمر غير ممكن. لان الحادث من جهة كونه حادثاً لا يفعل الحدوث.

الجواب: ان الحدوث ليس أمراً زائداً على ذات الفعل، وإلاّ لزم ان يكون له محدث وهكذا إلى ما لا نهاية. بل الحدوث أمر انتزاعي (اعتباري)، ينتزعه العقل من كون الفعل مسبوقاً بالعدم، والفاعل يُلبس ماهية الفعل ثوب الوجود، فينتزع العقل من وجود هذه الماهية بعد عدمها مفهوم "الحدوث".

5 ـ لو كنا محدثين لافعالنا لكنا محدثين للاجسام أيضاً، وبما اننا لا نستطيع خلق الاجسام والجواهر لا نستطيع أيضاً أن نحدث الافعال.

الجواب: انما يمتنع علينا خلق الاجسام لا لكوننا محدثين، بل يمتنع علينا ذلك; لاننا أجسام. والجسم لا يصح ان يكون علة للجسم.

 

المسألة الحادية عشرة:

في حسن التكليف وبيان ماهيته

قال: والتكليف حسن لاشتماله على مصلحة لا تحصل بدونه

ما هي المصلحة التي لا تحصل بدون التكليف؟ يقول العلاّمة ـ تبعاً للقاضي عبد الجبار ومعتزلة البصرة والسيد المرتضى ـ أنها التعريض للثواب مع التعظيم. وقد استدل العلاّمة عليه قائلاً: "التكليف حسن لان الله فعله والله لا يفعل القبيح"(69). ومن الواضح ان هذا الاستدلال لا يحقق هدف مدرسة العقل الكلامية في إثبات الحسن العقلي للتكلف، إذ ان (الله لا يفعل القبيح) قضية يقرها جميع الفرقاء، ومن ثم يكون الاستدلال على الحسن بما فعله الله منسجماً مع أصول الاشاعرة أيضاً لان الحسن ما حسنه الشارع عندهم، فما يفعله حسن.

فنقول الغرض من التكليف هو التعريض لمنفعة عظيمة لانه تعريض للثواب والثواب منافع عظيمة خالصة دائمة واصلة مع التعظيم والمدح ولا شك ان التعظيم انما يحسن للمستحق له ولهذا يقبح منا تعظيم الاطفال والاراذل كتعظيم العلماء"(70).

نلاحظ ان نص العلاّمة، بل اتجاه مدرسة الحلة يمثل صدى لاتجاه السيد المرتضى، ويمكن ان تلمس هذه الحقيقة من خلال المقارنة بين النص المتقدم ونص السيد المرتضى التالي: "وإنما قلنا في التكليف انه تعريض للثواب، انه لو لم يكن كذلك لما كان حسناً، لانه ان خلا من غرض كان عبثاً، وان كان لغرض فيه المضرة كان قبيحاً، فلا بد من ان يكون تعريضاً للنفع، ولا يجوز ان يريد به نفعاً لا يستحق به ولا يوصل به إليه، فيجب ان يكون الغرض وصوله إلى الثواب المستحق بهذه الافعال.

وانما قلنا منزلة الثواب لا تنال إلاّ بالافعال التي تناولها التكليف، لان الابتداء بالثواب والاستحقاق قبيح لمقارنة التعظيم له، وقبح التعظيم المبتدأ معلوم، وليس يستحق الثواب إلاّ بهذه الافعال التي تعلق بها التكليف"(71).

في فقرة لاحقة؟

انما يحسن التكليف ـ من وجهة نظر بعض متكلمي مدرسة العقل ـ لان به تعريضاً للثواب، والتكليف على هذا المستوى ليس بواجب، بل هو تفضل من الله.

نلاحظ ان هذا المنهج الفكري ينطلق من واقع الشريعة الاسلاميّة وما افترضه النص من ثواب ورضوان إلهي للصالحين، محاولاً عقلنة هذا الواقع في اطار من نظرية حسن الافعال وقبحها. ومن ثم سوف تكون الاحكام العملية من هذا الطراز أحكاماً بعدية، تختلط برؤية المستدل الخاصة، ولا تتوفر على العمومية المطلوبة لاحكام العقل.

ونلاحظ أيضاً ان هذا النسق الفكري طرحه القاضي عبد الجبار ومعتزلة البصرة، واقتفى المرتضى أثرهم، وتابعته مدرسة الحلة، التي كتب الطوسي على شرفها تجريد الاعتقاد.

"وهكذا فان بدء التكليف تفضل من الله، له ان يفعله أو لا يفعله، ويخالف القاضي بذلك رأي البغدادين من المعتزلة... ان التكليف نعمة لانه يعرضنا لانواع من المنافع والثواب لا نصل إليها إلاّ بواسطته"(72).

التي ينطوي عليها الفعل ربط لا تساعد عليه قواعد المنطق. إذ الحسن إذا ربطناه بالمصلحة والمنفعة فسوف يخرج من عالم العقل إلى عالم التجربة، ومن ثم لا يصح إثبات الحسن العقلي استناداً إلى مقاييس تجريبية بعدية. بل يكون هذا الاثبات منطوياً على شبه تناقض، إذ كيف يكون الحسن مدركاً عقلياً، وهو يستند أساساً إلى وجود مصلحة في الفعل مدركة في طول تحقق الفعل.

ولان النوع محتاج إلى التعاضد المستلزم للسنة النافع استعمالها في الرياضة وإدامة النظر في الامور العالية وتذكر الانذرات المستلزمة لاقامة العدل مع زيادة الاجر والثواب.

ساق الطوسي هذا النص لاثبات حسن التكليف، وقد ادرك شراحه كالعلاّمة والقوشجي ان هذا الاثبات يسلك فيه الطوسي منهج الفلاسفة المسلمين، وهو على طريقة حكماء الاسلام.

وحينما تمحص هذا الاثبات تلاحظ انه يمثل في جوهره القواعد الاربعة التي اعتمدها الطوسي في شرح الاشارات لاثبات الشريعة والنبوة والثواب والعقاب على أساس النهج الذي وسمه بانه طريقة الحكماء.

ورغم ان الحاق هذا الاثبات بإثبات المتكلمين لحسن التكليف يؤكد ان الطوسي لم يقطع علاقته تماماً بتراثه الفكري الفلسفي، لكنه يثير على أي حال مجموعة أسئلة; إذ ان الانطلاق من مدنية الانسان بالطبع لا يمكن ان يشكل قاعدة صالحة منطقياً لاثبات الحسن العقلي للتكليف، لوضوح ان التعاون والعمل المشترك اجتماعياً يقتضي سنة وشريعة لاقامة العدل في حياة الجماعة الانسانية، وهذا أمر لا يفضي إلى حكم العقل بالتكليف، بل سوف يكون الحاكم هو العقلاء والجماعة الانسانية، التي ليس أمامها سبيل للتعايش كما هو مدرك بالتجرية إلاّ بالاتفاق على عدل تتقوم في ضوءه حياتها.

للشريعة والنبوة والثواب والعقاب، وهل يترشح من الوجوب الوجودي الثابت في العناية حسن الفعل عملياً بمفهومه العقلي؟!

 

وواجب لزجره عن القبائح:

بعد ان فرغ الطوسي من إثبات حسن التكليف عكف على إثبات وجوبه. ويعنون من الوجوب الوجوب العقلي العملي. وقد قرر العلاّمة في شرحه لمذهب الطوسي هنا قائلاً: "هذا مذهب المعتزلة وأنكرت الاشاعرة ذلك، والدليل على وجوب التكليف انه لو لم يكلف الله تعالى من كملت شرائط التكليف فيه لكان مغرياً بالقبيح والثاني باطل بقبحهِ فالمقدم مثله بيان الشرطية ان الله تعالى إذا أكمل عقل الانسان وجعل فيه ميلاً إلى القبيح وشهوة له ونفوراً عن الحسن فلو لم يقرر في عقله وجوب الواجب وقبح القبيح والمؤاخذة على الاخلال بالواجب وفعل القبيح لكان وقوع القبيح من المكلف دائماً وإلى هذا اشار بقوله لزجره عن القبايح"(73).

واضح أن العلاّمة فسر التكليف الواجب هنا بالتكليف العقلي، أي بأن يخلق الانسان وهو مدرك لحسن الاشياء وقبحها. وفي ضوء هذا التفسير ترتفع مشكلة التعارض بين تقرير (حسن التكليف) وتقرير (وجوب التكليف)، إذ الحسن هو التكليف الشرعي، والواجب هو التكليف العقلي.

لحسن الاشياء وقبحها. وحينئذ فالمنسجم مع سياق البحث ان يكون المراد من التكليف الالهي هو التكليف الشرعي، لا التكليف العقلي الذي أخذ مصادرة واساساً لاثبات وجوب التكليف. وكأننا نقول من كان كامل العقل ومدركاً للواجب والمحظور العقلي يجب ان يقرر الله تعالى في عقله إدراك الواجب والمحظور العقلي!

وعلى أساس ان التكليف الواجب هنا مطابق للتكليف الذي قرروا حسنه أولاً تقع مشكلة الجمع بين هاتين السمتين المختلفتين المحمولتين على التكليف. وسياق نصوص الطوسي اللاحقة تؤكد ضرورة اعادة النظر في تفسير العلاّمة للتكليف.

وقد أثيرت مشكلة الجمع لدى القاضي عبد الجبار وتعرض لها، "وأشار إلى ان هذا لا ينفي ان التكليف تفضل من حيث ان الله يجوز له ان لا يكلف المرء بان لا يجعله على هذه الاوصاف، ومن حيث انه يصح له ان يخل بهذه الشروط، كأن يخرج العاقل من صفة المكلف فلا يكلفه. فالتكليف إذن لا يجب ابتداء، وان كان لا بد من حصوله إذا تكاملت هذه الشروط"(74).

وقد سار الشريف المرتضى على هذا النهج أيضاً. "ان التكليف لا يحسن إلاّ بعد اكمال العقل ونصب الادلة، وانه تعالى أكمل العقول وحصل سائر

الشروط، فلا بد من ان يكلف"(75).

وإذا أردنا اعادة النظر في تفسير العلاّمة لنص الطوسي نلاحظ: ان العلاّمة يتابع هذا التفسير في "مناهج اليقين" ويقول: "التكليف واجب وإلاّ لزم اغراء الله بالقبيح، والثاني باطل لقبحه فالمقدم مثله. بيان الشرطية: ان الله تعالى خلق المكلف وجعل له ميلاً إلى القبيح ونفوراً عن الحسن، فلو لم يكلفه بان يقرر في عقله وجوب الواجب وقبح القبيح، وإلاّ لزم الاغراء"(76).

لكن متكلماً آخر في مدرسة الحلة وهو المقداد السيوري يفسر نصاً للعلاّمة بذا الشأن في كتابه إرشاد الطالبين، وقد جاء تفسيره مخالفاً لتفسير العلاّمة لنص الطوسي ولما جاء في مناهج اليقين، "واحتج المصنف على الوجوب، بانه لو لم يكن واجباً لزم الاغراء بالقبيح، واللازم باطل فالملزوم مثله. اما بطلان اللازم: فلان الاغراء بالقبيح قبيح، وقد تقدم كونه تعالى لا يفعل القبيح.

وأما بيان الملازمة: فهو انه لما خلق الانسان وكمل عقله وركب فيه شهوة وميلاً ونفرة عن الطاعات، فلو لم يقرر عنده وجوب الواجب وتكليفه بفعله، وحرمة الحرام وتكليفه بتركه، ويعده ويتوعده وإلاّ لكان مغرياً له بالقبيح.

والعلم بحسن الحسن وقبح القبيح غير كاف، لان كثيراً من العقلاء، يعرفون ذلك، ويعلمون حصول المدح على الحسن والذم على القبيح، ويقضون أوطارهم من اللذات القبيحة استسهالاً للذم وعدم الاحتفال بالمدح، فلا بد من مرجح آخر وهو التكليف"(77).

واللطف واجب ليحصل الغرض به. فان كان من فعله تعالى وجب عليه وإن كان من المكلف وجب ان يشعره به ويوجبه وان كان من غيرهما شرط في التكليف العلم بالفعل.

يعرّف العلاّمة الحلي "اللطف" بانه: (ما يكون المكلف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من فعل المعصية، ولم يكن له حظ في التمكين ولم يبلغ حد الالجاء)(78). والملاحظ ان تعريف العلاّمة منسجم تماماً مع تعريف القاضي عبد الجبار، الذي عرفه بانه: (ما يكون عنده أقرب إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح مع تمكنه من الفعل في الحالين "أي في حال وجود الفعل وعدمه")(79). أي وجود الفعل الملطوف فيه وعدمه.

بل حتى القول بوجوب اللطف ليحصل الغرض هو متابعة لمذهب القاضي في القول بوجوب اللطف تحصيلاً للغرض; إذ هناك خلاف بين رجال المعتزلة حول وجوب اللطف "وهو انه تعالى إذا أقدر العبد على ما كلف، ثم علم انه لا يختاره إلاّ عند أمر من الامور فهل يكفي الاقدار والتمكين أم ان عليه تعالى ان يفعل به اللطف، البغداديون وبشر قالوا لا يجب على الله إلاّ الاقدار، وقال القاضي بل يجب اللطف به"(80).

التكليف العلم بالفعل). فهل اراد من العلم بالفعل علم المكلف، فيكون التكليف مشروطاً بعلم المكلف بوقوع الفعل الملطوف فيه من قبل الغير، أم اراد علم الله (المكلِّف) بوقوع الفعل من الغير، فيكون تكليفه منوطاً بعلمه بوقوع الفعل الملطوف فيه من الغير؟

ما دام الامر يرتبط بشروط التكليف فالارجح ان تكون صحة التكليف عقلاً (وهي ما يبحث عنه المتكلمون في هذا المجال) منوطة بعلم المكلف بوقوع الفعل الذي يحصل غرضهُ، وإلاّ أضحى التكليف عبثاً.

والاصلح قد يجب لوجود الداعي وانتفاء الصارف.

يقول العلاّمة (اختلف الناس هنا)، أي اختلف رجال مدرسة العقل الكلامية حول وجوب الاصلح. لكن خيار الطوسي هو مذهب أبي الحسين البصري. الذي تابعه الطوسي في كثير من خياراته في مواقع اختلاف وجهات نظر رجال مدرسة العقل. إلاّ ان وجهة النظر التي تبناه الطوسي في وجوب الاصلح لم يستقر أمرها في مدرسة الحلة.

فالعلاّمة في كتابه (مناهج اليقين)(81) يقترب من وجهة نظر البغدادين في إيجاب الاصلح، استناداً إلى وجوب تحقق الفعل مع وجود الداعي وانتفاء الصارف. أما المقداد السيوري في (اللوامع الالهية) فقد استعرض وجهات النظر المختلفة ونقل عن أبي الحسين البصري نظريته وحجته، ثم ختم البحث بالقول: "والحق التوقف في المقام"(82).

الجزئية، بدون إطلاق أو توقف.

المهم ان نشير هنا إلى ملاحظتين أساسيتين:

الملاحظة الاولى: ان الدليل المعتمد لدى مثبتي وجوب الاصلح لم يقم على أساس مبادئ العقل العملي. بل اعتمد مبادئ نظرية لاثبات وجود الداعي وانتفاء الصارف لدى المحسن على الاطلاق الباري تعالى، والوجوب اللاحق لوجود الداعي وانتفاء الصارف هو وجوب تحقق الفعل لتمام علته من وجود المقتضي وفقد المانع، وهذا الوجوب لا يصح وسمه بالحسن والقبح العقليين.

الملاحظة الثانية: لقد اشار الطوسي في مناقشاته للرازي فيما تقدم إلى موضوع وجوب الاصلح، وقرر هناك "ان الاصلح بالقياس إلى الكل غير الاصلح بالقياس إلى البعض، والاوّل واجب دون الثاني"(83). فما هي العلاقة بين هذا الاتجاه وبين ما قرره هنا في التجريد من وجوب الاصلح في حال دون حال؟

من الواضح ان المتكلمين يريدون من "الوجوب" الوجوب العملي، أي ما ينبغي فعله، بل البحث الكلامي في أحكام الافعال بحث في الحسن والقبح، أي بحث عن الاحكام العملية. ولا يريد الحكماء من الوجوب في أبحاثهم الوجوب العملي، بل الوجوب الوجودي والضرورة الخارجية.

لا ينتج وجوباً عملياً، بل يؤكد ان الوجوب المحمول على الاصلح لا يتعدى في هذه الحالة الوجوب والضرورة الوجودية وهذا السياق لا ينسجم مع نظرية الحسن والقبح العقليين.

لكن الطوسي في الاشارات وهو يقرر اتجاه الحكماء لا بد ان يفهم في اطار هذا الاتجاه. وفي ضوء هذا الاطار نفهم (الاصلح) بما ينسجم مع مفردات مبدأ العناية، كالكمال والخير، ونفهم الوجوب بوصفه ضرورة وجودية مترشحة من العناية. ومن ثم يكون الاكمل هو الصادر والمتقرر في العناية والعلم الالهي، إذ العالم ككل هو أكمل ما يمكن صدوره من الكمال المطلق.

حينئذ يكون الاصلح الواجب بالنسبة للكل ـ حسب نص الطوسي ـ هو الاكمل الصادر بالعناية، إذ ما من مفردة من مفردات الوجود إلاّ وهي الاكمل في ظل النظام الكوني العام.

أما الاصلح بالنسبة إلى البعض فلم يوجبه الطوسي في نص الاشارات. أي ما يكون اصلح بالنسبة إلى شخص معين أو حالة معينة.

وجوبه في التجريد.

أي ان الطوسي ـ وفق منهج الحكماء ـ يقرر وجوب الاصلح (الاكمل) وفق نظرية العناية، هذا الوجوب الذي يفرضه التسانخ بين العلة المطلقة الكمال وبين العالم ككل. فهو وجوب واقعي مستل من النظرة الفلسفية لعالم الالوهية. هذه النظره التي لم تأخذ باعتبارها الاصلحية النسبية بين وحدات العالم الصغيرة، حيث لا تترشح وفق قانون السنخية في العلل النازلة، أي ان الترابط العلي في معلولات عالم الطبيعة لا يفرض صدور الاكمل والاصلح. هذا العالم الذي خلق ـ على كل حال ـ وفق مبدأ العناية بأكمل وجه.

أما الطوسي الذي قرر في التجريد وجوب الاصلح فهو ينطلق من افق نظرية الحسن والقبح العقليين واتجاه مدرسة العقل الكلامية عامة، هذه المدرسة التي هدفت إلى إثبات وجوب عملي للاصلح، والاصلح الذي تبتغي إثبات وجوبه هو الاصلح بالقياس إلى البعض، وهي ليست ناظرة إلى الاصلح والاكمل بالنسبة إلى النظام الكوني ككل. على ان الاصلح الكلامي منظور إليه من زاوية النفع والضرر، وهما مفهومان نسبيان على كل حال. مضافاً إلى الملاحظة التي أشرنا إليها في ان إثباتات المثبتين للاصلح لا تتكأ على أي من قواعد العقل العملية.

 الواجبات العقلية كلها لا بد من أن يكون لها أصل في العقول، ويتناول العلم الضروري جملة لها، كما نقول في وجوب رد الوديعة وقضاء الدين وما أشبه ذلك ـ فكان يجب ان يعلم العقلاء ضرورة على الجملة ان ايصال المنافع واجب متى خلا من مفسدة أو مشقة على فاعلة، ومعلوم خلاف ذلك"(84).

 ويستحق الثواب والمدح بفعل الواجب والمندوب، وفعل ضد القبيح والاخلال به، بشرط فعل الواجب لوجوبه، أو لوجه وجوبه، والمندوب كذلك، والضد لانه ترك القبيح والاخلال به، وظاهر ان المشقة من غير عوض ظلم، وهو قبيح، ولا يصح الابتداء به، إذ لو أمكن الابتداء به كان التكليف عبثاً. وكذا يستحق العقاب والذم بفعل القبيح والاخلال بالواجب لاشتماله على اللطف ولدلالة السمع.

 هذا البحث حيوي جداً من وجهة نظر الباحث واتجاهه في درس العقل العلمي. ومن ثم نبذل وسعنا في الوقوف عنده وقفة تحقيق ونقد. وسنبدأ من شرح نص الطوسي، ثم ننتقل إلى تصوير موقع مواقف الطوسي في اطار تنوع المواقف في ضوء مدرسة العقل الكلامية، لنقف أخيراً وقفة تحليل ونقد عبر تصميم البحث تصميماً منهجياً، يتيح لنا رؤية اشكاليته ووضعها في مسارها السليم.

أكد الطوسي ان طاعة وامتثال التكليف الشرعي سواء كان واجباً أم مندوباً يفضي إلى استحقاق الثواب والمدح، مضافاً إلى استحقاق الثواب والمدح لمن يكف ويعزف عن القبيح فيمارس الفعل المضاد للقبيح، ولمن يخل ويقطع دابر الممارسة القبيحة، ويشترط الطوسي لاستحقاق الثواب والمدح ان يكون الفعل بقصد أداء الواجب لانه واجب والاقلاع عن القبيح أو الاخلال به لقبحه، والحال كذلك بالنسبة إلى الفعل المطلوب طلباً ندبياً واستحبابياً، فاستحقاق الثواب والمدح على هذا الفعل مشروط باداءه لاستحبابه.

 ثم يستدل على استحقاق الثواب بطاعة التكليف، أي يستدل على إثبات وجوب عملي بإثابة المطيع، بان: التكليف مشقة يتحملها المكلف، وتحميل المكلف مشقة التكليف بدون عوض ظلم لا يصدر عن الله تعالى، إذن لا بد من عوض وهو الثواب، وهذا العوض هو استحقاق لا يصح الابتداء به لانه مقرون بالتعظيم، ومن القبيح الابتداء بتعظيم من لا يستحق، وإذا كان العوض مما يصح الابتداء به أضحى التكليف عبثاً لا طائل منه. ومن ثم يكون الثواب والمدح استحقاقاً يجب للمطيع.

أما استحقاق العقاب والذم فهو لممارسة القبيح وعصيان التكليف عامة، يشمل فعل القبيح والاخلال بالواجب لعدم أداءه أو لاداءه ناقصاً. واستدل على استحقاق العقاب على المعصية بالعقل وبالسمع.

أما دليل الطوسي العقلي على وجوب العقاب على العاصي فهو يستند إلى القاعدة المتقدمة القاضية بوجوب اللطف، والعقاب على المعصية لطف، لان المكلف حينما يدرك ان هناك عقاباً على المعصية فسوف يبتعد ـ عن ارتكابها ويقترب إلى ضدها الذي هو الطاعة، واللطف هو كل ما يقرب المكلف من الطاعة ويبعده عن المعصية، ومن ثم وجب العقاب.

ولكن إذا كان العقاب واجباً لازماً للعصاة على ما ارتكبوه من معاصي فما هو موقع العفو والرحمة والمغفرة والتوبة؟

 فيقول "والعفو واقع لانه حقه تعالى فجاز اسقاطه ولا ضرر عليه في تركه مع ضرر النازل به فحسن اسقاطه لانه احسان، وللسمع"(85).

نأتي إلى ملاحظة موضوع (الثواب والعقاب) في فكر رواد مدرسة العقل الكلامية. والسؤال الرئيسي المطروح في الفكر الكلامي يدور حول إدراك العقل لوجوب الثواب والعقاب على اداء الواجب وفعل القبيح. وقد فكك المتكلمون في مواقفهم من هذه الاشكالية بين الثواب والعقاب، فطرح استفهامان في حقيقة الامر، الاستفهام

الاوّل: هل العقل مدرك لوجوب الثواب على طاعة التكليف؟

لم تتفق كلمة رجال مدرسة العقل على موقف واحد من هذه المسألة. على انهم قيدوا التكليف بالفعل الشاق، ليميزوا بين أفعال الواجب تعالى التي يستحق من وجهة نظرهم عليها المدح والثناء والحمد دون الثواب، لانها ليست تكاليفاً إذ لا مشقة فيها، وبين افعال المكلفين حيث يتضمن أداء الواجب والاقلاع عن القبيح مشقة يتحملها المكلفون.

 ما سلف لله تعالى عندهم من نعمهِ وفضلهِ وإحسانه يوجب عليهم اداء شكرهِ وطاعته وترك معصيته. فلو لم يثبهم بعد العمل ولا ينعمهم لما كان لهم ظالماً، فلذلك كان ثوابه لهم تفضلاً...

وهذا مذهب كثير من أهل العدل هم المعتزلة والشيعة.

ويخالف فيه البصريون من المعتزلة"(86).

وقد وقف الطوسي ـ تبعاً للمرتضى ومدرسة القاضي عبد الجبار ـ إلى جانب اتجاه البصريين، وناقش الحجة التي ذكرها المفيد بان التكليف وجب شكراً للنعمة فلا يستلزم وجوب الثواب. فقال: "وإيجاب المشقة في شكر المنعم قبيح ولقضاء العقل به مع الجهل"(87).

المعروف ان قاعدة شكر المنعم هي القاعدة التي يعتمدها أغلب علماء أصول الفقه الامامي لاثبات وجوب طاعة الاوامر والنواهي الالهية. ولاهمية موضوع البحث نحاول تمحيص وجهة نظر الطوسي واستدلاليه اللذين اقامهما على الفصل بين قاعدة وجوب شكر المنعم وبين طاعة الله.

 وجود التكليف الشرعي، بل إذا أردنا ان يكون حكماً عقلياً فهو مدرك بغض النظر عن وقوع أي شيء في عالم الخارج.

ولكن كيف استنتج الطوسي ان طاعة التكليف ليست شكراً للمنعم في ضوء قضاء العقل بوجوب شكر المنعم مع الجهل بالتكليف. يمكن ان نضع استدلال الطوسي على الصورة القياسية التالية:

(لو كانت طاعة التكليف شكراً للمنعم لتوقف إدراك وجوب شكر المنعم على إدراك العقل للتكاليف الشرعية، وبما ان العقل مدرك لوجوب شكر المنعم مع عدم معرفته بالتكاليف الشرعية، إذن طاعة التكليف ليست شكراً للمنعم).

ولو صححنا هذا الاستدلال غير الصحيح لزم ان لا نتوفر على أي مصداق لتحقيق قاعدة وجوب شكر المنعم. إذ العقل يدرك وجوب شكر المنعم بغض النظر عن أي فعل من الافعال الصالحة لان تكون مصداقاً لشكر المنعم، وحينئذ نقول:

لو كان "س" شكراً للمنعم لتوقف إدراك العقل لوجوب شكر المنعم على إدراك س. وبما ان إدراك العقل لوجوب شكر المنعم لا يتوقف على إدراك س، إذن س ليست شكراً للمنعم.

 والخبرة البعدية. بل تتحدد طريقة شكر المنعم شكلاً ومضمونا وفق معايير خارج اطار العقل المستقل.

أما الدليل الاوّل فقد قرره العلاّمة بقوله: "واحتج المصنف (رحمه الله) على ابطاله ]أي ابطال دعوى ان الطاعة شكر للمنعم ولا توجب الثواب[ بانه قبيح عند العقلاء ان ينعم الانسان على غيره ثم يكلفه ويوجب شكره مدحته على تلك النعمة من غير ايصال ثواب إليه ويعدون ذلك نقصاً في المنعم وينسبونه إلى الرياء وذلك قبيح لا يصدر من الحكيم فوجب القول باستحقاق الثواب"(88).

لعل المحقق الطوسي أو غيره من ذوي الذوق الرفيع لا يستسيغون التكليف مقابل ما يقدمه المكلف من مستلزمات وإمكانيات (النعم).

لكن هذا التسويغ وعدمه لا يشكل حجة لاثبات الاحكام العقلية المطلقة. إذ هو أمر نسبي بطبيعته، فانى له من إثبات حكم مطلق.

 وما يترتب عليه من تقديم حتى نسائهم دية. والمقنن المعاصر يحمّل المواطن تكاليفاً والتزامات يعاقب اشد العقوبات على مخالفتها، دون ان يكون للملتزم المطيع أي مكافأة واثابة. حتى أضحى مشهوراً على الالسن (لا شكر على واجب).

يبقى أمام مدرسة العقل الكلامية ان تحدد موقفها من الاستفهام

الثاني: هل العقل مدرك لوجوب عقاب العاصي؟

هناك اتجاهان في أوساط مدرسة العقل الكلامية، اتجاه ركن إلى السمع والنص في إثبات العقاب ولم يجد هذا الاتجاه إمكانية للعقل في الحكم بوجوب الفعل على الله، بل لا يتعدى العقاب من وجهة نظرهم كونه حقاً لله، يمكنه أن يتجاوز عنه ويعفو عمن يشاء.

وهناك اتجاه آخر يقرر ان العقاب صغرى من صغريات قاعدة اللطف. فعقاب العاصي لطف في حق المكلفين، كما تقدم ركون الطوسي إلى هذه القاعدة وبيان الاستدلال بها على المطلوب.

لكن الاتجاه القائل بحكم العقل بوجوب العقاب لم يتخذ موقفاً واحداً من موضوع (إسقاط العقاب والعفو الالهي)، فهناك من لم يجوز بحكم العقل إسقاط العقاب، وهناك من أباح ذلك وذهب إلى ان العقاب حق الله له اسقاطه. وقد تبنى القاضي وعموم رجال مدرسة البصرة ان العقاب حق الله له اسقاطه مع اقرارهم بانه لطف واجب.

ولكن كيف يمكن الجمع بين وجوب العقاب ـ وفق قاعدة اللطف ـ وبين كونه حقاً يمكن اسقاطه؟ حاولت الجمع بين الرأيين في ضوء الافق الكلامي لمدرسة العقل، فقلت: "ان المدرسة البصرية رأت وجوب العقاب على أساس قاعدة اللطف، ثم اشترطت في وقوع هذا اللطف عدم التوبة. ومن ثم تأتي التوبة كمسقط للعقاب في سياق اللطف الالهي ولا تقع في دائرة الاغراء والتقرير على القيام بالمعاصي وارتكاب القبائح"(89).

لكنني لم أقف أخيراً على قاعدة واضحة في معالجة التشويش والارباك الواضح على موقفي البغداديين والبصريين من المعتزلة في هذا الموضوع. أعني قاعدة كلامية في سياق فكر المتكلمين، بل سياق فكر المتكلمين هو المسؤول الاساسي عن هذا التشويش.

على أي حال اتخذ السيد المرتضى موقفاً حاسماً أزاء هذا الموضوع فقرر "والصحيح في استحقاق العقاب على القبيح التعويل على الاجماع والسمع"(90). وبعامة لم يكتب لمواقف المرتضى في هذا الموضوع وما يلابسه من وجوب خلوص العقاب ووجوب التوبة ووجوب اسقاطها للعقاب، حيث لم يكتب لها الاستقرار في مدرسة الحلة بفعل انحياز هذه المدرسة لتوجهات نصير الدين الطوسي. وسنقف عند هذا الموقف التقويمي في خاتمة بحثنا.

 لكن رجال مدرسة العقل لم يتفقوا حول موضوع استحقاق الثواب على عدم فعل القبيح واستحقاق العقاب على عدم فعل الواجب. وقد ذهب المانعون لاستحقاق العقاب والثواب ان الفعل في حال العدم لا يستحق عقاباً وثواباً ولا مدحاً ولا ذماً، ومن ثم جاء نص الطوسي محدداً بفعل ضد القبيح، والضد أمر وجودي. ولم يأت في نص الطوسي (ضد الواجب)، بل العقاب على القبيح والاخلال بالواجب، وهذا ينسجم مع اتجاه علماء أصول الفقه كالسيد المرتضى القائلين بأن الامر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده. على ان الرأي في مدرسة القاضي ولدى السيد المرتضى في موضوع استحقاق الثواب والعقاب على عدم فعل القبيح والواجب منسجم مع الرأي الذي تبناه الطوسي في هذا المجال.

ونشير أخيراً إلى ملاحظة مهمة في نص الطوسي وهي تأكيده على ان استحقاق الثواب على أداء الواجب أو فعل ضد القبيح أو الاخلال به مشروط بكون الفعل والاخلال منجزاً لكونه واجباً أو لكونه كفاً عن القبيح واخلالاً به. أو للجهة والحيثية التي صار بها واجباً أو قبيحاً. ويتابع الطوسي في هذا الشرط سلفه المرتضى إذ يقول: "فأما شرط استحقاق المدح على الفعل الواجب فهو ان يفعله اما لوجوبه أو لجهة وجوبه"(91).

 (الواجب) بمفهومه الاعم من الفعل والكف بانه ما يستحق المدح والثواب والذم والعقاب، يتضح ان الواجب والحسن العقلي لا يثبت للافعال ما لم يكن أداؤها منطلقاً من نية المكلف لكونها واجبات. أي ان الفعل الاخلاقي في النهاية يكون فعلاً أخلاقياً بحكم كون أداءه لكونه أخلاقياً. والملاحظ تطابق موقف فيلسوف المدرسة العقلية الحديثة (عما نوئيل كنت) في هذا الموضوع مع موقف متكلمي مدرسة العقل الكلامية.

 

ملاحظات نقدية:

لنبدأ في ملاحظتنا من السياق العام لفكر المتكلمين في موضوع استحقاق الثواب والعقاب. أي من النظام الذي اختاره متكلموا مدرسة العقل، أو الذي حكم فكرهم وحدا بهم إلى النتائج التي تنوعت، كما سجلت لنا وثائق تاريخ فكر هذه المدرسة.

المتكلمون عامة مدافعون عن العقائد الدينية، وعلم الكلام دفاع عن عن العقيدة. هذا ما قرره المتكلمون أنفسهم في تعريف علمهم، وهو ما تؤكده مسيرة هذا العلم. إذن انطلق البحث الكلامي من "الدين" ومعطياته العقيدية، التي حررت عبر النص المقروء لدينا، والذي غلب عليه في العصر الاوّل طابع "السمع" لانه الاداة الرئيسية في تلقي النص أبان عصوره الاولى.

اختلف المتكلمون في فهم منطلقهم "العقائد الدينية" وتنوعت مناهجهم وأساليبهم في قراءة سند هذه العقائد "النص".

لكن هذا الاختلاف والتنوع بتنوع الاسس والمناخات والمقاصد لا يعني اطلاقاً اختلافاً في ماهية البداية التي شكلت المسلمات الاساسية للبحث الكلامي. وبعبارة أكثر وضوحاً:

هناك اتجاه عرف باتجاه العقل بين دارسي علم الكلام. حيث اعتمد هذا الاتجاه قواعداً عقلية في الدفاع عن العقيدة الدينية وتفسير مفرداتها وتبرير مواقفها. لكن اعتماد مدرسة العقل على قواعد عقلية لا يعني ان المدارس الاخرى الغت العقل وقواعده، ولا يعني ايضاً ان مدرسة العقل انطلقت من العقل القراح في فهم المعتقد الديني، بحيث أضحى المعتقد الديني مستنتجاً استنتاجاً عقلياً من قلب معطيات العقل وقوانينه الفلسفية والمنطقية. بل استخدمت العقل وسيلة واداة لتفسير وتبرير المعتقد الديني، فجاء العقل وقانونه في طول الايمان والاعتقاد الديني.

وموضوع بحثنا "استحقاق الثواب والعقاب" لم يك خارجاً عن القاعدة المتقدمه، إذ الباحثون في استحقاق الثواب والعقاب حاولوا تسويغاً عقلياً للثواب والعقاب اللذين أدخلهما "النص" في صلب المعتقد الديني. ولم يبدأ الباحثون من قواعد العقل بغض النظر عن المعطيات النظرية الاخرى من "نص" الشارع، وأحكام العقلاء ومواضعاتهم.

ويمكن رصد هذه الملاحظة من خلال قراءة متأملة للافكار التي تم طرحها باختصار فيما تقدم من بحث. ونظراً لاهمية حشد الشواهد واقامة الادلة على سلامة هذه الدعوى سوف نحاول من خلال هذه المتابعة النقدية الاستجابة لهذا المطلب.

 

السياق العقلي واستحقاقات البحث منهجياً

ما دمنا نتحدث عن سياق عقلي فمن الضرورة ان تكون لهذا السياق مطالبات منهجية. أي حينما يكون السياق سياقاً عقلياً فسوف يفرض المنهج مجموعة ضوابط والتزامات ينبغي رعايتها لضمان سلامة البحث وصحة الاستنتاج.

ننطلق من التسليم بان العقل قادر على إدراك مبادئ الاخلاق وقواعد ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله. وهذا الادراك عقلي، أي ان العقل دون الاتكاء على ما هو خارج عن محيطة (من خبرات عالم الحس والتجربة ومعطياته النظرية) يدرك أو يقرر حسن الافعال وقبحها وان هناك أفعالاً ينبغي اداؤها وأفعالاً لا ينبغي انجازها.

العقل إذن هو العقل الاولي البديهي، أو ما يستنتج منه مباشرة، خالصاً من علوم المواضعات الاجتماعية وما يدركه الانسان عبر تراكم تجاربه من مصالح ومفاسد في الافعال، خالصاً من علوم الحس والتجربة الانسانية في إدراك المؤلم أو الملذ من الافعال التي يندفع غريزياً إلى تجنبها أو مقاربتها.

في ضوء هذه المسلمة ـ التي ادعاها متكلموا مدرسة العقل بمضمونها الجوهري ـ نستطيع ان نحدد أهم الضوابط الاساسية لبحث عقلي في وجوب الثواب والعقاب:

1 ـ لا يصح الاتكاء على علوم ومعارف تصديقية خارج اطار العقل العملي. فإذا أخذنا بنظر اعتبارنا وجود الله ووجود شريعة وتكليف إلهي، ثم طرحنا الاستفهام التالي:

هل العقل يحكم بوجوب الثواب والعقاب على التكليف الالهي أم لا؟ سوف يكون هذا الاستفهام منطوياً على تناقض، إذ كيف يستقل العقل في الحكم، وقد انطلق من الايمان بوجود الله وشريعته وتكليفه!

ان معالجة هذا الاستفهام لا يمكن ان تكون عقلية، لان الحكم على كل حال سوف يتأثر بنظرة المعالج عن الالوهية وصفات الباري، وقراءتهِ للتكليف، وطبيعة الشريعة التي جاءت بهذا التكليف، ومن ثم سوف تكون المعالجة على امتن الصلات بالنص الذي طرح الشريعة وأنشئ التكليف، وهذا ما حصل بالفعل في معالجات المتكلمين.

مضافاً إلى هذا الخطأ المنهجي هناك مشكلة الارباك الذي يخلقه الخلط بين عالم العقل الخالص وعالم النص والتكليف الشرعي. فالاول عقل أولي يعتمد وضوح البداهة، والثاني عقل بعدي يلاحظ عالم الافعال الخارجية عالم الانسان بميوله وغرائزه وعالم افعال الانسان المتزاحم المتعارض. عالم النص والشريعة مرتبط بالتجربة والخبرة العملية، التي لا يتسنى للعقل الانساني المحض إدراك أسرارها والوقوف على أحكامها، ما دام محضاً خالصاً من الخبرات البعدية.

لعل هناك من يقول ان الاستفهام مطروح لدى العقل على نهج القضية الشرطية، القضية الشرطية لا تستدعي التصديق الفعلي بالشرط. أي ان الاستفهام يقول: إذا كان هناك إله وكانت لديه شريعة وتكاليف فهل يجب ان يكون هناك ثواب وعقاب أم لا؟

ان هذه الفذلكة ليست في حسبان المتكلمين; يدلنا على ذلك أكثر من شاهد، فالمتكلمون بحثوا في وجوب الثواب والعقاب، بعد ان اثبتوا الالوهية والنبوة والشريعة والامامة، فوصلوا إلى المعاد، وعندئذ طرحوا قضية الثواب والعقاب، والمتكلمون لم يفارقهم النص في معالجة تفاصيل هدا البحث، بل حتى أسسه. وقد سجل السيد المرتضى ملاحظة منهجية في غاية الاهمية، إذ قال:

"لا شبهة في انه لا يصح ان يعرف استحقاق العقاب إلاّ بعد ان يعرف الله تعالى، لكن كيف يعرف ذلك، هل بالسمع يعرف أو بالعقل؟ ولا ينكر ان يكون طريق معرفته السمع بعد معرفته بالله تعالى...

والمختص بان يستحق ان يفعل العقاب هو تعالى دون من سواه من العباد. وخالف في ذلك أبو علي الجبائي، فزعم ان بعضنا يستحق على بعض العقاب، وإذا كنا قد بينا ان طريق معرفة استحقاق العقاب على الافعال في الجملة هو السمع دون العقل فالطريق إلى تحقيق من يستحق ان يفعله يجب أيضاً ان يكون السمع. ولا خلاف في ان الله تعالى هو المختص بذلك، والاجماع قد سبق خلاف أبي علي في هذه المسألة"(92).

يعكس هذا النص بوضوح اختلاط العقل بالسمع في بحوث المتكلمين، بل اختلاط العقل بالادلة التشريعية التي اعتمدها علماء الشريعة، والاجماع واحد منها. ويعكس أيضاً روحاً منهجية لدى السيد المرتضى، حيث أكد ان مبدأ استحقاق العقاب تتوقف معرفته على معرفة الله (المكلِّف)، وعندما تتوقف معرفة استحقاق العقاب على التصديق بالله وشريعته يصبح واضحاً ان هذه المعرفة ستكون لاحقة للسمع، وليس للعقل سبيل إليها. إذ كيف تكون معرفه عقلية وهي متوقفة على التصديق بالسمع!

وتلاحظ سيطرة منطق الاستدلال السليم لدى المرتضى أيضاً حينما ربط تحديد (المعاقب) بالسمع، استناداً إلى أن اصل العقاب واستحقاقه مرتبط بالسمع، وما دام كذلك فلا سبيل للعقل إليه، أي ما دام العقاب سمعياً فهوية المعاقب يحددها نفس المصدر الذي حدد استحقاق العقاب.

ولكن لا أدري لم لم يتمسك السيد مرتضى بهذا النهج في قضية وجوب الثواب، حيث أقره كقاعدة عقلية؟ ان للمرتضى ملاحظات منهجية في غاية الاهمية بثها في تفاصيل بحثه تستحق الوقوف عليها ودرسها كملاحظات مبكرة يمكن الافادة منها في الدرس العقلي عامة وفي إعادة تنظيم البحث الكلامي بوجه خاص، رغم ان السيد لم يوظفها التوظيف الكامل، وهو يصوغ أبحاثه في مناخ الجدل الكلامي وتفاصيله، التي ننظر إليها فعلاً من خلال مناخ آخر وافق جديد.

نعود إلى دعوى صياغة الاستفهام عن استحقاق العقاب والثواب على نهج القضية الشرطية، حيث يواجه هذا الادعاء اشكالية تحديد هوية المعاقب. إذ العقل حينما يحكم بوجوب العقاب على المخالفة لا بد ان يحمل هذا الوجوب على الارادة العاقلة، ومن الواضح ان حمل هذا الوجوب على الارادة العاقلة عامة أمر لا يقره المتكلمون أنفسهم، أما حمله على الارادة الالهية وحدها فهذا يعني كما أشار السيد المرتضى الايمان التصديقي أولاً بوجود الله، والايمان بشريعته وتكاليفه، وبعد ذلك كيف يمكن أن يكون الحكم عقلياً!

2 ـ انطلاقاً من الوجه الايجابي للضابط المتقدم، أي ضرورة الانطلاق من العقل واستنتاج القواعد العقلية وفق منهج عقلي، يتحدد الوجه السليم لطرح اشكالية العقاب والثواب. وذلك بان نتساءل: هل العقل يحكم بوجوب الثواب والعقاب على مخالفة التكليف؟ والتكليف في الاستفهام هو التكليف العقلي، إذ لو عممناه إلى سائر التكاليف سواء أكانت تشريعات إلهية أم قوانين بشرية فسوف نخرج من دائرة العقل.

لو ابتدأنا بالاجابة الايجابية، أي نبدأ من وجود حكم عقلي يثبت الحسن والقبح للثواب والعقاب على المخالفة، فسنجد أنفسنا أمام مشكلات جدية:

أوّلاً ـ نحن نعرف ان التكاليف العقلية أما ان ينشئها العقل انشاء ويحملها على الارادة العاقلة ـ كما هو مذهب كنت ـ ، وأما ان تكون ثابتة في لوح الواقع والعقل كاشف ومدرك لها، وعلى كلا الحالين سيكون المكلف عاجزاً عن القيام بالمهمة. أي ان الثواب والعقاب على التكليف لا بد ان تحمل مسؤوليته المكلف، والمكلف غير قادر فلا موضوع لافتراض وجوب أو قبح على غير القادر.

ثانياً ـ ان أهم سمات الحكم العقلي أن يكون حكماً عاماً شاملاً لكل إرادة عاقلة. وإذا كان وجوب الثواب والعقاب حكماً عقلياً فيجب ان يكون عاماً يثبت على عاتق كل مكلف. والسؤال هنا يعم المدح والذم والثواب والعقاب، فنقول: إذا كان المدح والذم والثواب والعقاب واجباً يستحقه المطيع والعاصي على كل مكلف من الموجودين فعلاً وممن سيوجدوا فسوف يكون هذا الاجراء العقلي أمراً غير معقول. ولا يلتزم به أي عاقل، إذ كيف يمكن لعاقل ان يتصور تحميل المخالفة كل هذا الزخم من الذم والعقاب ]وحتى لو استثنينا العقاب والثواب وحصرنا استحقاقهما بالباري تعالى[ فان الذم على المخالفة يخضع لمجموعة مقاييس ليس للعقل الخالص من سبيل إليها، انها مقاييس ترتبط بأهداف الاجتماع الانساني وأساليبه في الحفاظ على القيم الاخلاقية التي يؤمن بها، ومن ثم فهي مقاييس مرنة متغيرة، لا يمكن ان تدخل في حظيرة العقل الكلي واحكامه المطلقة.

ثم ملاحظة أخرى على كلية هذا الحكم أو قل على عقليته، وهي ان المطيع أو العاصي هل مشمول بوجوب الثواب والعقاب، أم انه مستثنى من شمول هذا الوجوب؟ الاستثناء يعادل اخراج الحكم من عالم العقل الخالص ويدخله في دائرة الاحكام البعدية التجريبية. وشمول الحكم يعادل عدم معقوليته، إذ الثواب والعوض لا يتصور فيه ان يكون معطى من إمكانات وخيارات المطيع.

ثالثاً ـ لقد عرّف المتكلمون (القبح والحسن) باستحقاق العقاب والثواب على فعلهما. فهل يشمل هذا التعريف قبح وحسن (الثواب والعقاب)، ما دمنا نتعامل معه كتعريف منضبط؟

شمول التعريف يعني ان وجوب الثواب والعقاب يستحق عليهما المطيع والعاصي ثواباً وعقاباً، ومن ثم يفضي الامر إلى تعريف الشيء بنفسه; ولو خرجنا من مشكلة دورية التعريف فسوف تتحول الحياة الانسانية والممارسة العملية للادميين إلى فرض غير معقول في ضوء ما يدعّى من حكم عقلي، إذ سيكون جوهر حياة الانسان محكمة ودكة قضاء لا انقطاع لمرافعاتها.

 

مراجعة مواقف المتكلمين

انشطر متكلموا مدرسة العقل إلى شطرين تناوبا على الحفاظ بالعقل في استحقاق الثواب، حيث حرس البصريون العقل وحفظوه حاكماً في استحقاق الثواب، بينا لم يجد البغداديون العقل حاكماً في استحقاق الثواب. لكنهم حرسوا العقل في استحقاق العقاب، بينا لم يلتزم رجال من رواد مدرسة العقل بهذا الموقف.

القائلون بوجوب الثواب ركنوا إلى الحجة التي عرضها الطوسي في التجريد فيما تقدم. فقرروا ان التكليف ينطوي على مشقة ومعاناة يتحملها المكلف، وتحميل المعاناة بدون أجر وعوض ظلم، والظلم قبيح، إذن يجب ان يكون إزاء التكليف ثواب.

من الواضح ان المقصود من التكليف هنا التكليف الشرعي، الوارد في متن أحكام الشريعة الالهية. وهذا يعني انهم ينطلقون من الشريعة وسمات أحكامها وتكاليفها التي لا تتضمن جميعها مشقة، بل لعل هناك لذة ودعة في بعض ما كلف الشارع انجازه، فهل يتعطل حكم العقل بوجوب الثواب إزاء هذا اللون من التكاليف!

لكن خصوم البصريين لم يوافقوا على ان التكليف الالهي لم يكن بازاءه عوض إلهي، بل اعتبروا النعم الالهية التي منحت لبني الانسان هي الاساس في تسويغ التكليف الالهي، فما يفترض من عوض واجب على التكليف قد أعطته الارادة الالهية قبل التكليف. وهذا يعني ان الخصمين متفقان على ان التكليف بلا عوض ظلم.

يمكن ان نجد تفسيراً لاتفاق المتكلمين على ان تحميل المشقة والتكليف بلا أجر لون من استغلال السلطة والموقع، ولعله ظاهرة بارزة في عصرهم، وفي ظل معظم النظم السياسية والاجتماعية التي يسودها القهر. لكن تفسير التكليف الالهي على أساس معايير عالم الشاهد أمر لا ينسجم حتى مع نظرة المتكلمين أنفسهم للبعثة والشريعة الالهية.

تلاحظ ان المتكلمين يبررون الشريعة والبعثة بل الفعل الالهي عامة، على أساس انه هادف لمنفعة الانسان، والتكليف الالهي في جوهره جاء لاكمال العقل العملي، حيث لا يدرك هذا العقل كل ما ينبغي وما لا ينبغي فعله، فتأتي الشريعة لتعلم الناس ما قصروا عن إدراكه بعقلهم استقلالاً، وان الانبياء يبعثون لتتميم مكارم الاخلاق، وتحقيق أكمل صورة للحياة الانسانية على الارض. فكيف تستطيع التوفيق بين هذا التصور والتصور السالف الذي يعد التكليف حملاً ثقيلاً.

أما موضوع استحقاق العقاب فقد ركن المثبتون إلى قاعدة اللطف. لان العقاب زاجر عن القرب من المعصية والبعد عن الطاعة، ومن ثم فهو مصداق من مصاديق قاعدة اللطف. لكن هناك مشكلة أمام هذا الحكم العقلي ـ حسب ما ادعاه المتكلمون ـ وهي مشكلة العفو الالهي، التي قررها النص.

اتجاه المتشددين من الوعيدية، وهم المعتزلة البغداديون قالوا: "انه لا يحسن من الله تعالى اسقاط العقاب بل يجب عليه ان يعاقب المستحق للعقوبة لا محالة"(93). أما القاضي عبد الجبار فقد قرر تبعاً لاغلب رجال مدرسة العقل حسن عفو الله عن مستحق العقاب.

لكن هناك مشكلة أمام القائلين بان العقاب لطف ومن ثم فهو حكم عقلي، أي ان العقل يحكم بوجوب عقاب العاصي على الله، فكيف نجوّز العفو؟ وقد طرحت عدة اجابات تختلف اتجاهاتها في مقاييس أحكام العقل العملي فهناك إجابة تقول: ان العقاب حق الله وله اسقاطه وهذه الاجابة تبناها القاضي والطوسي القائلان بان استحقاق العقاب لطف، لكن الالتزام بها يعادل الغاء حكم العقل المزعوم بوجوب العقاب على الله.

وهناك تخريج للقاضي ـ يتضح فيه مدى اختلاط النص بالعقل ـ يقرر فيه: "ان اللطف يجب إذا كان ممكناً، أما وان الفاسق يجوز ان يندم ويتوب وقد صرح الله بقبول التوبة فان اللطف يدخل فيه هذا الشرط"(94).

كيف نحكم بان العقاب لطف، ونذهب إلى الاعتقاد بان هذا الحكم حكم عقلي، ثم نعود في مرحلة لاحقة إلى تقييد هذا الحكم واشتراطه بعدم التوبة، لكي ينسجم الحكم العقلي مع معطيات النصوص التي تفتح باب التوبة وتعد بقبولها! لو كان العقل مدركاً لوجوب العقاب على المخالفة لكان حكمه مطلقاً، يحدد دائرة دلالة النص ـ كما هو منهج التأويل لدى المعتزلة وعامة المتكلمين العقليين ـ فيقيد الاطلاق ويخصص العموم اللفظي.

ثم هناك اجابة أخرى للقاضي أيضاً ذهب فيها إلى ان وقوع العقاب لا محالة ليس هو اللطف الواجب بحكم العقل، انما اللطف ان يعلم المكلف ان امامه عقاب على ارتكاب المعصية، ومن ثم لا تعارض بين اللطف، وبين عفو الله عن الذنوب. في هذا الضوء يكون اللطف هو علم المكلف بالعقاب لا وجوب وقوع العقاب حتماً.

هذه الفذلكة تنجو من اشكالية تقييد أحكام العقل وتخصيصها. لكنها ترى الجمع بين حكم العقل بوجوب العقاب على أساس قاعدة اللطف، وبين حكم العقل بجواز العفو الالهي وحسنه، وقد التزم الطوسي بهذا الاتجاه ودافع عنه في التجريد(95). لكن العقل المدرك لحسن العفو الالهي يتعذر عليه ان يدرك وجوب العقاب; إذ كيف يجتمع وجوب العقاب وحتميته مع حسن العفو ووقوعه!

وأخيراً نلاحظ مفارقة في فكر مدرسة العقل تستدعي التأمل. ذلك ان المتكلمين قرروا حسن التكليف، تبعاً لما فيه من تعريض للثواب والعوض العظيم ـ وهذا حسن مقرر في طول النص وتبعاً لما قرره من ثواب وجنات نعيم ـ وقرروا أيضاً ان التكليف بلا ثواب ظلم، ومن ثم لا يصدر من الله تعالى، فجاءت وجهة الفعل الالهي في تفسير المتكلمين هي نفع المكلف وإثابتهِ وتحقيق السعادة واللذة له في يوم الحشر الموعود.

وقرروا من زاوية أخرى ان أخلاقية الفعل الانساني وأجزاءه عن التكليف تتوقف على انجاز الفعل لكونه واجباً. ومن ثم يصير الفعل الاخلاقي الانساني متجهاً صوب الواجب ومغيى به فالتكليف الالهي يستهدف نفع المكلف، بينا يهدف المكلف في انجازه للتكلف تحقيق الواجب والعمل لوجه الواجب. فالخير التام والعدل المطلق لا يتصف فعله بالاخلاقية والحسن ما لم يستهدف ثواباً وجنة ولذة، بينا لا يتصف الفعل الانساني بالاخلاقية ما لم يستهدف الواجب الاخلاقي!!

ألم يكن في وسع العقل الكلامي ان يتصور ان العدل المطلق والخير التام والصادق الوفي السلام على الاطلاق يتجه في تكليفه لكي تتجسد في سلوك الادميين قيم العدل والصدق والخير، أراد ان يصعد بالانسان عبر التكليف، ومائالثواب والعقاب إلاّ اجراءات احترازية ليتحقق أكبر قدر ممكن من العدل وقيم الاخلاق في حياة الجماعة الانسانية!

لم غاب النص عن ذاكرة هؤلاء القراء المخلصين ألم يقرؤا النص الالهي وهو يقول: (وما خلقت الجن والانس إلاّ ليعبدون)(96). فجاءت عبادة الله وطاعته الغرض الرئيسي من الخلق، وما طاعة الواجبات الاخلاقية إلاّ تجل من تجليات طاعة العدل المطلق والخير التام. أجل فاطاعة الله في افق الحكمة العملية الرفيع تعني الخضوع أمام أوامر التجسيد المطلق للخير وللعدل وللصدق وللوفاء، ولكل ما يستطيع إدراكه عقل الادمي من واجبات أخلاقية، وما يترتب عليها من قيم متعالية.

 

خاتمة البحث

أظن ان المتابعة المتقدمة تتيح لنا فرصة الوقوف على القاعدة السليمة لمعالجة ما أجلنا تحديد الموقف منه من أسئلة: هل يصح لنا القول ان الطوسي أسس علم الكلام الفلسفي؟ هل الطوسي فيلسوف في مواقفه من اشكاليات الحكمة العملية أم هو متكلم؟ وهل للحكماء موقف مختلف ـ من حيث الاساس ـ عن موقف المتكلمين من قضايا الحكمة العملية؟ وأين يقف الطوسي في اطار تيارات مدرسة العقل الكلامية، ما هي جذوره، وفي أي التيارات يصب، ومن أيها استقى أفكاره؟

هذه أسئلة البحث الاساسية، التي طرحت بشكل عام محددة واضحة في ثنايا ما تقدم من متابعة، وقد يكون بعضها مضمراً، لكن اثارته وطرحه بشكل سافر أمر تفرضه ضرورات البحث المنهجي.

ولعل موقف الحكماء من قضايا الحكمة العملية هو من أكثر المواقف تجلياً خلال بحثنا المتقدم: حيث تابع أكبر حكماء الاسلام (ابن سينا) متابعة شملت آراءه المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية، واعتمدت أهم دراساته.

اتضح عبر متابعتنا ان موقف الحكماء المسلمين من قضايا الحكمة العملية لا يطيق التأويل الذي يحلو لبعض المعاصرين فرضه تعسفاً على نصوص هؤلاء المفكرين. ولعل القطب الرازي من الاقدمين هو أوّل من حاول ممارسه مثل هذا التأويل، الذي أفضى بالرازي إلى الوقوع في تهافت لا يخفى على متابع. وقد امطنا اللثام عن ذلك في عرضنا المتقدم.

ان الحكماء في مواقفهم المنطقية لا يدعون شكا في تفسير الاحكام العملية، بما يخرجها من دائرة العقل الاولي، ويدخلها في اطار التدبير والتواضع والشهرة. أضف إلى ذلك ان نظامهم الفكري لم يسمح لاحكام الحسن والقبح كي تكون مقياساً فيما يستنبطون من نظام وجودي. بل أكدوا على استبعادها وهم على وعي أكيد بمواقف المتكلمين ومناهجهم.

لقد استطاعت فقرات بحثنا المتقدمة ان توضح بجلاء الموقف المدرسي للحكمة الاسلاميّة من قضايا الحكمة العملية، على مستوى هويتها وعلى مستوى توظيفها في تفسير نظام الوجود، وعلى مستوى تفسير الفلاسفة لقضايا العقيدة الدينية الرئيسية.

ولم يغفل البحث في عرضه وتفسيره لموقف الفلاسفة المسلمين الملاحظة النقدية. بل سجلنا بما أتاحته فرصة البحث من مجال ملاحظات أساسية على اتجاه الحكماء. ونحن نظن ان هذه الملاحظات جاءت تبعاً لدراسة وتأمل فيما طرحه هؤلاء الباحثون من أفكار. على ان هذه الملاحظات تمثل في النهاية الطريق والغاية التي على البحث العملي الجاد ان يسلكها. فالفهم يستهدف ـ رغم كونه هدفاً متعالياً ـ القناعة التصديقية، والاخيرة توأم الملاحظة النقدية.

على أي حال هناك اتجاهان في تفسير الاحكام العملية، اتجاه مدرسة الحكماء المسلمين، الذي يمثل امتداداً لتيار الحكمة الوافدة من غرب المعمورة، واتجاه مدرسة العقل الكلامية. أجل فعلم الكلام بتياره الاشعري وجذوره السلفية ـ وان سلخ من العقل قدرته على التحسين والتقبيح، وأناط أمر ذلك بالشريعة والمشرع الالهي ـ لكنه يتجه في حججه عامة صوب اعتبارية الاحكام العملية. ويبقى التيار المعتزلي وعامة الامامية الممثل الرئيس لنظرية منح الاحكام العملية طابعاً عقلياً، يتعالى على الاعتبار والمواضعة، ويشكل مقياساً لاخلاقية الشرائع(97).

في هذا الضوء نطرح الاستفهام التالي: هل يصح ـ على مستوى الحكمة العملية ـ ان يقال ان هناك تأسيساً فلسفياً لعلم الكلام؟ ومن ثم هل يصح الادعاء القائل ان الطوسي ـ على مستوى الحكمة العملية ـ مؤسس لعلم الكلام الفلسفي؟

ان مقولة التأسيس الفلسفي لعلم الكلام مقولة متهافتة، على مستوى الحكمة العملية; لوضوح التعارض بين اتجاه الحكماء واتجاه المتكلمين الذي تبناه الطوسي في تفسير الاحكام العملية فبعد ان عزف متكلموا مدرسة العقل عن اتجاه الحكماء في عد الاحكام العملية أحكاماً اعتبارية تستمد وجودها من المواضعة والاعتبار العام، واتجهوا نحو استخلاصها من العقل. كيف يمارس الطوسي تأسيساً فلسفياً في علم الكلام، وهو يتبنى في اطار هذا العلم الاتجاه المعارض اساساً لاتجاه الفلاسفة في تفسير الاحكام العملية؟!

لقد اتضح عبر متابعتنا المتقدمة ان الطوسي انتهج نفس السياق واعتمد روح المنهج الكلامي في طرح ومعالجة الاشكاليات الرئيسية للعقل العملي. الطرح والسياق والمعالجة التي لم يرتضها الحكماء، فمبادئ الحسن والقبح لم تكن لدى الفلاسفة سوى مشهورات لا تدخل في صناعة البرهان. ومن ثم استبعدوها بشكل تام عن البحث في نظرية الوجود، وفي تحديد صفات الفعل الالهي. بينا جاءت في فكر متكلمي مدرسة العقل مبادئ عقلية توزن في ضوءها صفات الفعل الالهي، وهذا ما فعله الطوسي في تجريد الاعتقاد.

نعم لاحظنا الطوسي في "نقد المحصل" يميل لوجهة نظر الحكماء في موضوع غرضية الافعال الالهية. كما لاحظناه وهو يسجل نصاً في التجريد ضمن أبحاث الوجود. يؤكد فيه مذهب الحكماء في خيرية الوجود، هذا المذهب الذي يشكل أهم ركائز مبدأ "العناية" والقاعدة الاساسية التي يعالج الفلاسفة على أساسها مشكلة وقوع الشرفي العالم. ولاحظناه في التجريد أيضاً، وهو يضيف دليلاً إلى الادلة الكلامية على حسن التكليف، وقد أكد شراحه ان هذا الدليل يمثل في جوهره القواعد التي اعتمدها الشيخ الرئيس في إثبات النبوة والجزاء.

كل هذا يؤكد ان الرجل لم ينسلخ عن مدرسة الفلاسفة، بل بقي حتى آخريات حياته على صلة مع فكر الحكماء، هذه الصلة التي لم نستطع تحديد مداها في مراحل الطوسي الاولى، وعلى وجه التحديد في موضع بحثنا (الحكمة العملية); إذ اشترط الطوسي في بحث الالهيات من "الاشارات" شرطه الذي نوهنا به، الشرط الذي يتعذر معه منهجياً تحميل الرجل ما لم يتحمل مسؤوليته، والامر كذلك كما تقدمت الاشارة بالنسبة إلى كتابه "أخلاق ناصري".

أما في نقده للمحصل فنحن وان لاحظنا اتجاها لدى الطوسي في استخدام بعض قواعد مبدأ "العناية" في موضوع نفي الغرضية عن الافعال الالهية، لكنه لم يطبق مبدأ العناية في سياقه الوجودي، بل جاءت محاولته أقرب إلى التوفيق بين فكر الحكماء وفكر مدرسة العقل الكلامية.

أجل لقد اتجه الطوسي في منطق التجريد اتجاه الحكماء بشكل سافر، حيث قرر ما قرره السلف من حكماء الاسلام بشأن تقييم الاحكام العملية، حيث عدها في زمرة المشهورات والقضايا التي تخضع للمواضعة وتخلقها ضرورات التدبير.

لكنه سرعان ما تمسك وهو ينتقل في "التجريد" إلى علم الكلام بالمنهج الذي اختطته المدرسة العقلية في علم الكلام. فتابع في "تجريد الاعتقاد" الخطوات التقليدية والمشكلات المألوفة في دائرة البحث الكلامي. فجاءت مفردات بحثه مطابقة تماماً للتقليد الذي سار عليه علم الكلام في عصر النضج. وقامت معالجاته على أساس عقليه الاحكام العملية وبداهتها، على نقيض المبنى الذي شيده في منطق التجريد من كون الاحكام العملية مشهورات لا تدخل في دائرة الاولي والبديهي، وليست لها من دعامة عقلية، وراء الاتفاق والمواضعة.

ولكن أين يقف الطوسي في دائرة مدرسة العقل الكلامية؟ لا شك ان الرجل تبنى مجمل النظام الاعتقادي لمذهب الشيعة الامامية، واستخدم نفس النهج العقلي الكلامي الذي استخدمه السلف من متكلمي المذهب، رغم احتفاظه باجتهاداته الخاصة ضمن الدائرة العامة للمذهب. وقد سجل البحث المتقدم نماذج لهذه الاجتهادات، التي خالف فيها الطوسي سلفه من علماء الامامية.

والملاحظ ان مرجع الخلاف الذي ارتكبه الطوسي يتركز في ما اختاره من اتجاه بين اتجاهات مدرسة العقل الكلامية نفسها. وقد لاحظنا ان الطوسي تأثر كثيراً بالمتكلم المعتزلي المشهور أبي الحسين البصري، وتابعه في مواضع متعددة، متجاوزاً خيارات سلفه.

وقد لاحظنا تأثير اجتهادات الطوسي على خيارات متكلمي مدرسة الحلة، هذه المدرسة التي مارس الرجل فيها شطره الاخير من حياته العلمية. والسؤال المطروح هنا: هل جاءت خيارات الطوسي الكلامية من خارج محيط مدرسه الحلة أم انها خيارات كانت مطروحة في أروقة تلك المدرسة؟

لا شك ان مدرسة الحلة أبان مرحلة احتكاك الطوسي بها كانت مدرسة حافلة برجال، ورثوا عطاء مدرسة بغداد الكلامية بتفاصيله، ووقفوا على محاور الخلاف الكلامي واجتهادات رواد مدرسة العقل. وكانت مدرسة الحلة مدرسة (اجتهاد) يحق لها ما يحق لمدارس الاجتهاد في تاريخ الفكر الامامي، من نقد وتعديل واختيار.

ومن ثم استبعد ان تكون خيارات الطوسي مستوحاة من خارج اطار الجدل الدائر في محيط مدرسة الحلة.

ومن الطبيعي ان تكون خيارات الطوسي، الشخصية العلمية الفذة والنافذة، ذات تأثير على جو مدرسة الحلة وخيارات باحثيها. لكننا لاحظنا ان التأثير الذي أوقعته خيارات الطوسي الكلامية تم في جو يستعصي على التقليد والتسليم، ومن ثم لاحظ البحث محاولات متكلمي مدرسة الحلة الاجتهادية، وهي تتجه صوب معارضة أفكار الطوسي، والانتصار لخيارات أخرى.

وأخيراً هل استطاع بحثنا ان ينير العتمة، التي صاحبت حياة وفكر نصير الدين الطوسي؟ لقد عمد الرجل في ما حرره من دراسات أبان فترة حياته في قلاع الاسماعيليين إلى عدم تحمل مسؤولية الفكر العقيدي المطروح في ثنايا ما شرح أو حرر من مؤلفات. نعم الفكر العقيدي، فهو يشترط في أبحاث الفلسفة على نفسه ان لا يتعرض لنقد ما يجده مخالفاً لمعتقده، وهذا الشرط أشرنا إليه في الملاحظة المنهجية التي تقدمت. لكنه في شرح منطق "الاشارات" يقول بشأن شروط الشارحين:

"اللهم إلاّ إذا عثروا على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح فحينئذ ينبغي ان ينبهوا عليه بتعريض أو تصريح... وأشير إلى أجوبة بعض ما اعترض به الفاضل الشارح، مما ليس في مسائل الكتاب بقادح، وأتلقى ما يتوجه منها عليها بالاعتراف"(98).

تلاحظ ان الطوسي في المنطق والمعرفة المشاعة المنضبطة سمح لنفسه بالنقد والاصحار بوجهات نظره. لكنه أقلع عن الافصاح في أبحاث الفلسفة، لانها مثار الخلافات العقائدية والمذهبية. وهذه الظاهرة ترتبط بمجمل حياته السياسية، والكشف عن مكامن وأسرار شخصية الرجل أمر تتحمل مسؤوليته الدراسات الشاملة عن الطوسي.

أما دراستنا فقد تكفلت البحث في الحكمة العملية ومواقف الطوسي منها. وقد استطعنا في ضوء الوثائق المتاحة ان نستنتج ان الرجل قد مارس الحكمة بكل أبعادها، وتعلم في مدرسة الفلاسفة، وتشرب تعاليمهم. لكننا لم نستطع ان نجزم بان الطوسي ـ رغم ما يظهر لديه من ميول لنظريات الفلاسفة في معالجة مشكلات الحكمة العملية ـ : تبنى في مراحله الاولى اتجاه الحكماء.

لكن الوثائق أتاحت لنا الاطمئنان بان صاحبنا اختار بوضوح اتجاه مدرسة العقل الكلامية في آخر مؤلفاته "تجريد الاعتقاد"، دون ان يجد أي تعارض بين هذا الخيار، وبين اختياره في "منطق التجريد" نظرية الحكماء المنطقية وتصنيف الاحكام العملية على المشهورات وفن الجدل.