العقل العملي في ضوء

 

دراسات الصدر الاصولية

قبل ستة وعشرين عاماً تقريباً، حيث بدأت أتفرغ لدراسة العلوم الاسلاميّة، سألت العلاّمة الدكتور عبد الهادي الفضلي أن يقارن لي بين مطمح رؤانا السيد محمد باقر الصدر، وبين أحد أعلام شيوخ العلم من أساتذة النجف(116)، فقال لي: إن الثاني أقوى من السيد محمّد باقر، لكن السيد محمّد باقر أوسع أفقاً. حفظت إجابة الفضلي، وكنت أتمنى حينها أن تكون غير ذلك، لانني كنت أفهم الترجيح العلمي بالاقوى والاعمق، وكنا نرى لصاحبنا كلّ فضائل المعرفة بأفعال التفضيل. حفظت الاجابة ولم أتوفر ـ عام ورودي جامعة العلم في النجف الاشرف ـ على وعيها كما تستحق من الوعي.

لقد كان الثاني أسنّ من الصدر بعقدين من السنين، فكان طبيعياً أن يكون أكثر ثباتاً وأرسخ قدماً فيما قرأ وحفظ من أفكار السلف وما اختار منها، ثم إن فضيلة العلم وأساس الاجتهاد الحقّ هو أفق الباحث، لا ما تمرس على حفظه وعرضه من نظريات، وما تترس به من قوة الجدل في الدفاع عنها.

فالاوّل يرتبط بالاستعداد والنبوغ، والثاني يرتهن بالعمر والممارسة.

وها أنما ذا أحرر هذا البحث تحت شعار "إحياء أُفق الصدر"، وقد كتبته استجابة لطلب حثيث، في الوقت الذي أتابع فيه كتابة دراستي "المنطلقات العقلية للبحث في علم أصول الفقه"، هذه الدراسة التي ترتبط بمساس مع هذا البحث، والتي تضمنت العمود الفقري لافكاره. فتحت شعار إحياء أفق الصدر أكتب ما أكتب، ولا أهدف متابعة تقليدية لابحاث "الحسن والقبح" وما لابسها من تفاصيل، ولا أهدف إضافة مادة جديدة تثقل ما أثقلنا من بحث وتشويش، إنما أزمع على الشروع في هذا البحث من حيث انتهى سيدنا ومعلمنا من وضوح، لكي أقرر عبر ما أتلمس من أفكار أن ميزة المعلم الصدر هي "أُفقه الرحيب".

إن الافق الرحيب هو بداية وشرط التطور المعرفي في تاريخ الامم والشعوب، شرط أن يتابع هذا الافق إثراءاً في المفردات وسعة في الحدود، لا أن يثقل بالحواشي والملاحظات التفصيلية فيضيع ويُشتت. فالانبثاق والرؤية لا تخلق بالحواشي والمتابعة الحرفية والحوار على طريقة ان قلت، قلت. بل وليد مشروع لافق فسيح وروح كبير، وعصور الحواشي هي عصور الانحطاط في تاريخ العلم. اللهم ألهمنا أفقاً سليماً وروحاً رحيباً نقوى به على خدمة عبادك، واكتب اللهم بلطفك ثواب جهدي هذا لروح شهيد حقِّ طاعتك السيد محمّد باقر الصدر.

العقل الانساني واحد في تنوع مدركاته. فاختلاف طبيعة مدركات العقل البشري وتنوّعها لا يعني تنوع هذا العقل، وتقسيمه إلى مجموعة عقول، بل هو عقل واحد تتفاعل وتتعايش في رحابه معقولات متنوعة ومختلفة. ولعل طبيعة العقل هذه منشأ كثير من الجدال، الذي ملا أرجاء دراسة العقل العملي.

تاريخ هذا الدرس يكاد يبدأ من تاريخ الرشد العقلي للانسانية، تجده في حكمة اليونان وفلسفة الفرس والهنود. وقد دخل حوزة البحث العقلي الاسلامي في القرن الاوّل الهجري، واحتل مكان الصدارة في المبارزة الفكرية التي لم تنجُ من لعبة السلطان في قرون الازدهار العقلي الاسلاميّة. بل كاد العامل الحاسم في احماء وطيس المعركة الضروس بين فرق المسلمين، فكان فرسانه علماء الكلام المسلمين، وكان ميدانه الرسمي علم الكلام الاسلامي.

شكّل هذا البحث في حكمة الغرب والشرق القديم ما يسمّى بعلم الاخلاق وفلسفة الاخلاق ونظرية الاخلاق. وقد تعرض الفلاسفة المسلمون لهذه الابحاث في دروسهم المنطقية عندما بحثوا قيمة القضايا وصدقها. وطرح في علم الكلام الاسلامي تحت عنوان "الحسن والقبح" وهل هما مدركان عقليان أم لا؟

ثم تسرّب فيما تسرّب من أبحاث العقل والفلسفة والمنطق إلى علم أصول الفقه، ليوظف في مجالين رئيسيين، فقد استخدم كوسيلة إثبات عامة في أبحاث الحجج، واستخدم كأساس لما يعرف بقاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل وما حكم به الشرع. وقد تابع الصدر البحث في أصول الفقه مستخدماً هذا العقل أداة من أدوات الاثبات. وقد ناقش وتفحص طبيعته ومداه وصلاحياته في الاثبات. ولم يترك لنا بحثاً مستقلاً لدراسة العقل العملي كأساس لنظرية الاخلاق. بل لا بد من أن نعتمد بحوثه في علم أصول الفقه مصدراً رئيسياً لاستيضاح وجهات نظره.

واصل أستاذنا الشهيد متابعة الدرس الاصولي على نهج الاجتهاد المدرسي، وقد تسنى له أن يكمل هذه المتابعة في دورة حاشدة تفصيلية، وعاد بادئاً دورته الثانية حيث استوفى نصف البحوث الاصولية، وكان بحثنا ضمن هذا النصف. فقد درسه مرتين وعالجه في دورتين. وقد قررت بحوث الدورة الاولى من قبل أحد تلامذته "السيد كاظم الحائري"، وجاءت تحت عنوان "مباحث الاصول"، كما قرر الدورة الثانية السيد محمود الهاشمي وجاءت تحت عنوان "بحوث في علم الاصول".

وهذان التقريران سجل حيوي للاطلاع على تطور السيد الصدر الفكري، فقد اختلفا وضوحاً ونضجاً وشمولاً. وجاء في أحدهما ما لم يأت في الاخر، وإن اتفقا في طرح نفس النسق الفكري العام. ومن هنا سوف نعتمدهما معاً، على أن نشير بوضوح للافكار في مراحلها.

إذن سيكون فكر الصدر أساس دراستنا هذه، وسوف نعمد إلى مقارنة هذا الفكر مع ما هو مطروح في دائرة فكر الغرب، فضلاً عن مقارنته بأفكار ونظريات علمائنا وباحثينا، حيث جاء بحث الصدر بطبيعته بحثاً نقدياً لاتجاهات وأفكار علماء الاصول والفلاسفة والمتكلمين المسلمين.

* * *

ما هو المقصود بالعقل العملي؟

يُنوّع العقل تبعاً لطبيعة مدركاته إلى عقل عملي وعقل نظري. والعقل العملي هو الذي يقرر أو يكشف عما ينبغي أن يفعل وعما لا ينبغي. فهو يرتبط بالسلوك، بينما تتناول مدركات العقل النظري ما هو كائن وواقع. وقد تداخل البحث في موضوع العقل العملي ونظرية الاخلاق وموضوع نظرية الجمال. وهذا التداخل ورثته الدراسات العقلية من حكمة اليونان، واتضح بجلاء في أبحاث علم الكلام الاسلامي.

جاء البحث في علم الكلام تحت عنوان الحسن والقبح العقلي، ومفهوم الحسن والقبح يتداخل مع مفهومين رئيسيين، مفهوم الكمال والجودة ومفهوم الجمال.

وقد وعى البحث الكلامي هذا التداخل، وقرر السلف من علماء الكلام أن بحثهم يقع في المعنى الثالث من معاني الحسن والقبح، وهو ما يجب فعله وما يجب تركه، فالبحث إذن ينصب على الضرورة الاخلاقية أو قُل الضرورة السلوكية.

هناك مجموعة أسئلة رئيسية أثارها البحث العقلي والكلامي بشأن طبيعة ما يدركه العقل من وجوب في الافعال:

أ ـ ما هو المدرك لهذه المدركات المفاهيم، وكيف نضمن صحتها وصدقها؟

ب ـ هل مدركات العقل العملي قضايا إخبارية أم أنها قضايا انشائية؟

جـ ـ هل هي محمولات متعالية تلحق الافعال لذاتها، أم أنها ترتبية تلحق الفعل لانه يعود إلى صفة أخرى؟

د ـ هل هي قضايا بعدية يدركها العقل على أساس الخبرة والتجربة

الانسانية أم أنها قضايا قبلية؟

هناك تياران رئيسيان أو قل مدرستان أساسيتان تنازعتا في الاجابة عن هذه الاستفهامات، المدرسة العقلية، ومدرسة الاعتبار والمواضعة. نبدأ من الثانية لنرى موقف الصدر منها، ثم ننتقل إلى المدرسة العقلية لنرى موقع الصدر في هذه المدرسة التي يمثلها وينتصر لها.

* * *

مدرسة الاعتبار والمواضعة:

حكماء المسلمين يمثلون بوضوح هذه المدرسة، ولم نستطع أن نقف على تصور حاسم لدى حكماء اليونان (افلاطون وارسطو) فهناك نصوص تؤكد تبنيهم هذه المدرسة، وهناك نصوص توحي بانتصارهم لمذهب العقل.

 

نبدأ بنصوص الحكماء:

"وأما الحكماء فقالوا: العقل الفطري الذي يحكم بالبديهيات، ككون الكلّ أعظم من جزئه، لا يحكم بحسن شيء من الافعال ولا بقبحه انما يحكم بذلك العقل العملي الذي يدبر مصالح النوع والاشخاص، ولذلك ربما يحكم بحسن فعل وقبحه بحسب مصلحتين"(117). وقد قرر ابن سينا بوضوح: "أن العدل جميل، وأن الظلم قبيح، أن شكر المنعم واجب. فإن هذه مشهورات مقبولة وإن كانت صادقة فصدقها ليس مما يتبين بفطرة العقل"(118) وقرر في موضع آخر أيضاً: "فإن التسليم والشهرة ليسا مبنيين على

الحقيقة، بل حسب مناسبتهما للاذهان، وبحسب أصناف التخيل من الانسان. فمن المشهورات ما يكون السبب في شهرته تعلق المصلحة العامة به، وإجماع أرباب الملل عليه، قد رآه متقدموهم ومتأخروهم، حتى إنها تبقى في الناس غير مستندة إلى أحد، وتصير شريعة غير مكتوبة، وتجري عليها التربية والتأديب مثل قولهم: العدل يجب فعله، والكذب لا يجب قوله"(119) وقد قرر في الاشارات نصّاً من أكثر نصوص الحكماء وضوحاً في طرح وجهة نظرهم، حيث قال: "ومنها الاراء المسماة بالمحمودة، وربما خصصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلاّ الشهرة وهي أراء لو خلي الانسان وعقله المجرد ووهمه وحسّه ولم يؤدب بقبول قضاياها والاعتراف بها، ولم يمل الاستقراء بظنه القوي إلى حكم لكثرة الجزئيات ولم يستدع إليها ما في طبيعة الانسان من الرحمة والخجل والانفة والحمية وغير ذلك، لم يقض بها الانسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه مثل حكمنا أن سلب مال الانسان قبيح وان الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه، ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس وإن صرف كثيراً عنه الشرع من قبح ذبح الحيوان اتباعاً لما في الغريزة من الرقة لمن يكون غريزته كذلك وهم أكثر الناس وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج ولو توهم نفسه وأنه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدباً ولم يطع انفعالاً نفسانياً أو خلقياً لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه وليس كذلك حال قضائه بأن الكلّ أعظم من الجزء"(120).

إذن فالمفاهيم الخلقية ومدركات العقل العملي هي أحكام يتفق عليها أبناء الجنس البشري تبعاً لما يرونه في تقرير هذه الاحكام وقبولها من مصلحة عامة، ومن تدبير لشؤون حياتهم. فهي ليست مفاهيماً متعالية تطلب لذاتها، وإنما يحكم بها الناس تبعاً لما يترتب عليها من مصالح نوعية. وهي ليست مفاهيم يدركها العقل أوّلاً وبالبداهة، وإنما هي مفاهيم تربوية تتلقاها الاجيال جيلاً بعد جيل. ولكن هل هي قضايا إنشائية أو قل جمل إنشائية أم أنها قضايا إخبارية؟ هذا ما نؤجل حسم الموقف منه فيما يأتي من فقرات هذا البحث.

لم يتابع جلّ علماء أصول الفقه اتجاه حكماء المسلمين في تقويم مدركات العقل العملي. بل ظلوا أوفياء لحليفهم ورافدهم العقلي الاوّل (علم الكلام). ولم يشذ منهم حسب تتبعنا سوى الشيخ محمّد حسين الاصفهاني ومن تابعه من تلامذته. فقد جاء فيما كتب الاصفهاني حول مدركات العقل العملي:

"وهذا الحكم العقلي من الاحكام العقلية الداخلة في القضايا المشهورة المسطورة في علم الميزان في باب الصناعات الخمس وأمثال هذه القضايا مما تطابقت عليه آراء العقلاء لعموم مصالحها وحفظ النظام وبقاء النوع بها"(121).

لكن العلاّمة المظفر لم يقتصر على ذلك، بل عمّم هذا الاتجاه، ليكون اتجاه كلّ العدلية في تفسير مدركات العقل العملي!! فقال:

"وتسمى هذه الاحكام العقلية العامة (الاراء المحمودة) و(التأديبات الصلاحية). وهي من قسم القضايا المشهورات، التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات... ومن هنا يتضح لكم جيداً أن العدلية ـ إذ يقولون بالحسن والقبح العقليين ـ يريدون أن الحسن والقبح من الاراء المحمودة والقضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحية وهي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء والقضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الاراء أي أن واقعها ذلك"(122).

لم يغفل البحث الاصولي المعاصر اتجاه الحكماء ومدرسة الاصفهاني، بل سعوا إلى تفسيره ونقده، منتصرين للاتجاه العام في علم أصول الفقه الامامي، أعني الاتجاه العقلي. ونحن نقف هنا عند نقطتين أساسيتين طرحهما بحث أستاذنا الصدر. ترتبط الاولى بتحديد طبيعة قضايا العقل العملي، وهل هي قضايا أم جمل، أو قل هل هي قضايا إخبارية أم قضايا إنشائية؟ والثانية ترتبط بنقده لهذا الاتجاه.

جاء في تقرير درسه:

"المسلك الذي يدعي أصحابه بأن الحسن والقبح من القضايا المشهورة الداخلة في صناعة الجدل لا القضايا البرهانية. وهناك فرضيتان لتفسير هذا المسلك:

الفرضية الاولى: ما يُتراءى من كلمات السيد الاستاد في شرح هذا المسلك وهو يرجع إلى دعوى أن الحسن والقبح قضية إنشائية من قبل العقلاء لا خبرية... إلاّ أن هذه الفرضية لا تنطبق على كلمات أصحاب هذا المسلك من الحكماء، فانهم يصرحون بأن المشهورات قضايا مقرونة بالتصديق الجازم... ومن الواضح أن فرض التصديق الجازم يستلزم افتراض القضية خبرية تصديقية لا إنشائية جعلية"(123).

نلاحظ أننا حينما يقال لنا: إن الصلاة واجبة، وإن الربا محرم... فهل يحصل لنا تصديق جازم بهذه الاوامر الاعتبارية والمجعولات الشرعية أم لا؟ ثم إن مراجعة نصوص ابن سينا والطوسي وغيره من حكماء المسلمين تؤكد أن هؤلاء يرون أن أحكام العقل العملي هي أحكام تدبيرية يكتشف بنو الانسان ما يترتب عليها من مصالح فيقرونها حفظاً لمدينتهم وتسييراً لنظامهم، فيقررونها ويجعلونها شريعة حياتهم. فهم يقرّرون أنها أحكام جعلية يحصل بها التصديق الجازم.

التصديق الجازم بالمشهورات ـ لدى الحكماء ـ إنما يتعلق بها كقضايا خبرية عن واقع إنشائي. وتغيير صياغة الاعتبارات والانشاءات لا يغير من واقعها. فالاحكام والقوانين والاعتبارات الاجتماعية تتحول بمرور الايام إلى جمل خبرية في الاستخدام العام، وهذا التحول الدلالي اللغوي لا يفرض على التحليل المنطقي إغفال واقع وطبيعة هذه الاحكام، هذه الطبيعة الانشائية الجعلية. ثم لو افترضنا أن مدركات العقل العملي قضايا خبرية، فعما تخبر، وعن أيّ واقع تحكي؟ فإذا كان لها واقع وراء اتفاق العقلاء فهذا خلف ما تبناه الحكماء، وإذا كانت تخبر عن واقعها الجعلي الاعتباري فهي من حيث الجوهر إذن جمل إنشائية واعتبارات عقلائية.

ثم جاء الصدر ليناقش اتجاه مدرسة الاصفهاني، وما تبنته من تصور الحكماء بشأن قضايا العقل العملي، وقد طرح ثلاث ملاحظات أساسية:

الاولى: "لو فرض القطع أو احتمال كون منشأ قضايا الحسن والقبح التلقين لزم من ذلك زوال التصديق عندنا بمجرد الالتفات إلى ذلك مع أنه خلاف الوجدان وخلاف تصريحهم واعترافهم بكونها قضايا فيها تصديق جازم، إلاّ أن يقصدوا أنها جازمة عند غيرهم"(124).

نلاحظ أن هذه المناقشة أشبه بالمصادرة على المطلوب، إذ إن هذا اللون من تحليل التصديقات والقناعات العامة لا يمكن أن يمارسه عادةً إلاّ النخبة من نوابغ عصورهم. وقد مارسه ابن سينا وهو أصل مدعاه. إلاّ ان الارباك هنا هو في تفسير مصبّ هذا التصديق، فالسيد الصدر يرى أن التصديق الجازم يعادل كون هذه القضايا إخبارية واقعية، وقد تبين أن مقصودهم بالتصديق الجازم بها هو القناعة العامة بضرورة الالتزام بأحكام العقل العملي; لانها أمور متفق عليها لتدبير المجتمع المدني.

الثانية: أن مدركات العقل العملي قضايا قبليّة أولية، وما يحصل من اختلاف في إدراك القضايا الاولية لا يؤثر على قبليتها وأوليتها(125) نُرجئ درس هذه الملاحظة إلى موضعها المناسب في القادم من هذا البحث.

الثالثة: ان العقلاء لا يختلفون في كبريات ومقتضيات الحسن والقبح، وإنما الخلاف والنقاش في تطبيقاتها وفي موارد التزاحم الموضوعي بين مقتضاياتها(126). نلاحظ أننا لم نعثر على مورد ادعى فيه زعماء عقلاء البشر الاتفاق سوى وجوب العدل وقبح الظلم. وهاتان القضيتان كما أفاد الصدر قضيتان بشرط المحمول، وليستا مدركين من مدركات العقل العملي. وسوف يأتي مزيد ايضاح وتفصيل لهذه الملاحظة فيما يأتي من بحث.

يهمنا أن نؤكد هنا أن اتجاه الحكماء المسلمين لا يرى مدركات العقل العملي شأناً من شؤون العقل المجرد، بل يقرر أنها أحكام والتزامات يقررها العقلاء في ضوء خبراتهم التجريبية، وفي ضوء ما يصلون إليه من نتائج عملية. إذ إنها تقوم على اساس تحديدهم للمصلحة العامة، والمفسدة العام، والمصلحة والمفسدة وحفظ النظام وبقاء النوع، كلّها مفاهيم تستقى من واقع الخبرة والتجربة، وليست قيماً عقلية مجردة يمكن إدراكها قبل الحياة الاجتماعية وقبل النظام وقبل السلوك والوان السلوك التي تحفظ النظام أو التي تفسده.

إن المدرسة العقلية المعرفية التي تبناها الحكماء المسلمون وورثوها من أرسطو واليونان لم تقرّ لاحكام السلوك بالعقلية، لان العقل المجرد لديها هو العقل البرهاني، وأن الصدق المطلق الذي هو توأم العقلانية لا يمكن التوفر عليه إلاّ عبر قضايا البرهان، بينما لا تتوفر أحكام السلوك على صدق ويقين مطلق، ومن هنا فقدت ضمان صدقها ومطابقتها للواقع.

إن اتجاه الحكمة الاسلاميّة في تحليل مصدر أحكام العقل العملي، وطبيعة استقرارها في حياة الانسانية يلتقي في التحليل النهائي مع كثير من تيارات الفكر الغربي الفلسفية والنفسية والاجتماعية. وأوضح حليف لهذا الاتجاه مدرسة دوركيهم الاجتماعية التي تقرر أن:

"القانون الاخلاقي يصدر عن المجتمع الذي يتجاوز الفرد من كلّ النواحي. ولما كان المجتمع هو الذي عنه يتلقى الفرد الحضارة. لهذا يبدو للفرد أن أوامر المجتمع ونواهيه ـ وهو ما يكوّن ضميره ـ أمور مرغوب فيها وملزمة في وقت معاً"(127).

واتجاه مدرسة الاعتبار يلتقي في النتيجة مع الاتجاه الاشعري في علم الكلام الاسلامي، ومع اتجاهات بعض مدارس الفكر المسيحي المدرسي، ومع اتجاه بعض فلاسفة الغرب المحدثين كديكارت. فهؤلاء يسلبون العقل قدرته على الاستقلال في إدراك أو وضع الاحكام العملية، ويؤكدون أن مصدر هذه الاحكام هو الله. ومن ثم تأخذ أحكام العقل العملي طابع التشريعات الاعتبارية.

نلاحظ أن أهم محاور الحوار مع حكماء المسلمين هو: ما هو الاساس الذي اعتمدته هذه المدرسة فيما خلصت إليه من حكم؟

لقد تفحص حكماء المسلمين مدركات العقل العملي فوجدوا أن قضاياها ليست مما يضمن صدقه بأي مبدإ من مبادئ البرهان، فالعلاقة بين الوجوب والفعل ليست علاقة ذاتية ضرورية. وإلاّ لما قبلت الاستثناء، وكلّ أحكام العقل العملي أو جلّها تقبل الاستثناء، وهي عرضة للتحوير والتبديل. بينما لا تقبل القضية البرهانية أيّ استثناء لعموم صدقها وشموله لكل زمان ومكان. ومن هنا اضطر روّاد المعرفة العقلية إلى التماس مصدر لهذه الاحكام غير العقل المحض. وحيث عموم ظاهرة الواجب والالتزام العملي في كلّ المجتمعات البشرية سواء منها تلك المجتمعات المتمسكة بالشرائع السماوية أم تلك التي لا تتمسك بدين إلهي، فلا بد من أن يكون مصدر هذه الاحكام اتفاق الجماعة الانسانية.

إن سلب سمة البرهانية عن قضايا العقل العملي أضحى مسلمة من مسلمات الفكر المعرفي الانساني عامة، لكن جعل المصلحة الاجتماعية واتفاق الجماعة الانسانية مصدر هذه القضايا والاحكام أمر يستدعي كثيراً من التأمل. فإذا تكلمنا بلغة الحكماء العقليين أنفسهم لغة أرسطو وابن سينا، وتساءلنا عن طبيعة هذا الحكم (إن احكام العقل العملي مشهورات وتأديبات صلاحية) هل هو حكم برهاني أم هو حكم استقرائي ظني؟ لا ريب أن هذا الحكم لم يقم على أساس استنباط برهاني، ولا يقع منكره في أي تناقض أو دور. ومن ثمّ فهو نتيجة استقراء وتتبع، وليس باستطاعة أي باحث أن يدّعي استيفاء كلّ المفردات المطلوبة في هذا الاستقراء، ومن هنا فهو استقراء ناقص، وحكم المناطقة الارسطيين على أحكام العقل العملي لا يدخل في دائرة العلم الارسطي الذي يعني اليقين الذي لا يزول.

المهم هنا أن نلاحظ أن أهم شرط تفقده قضايا العقل العملي من شروط البرهان هو قابليتها على الاستثناء، لنسلّم بهذا النقص في قضايا العقل العملي، لكننا نتساءل هل هناك ضرورة إلى حصر العقل المجرد بالعقل البرهاني؟ وهل قضايا العقل العملي إذا قبلت الاستثناء فقدت عقليتها وأضحت مبادئ تجريبية وأحكاماً عقلائية تقوم على أساس خبرات الجماعة؟ سوف يأتي في الفقرة القادمة من البحث درس هذا الموضوع الحيوي. وسنحاول تحديد رؤية واضحة من هذه الاسئلة.

 

المدرسة العقلية:

السيد محمّد باقر الصدر رائد من روّاد المدرسة العقلية في ميدان الاخلاق والعقل العملي، فهو يتابع الاتجاه السائد بين علماء أصول الفقه الامامي، الذي تبنى مدرسة المتكلمين العقلية التي يمثلها (المعتزلة والامامية). ويمكننا أن نضع الملامح العامة لهذه المدرسة ضمن النقاط الاتية.

اولاً: أن أساس مدركات العقل العملي قضيتا "حسن العدل" و"قبح الظلم".

ثانياً: أن مدركات العقل العملي أمور واقعية، وليست مدركات اعتبارية جعلية.

ثالثاً: مدركات العقل العملي أولية قبلية يدركها العقل بالبداهة.

رابعاً: أن الحسن والقبح يعني استحقاق العقاب والثواب والذم والمدح.

قلنا: إن الصدر رائد من رواد المدرسة العقلية، تابع الاتجاه العام السائد بين متكلمي وعلماء أصول الفقه الامامي، إذن أين الافق الرحيب، الذي ادعيناه له؟ هذا ما نستوضحه عبر قراءة موقف هذا الرائد عند كلّ محور من محاور البحث في نظرية العقل العملي لدى الاتجاه العقلي:

 

اولاً: حسن العدل وقبح الظلم

هناك محاولة لدى فلاسفة الاخلاق إلى التماس مبادئ عامة تقوم

على أساسها قواعد السلوك وأحكام العقل العملي. وقد لاحظنا سعي الحكماء المسلمين إلى الاعتراف بوجود أحكام عملية تمثل المبادئ المشتركة بين المجتمعات البشرية، وقد حصروها بوجوب العدل وقبح الظلم ـ ولم يخالف علماء الكلام هذا النهج، بل جعلوا هاتين القضيتين بمثابة المدرك الرئيس للعقل. ويرتهن الحكم على القاعدة العملية بمدى انطباق هاتين القضيتين عليها. فالكذب قبيح لانه ظلم، والخيانة لا تنبغي لانها ظلم، وشكر المنعم واجب لانه عدل. وبهذا تضحى أحكام العقل العملي ترتبية تابعة لحكم رئيس.

"العدل ينبغي ويجب، والظلم لا ينبغي وهو أمر محظور" هذا الشعار المهيب مَنْ يناقش بصدقه وأخلاقيته وسلامته المنطقية؟! من يقترب مناقشاً؟! إنه مسلمة من مسلمات الناس، وقد تلقاها علماء الكلام وأصول الفقه، حتى الحكماء الراسخون مسلمةً راسخة لا محيص عنها.

لكن الافق الرحيب والروح العلمي الجسور لسيدنا وأستاذنا الصدر لم يرتض متابعة هذه المسلمة، دون أن يُخضعها للتحليل، ولم يتهيب ما أحيط بهاتين القضيتين من قداسة وتوكيد، فتساءل عما يعني "الظلم" الذي لا ينبغي، ثم أجاب بأن الظلم يعني سلب ذي الحقّ حقه، فمفهوم الظلم ينطوي على مفهوم الحقّ وما لا ينبغي، وبهذا تضحى قضية الظلم لا ينبغي قضية بشرط المحمول.

نصغي إليه وهو يقرّر هذه الفكرة في دورته الاولى من البحث الاصولي:

"إن قولنا: العدل حسن والظلم قبيح ضروريتان بشرط المحمول، ونحن نشرح الكلام في ذلك بالنسبة لقولنا: "الظلم قبيح" ومنه يظهر الكلام في قولنا: "العدل حسن"، فنقول: لا يتحصل معنى معقول للظلم عدا سلب ذي الحقّ حقه، فقد فرض في الرتبة السابقة على هذا الكلام حقّ للمظلوم... فمعنى قولنا مثلاً: "ان من حقّ اليتيم أن لا يُضرب" هو أنه يقبح ضرب اليتيم. فقولنا: "الظلم قبيح" يرجع بالاخرة إلى قولنا: "القبيح قبيح" وهذه قضية بشرط المحمول.

... والحاصل ان ادخال قولنا: "الظلم قبيح والعدل حسن" في البراهين والابحاث الفنية ليس إلاّ عبارة عن لعب الالفاظ بالامور العقلية والمطالب الفنية"(128).

ونحن مع الاستاذ فيما ذهب إليه فالعدل والظلم لا يمكن أن يكونا المفهومين الرئيسين لاحكام العقل العملي ومدركاته. وقد دعمنا هذا الاتجاه بتحليل تفصيلي في دراستنا "المنطلقات العقلية للبحث في علم أصول الفقه". نشير هنا إلى أن العدل لدى فلاسفة الاخلاق تذبذب استخدامه بين دلالتين، فهو يدل مرة على مفهوم عام، ويكون سمة لاداء الواجب، فاداء الامانة عدل، والصدق عدل، والوفاء بالوعد عدل... ومرة يدل على مفهوم خاص كالعدل في التوزيع والعدل في الحكم والعدل في السياسة... وبدهي أن المفهوم الاوّل يعادل مفهوم الواجب إذا أردنا أن نحتفظ للقضية بدلالتها الاخلاقية والعملية. ومفهوم الواجب هو أحد المفاهيم اللغوية الرئيسية لمفهوم العدل، وإذا لذنا بمفهوم آخر من المفاهيم اللغوية التي يدل عليها العدل كالاعتدال والاستقامة والتوازان، فسوف نواجه قضايا وصفية لا علاقة لها بشكل مباشر بقضايا وأحكام العقل العملي. أما المفهوم الثاني للعدل فهو لا يمكن أن يكون ـ في مقياس الحكم الاخلاقي ـ واجباً ينبغي، ما لم نتفق على مقياس أعلى لتحديد معنى العدل في التوزيع، فهل هو اطلاق الحريات الاقتصادية أم هو مشاعية الثروة أم هو أمر آخر، وهكذا؟ فلا يمكن أن يكون المدرك المباشر للعقل العملي، بل يصبح مفهوماً ترتبياً لاحقاً وقائماً على أساس مفاهيم أخرى.

إذن; ماذا يدرك العقل العملي؟ ذهب الاستاذ الصدر إلى أن العقل العملي يدرك مجموعة قضايا أساسية هي المحور الرئيس، كقبح الكذب، ووجوب أداء الامانه، ووجوب طاعة الله، ووجوب شكر المنعم... وهذه هي المزية الاولى التي خرج بها عن شبه الاجماع القائم بين باحثينا، وبهذا يلتقي مع اتجاه لدى بعض المفكرين الاخلاقيين في الغرب، حيث يسمى أنصاره بالجزئيين، الذين لا يرون الاحكام الخلقية أحكاماً ترتبية لاحقة، مقابل "الكليين"(129).

إن التحليل الجريء الذي مارسه الصدر بشأن "حسن العدل وقبح الظلم" قريب من روح ما انتهى إليه "عما نوئيل كنت" من رؤية. فالفكر الغربي ـ كما هو الحال لدى بعض حكماء المسلمين ـ التمس (الخير والشر) كمعطيين رئيسين تتقرر في ضوئهما قوانين العقل العملي. غير أن "كَنْت" لم يجد الخير والشر إلاّ معطيين تجريبيين لا يتحدّدان إلاّ في ضوء الخبرة وواقع التجربة الانسانية. لكنه لم يعثر أخيراً في العقل المحض إلاّ على مفهوم واحد هو "الواجب" أي (ما ينبغي وما لا ينبغي).

 

ثانياً: مدركات العقل العملي أمور واقعية

أين تتقرر هذه المدركات؟ هل هي قائمة في صقع الوجود الخارجي، أم انها قائمة في عالم الذهن؟ جواب مدرسة الحكماء وسائر الاتجاهات التي تبنت اعتبارية وجعلية هذه المدركات في حلٍّ عن البحث حول عالم تقررها وثبوتها، إذ لا ثبوت لها، انما هي وجودات اعتبارية تتقوم بالاعتبار والجعل. لكن المدرسة العقلية لا بد لها من الاجابة عن هذا الاستفهام. وقد لاحظ العلاّمة الطباطبائي أن المدرسة العقلية الكلامية لمّا لم تعثر على ثبوت لهذه المدركات لا في عالم الذهن، ولا في عالم الوجود اضطرت إلى افتراض عالم الواقع.

لكن هناك اتجاهاً لا يستهان به ذهب إلى ضرورة افتراض "عالم ثالث"، وقد طرح هذا الاتجاه افلاطون في "عالم المثل"، وتبنته أجيال من الحكماء بعده، وله في عالم الغرب المعاصر رجال كبرتراند راسل وكارل بوبر... على أن معالجة هذا الموضوع تطال العقل النظري. ونقد هذا العقل وتحليل معطياته هو الموضع الملائم لمعالجة هذا الموضوع.

أما الصدر فقد حاول في الدورة الاولى على ما في تقريرات الحائري(130) أن يدافع عن عالم وجود وتقرر هذه المدركات، بطرح مصادرة مفادها أن لوح الواقع أوسع من لوح الخارج، فالمفاهيم الانتزاعية ـ حسب نعت الفلاسفة ـ إنما هي وجودات واقعية ثابتة في لوح الواقع، سواء وجد شخص ينتزع هذه المفاهيم أم لا. فالانسان ممكن والله واجب، سواء أكان هناك شخص ينتزع مفهوم الامكان والوجوب أم لا، فثبوت الامكان والوجوب ليس انتزاعاً، وإنما ثبوت واقعي في عالم الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود. ثم لو كان هناك اصرار على انكار المصادرة أعلاه، فيقول الصدر إن الحسن والقبح معقولات ثانية فلسفية على حدّ تعبير الفلاسفة الاسلاميين. ولا ضرورة للذهاب إلى اعتبارية هذه المدركات. كما صنع حكماء المسلمين(131).

نلاحظ أن هذا البحث غاب كلياً في تقرير الدورة الثانية، وقد اقتصر على المصادرة بأن لوح الواقع أوسع من لوح الوجود أو الخارج. لكن هذا الغياب والحضور في الدورة الاولى ايضاً لا يشفيان غليلنا في معالجة هذا الموضوع(132). ونحن عازمون على درسه في محلّه الملائم له إن شاء الله في دراستنا عن الاسس العقلية للبحث الاصولي.

يهمنا أن نشير هنا إلى ان زعيم المدرسة العقلية الغربية في نظرية الاخلاق، أعني "عمانوئيل كنت" اقتصر على استخراج مبدإ عقلي صوري خالص يحكم به الذهن وهو "مبدأ الواجب"، وكَنْت ليس من أنصار العالم الثالث أو عالم المثل أو عالم الواقع، بل لديه عالمان عالم الذهن وعالم الموضوع، وقد سعى أن يصفّي مبادئ الاخلاق من كلّ طابع تجريبي موضوعي ليجعلها مبادئ عقلية خالصة من ملابسات عالم الموضوع.

 

ثالثاً: مدركات العقل العملي مبادئ أولية قبلية

كيف يدرك العقل البشري القضايا العملية، هذه الضرورات المتقررة في عالم الواقع؟ تقرر بحوث الصدر أن العقل يدركها إدراكاً أوّلياً قبلياً، بوصفها حقائق ثابتة بغض النظر عن الادراك والمدرك. ثابتة ثبوتاً أولياً قبل التجربة والخبرة.

والاستفهام الذي يتبادر إلى أذهاننا هنا هو: هل مدركات العقل العملي تتمتع بسمات القضية القبلية وفق ما حدّدته بحوث الصدر المنطقية أم لا؟

لقد قرّر السيد الصدر في الاسس المنطقية للاستقراء ثلاث سمات للقضية القبلية:

1 ـ صدقها المطلق على كلّ زمان ومكان.

2 ـ عدم قابليتها للاستثناء عند توفر القرائن ضد صدقها المطلق.

3 ـ عدم تأثير زيادة الشواهد الاستقرائية على القناعة بها(133).

إن البحث في البداهة والقبلية ـ حسب وجهة نظري ـ يستدعي استئناف التمحيص من حيث الاساس. لكن السؤال الذي التفتت إليه بحوث الشهيد الصدر هو: ان مدركات العقل العملي تقبل الاستثناء، فهل الكذب لا ينبغي حتى لو أدّى الصدق إلى تدمير الامة، كما هو الحال في الحروب؟ وهل الوفاء بالعهد واجب حتى لو أدّى إلى هلاك الانسان؟

خرجت بحوث الصدر في معالجة هذا الموضوع بالفكرة التالية: أن العقل العملي يدرك اقتضاء الافعال للوجوب والخطر (ينبغي ولا ينبغي)، أي أنه يدرك قضية شرطية مفادها: أن الكذب لا ينبغي ما لم يوجد مزاحم أقوى يضطرنا إلى التنازل عن هذا الحظر عملياً، أما في عالم الواقع فسيبقى الكذب يقتضي الحظر وأنه لا ينبغي.

 

هذا المخرج لم يطرح بشكل صريح في تقريرات الدورة الاولى ـ حسب تتبعي لها ـ ; إنما جاء واضحاً صريحاً في تقريرات الدورة الثانية(134). ونحن نلاحظ أن الصدر لاذ بفكرة الاقتضاء بغية أن يحفظ لقضايا العقل العملي صدقها المطلق وعدم الاستثناء فيها. أما "عمانوئيل كنت" فارس العقل العملي فقد التفت إلى عالم الفعل والممارسة، فوجد تعارض الواجبات العقلية في هذا العالم، وطرح هذا التعارض كمشكلة، لكنه تركها دون حلّ(135)!

غير أنني لا استطيع أن أصدّق بأن مفهوم الاقتضائية ذاته مفهوم قبلي، ولا أستطيع أن أذعن بأن المدرك القبلي هو القضية الشرطية "أن لا ينبغي أو ينبغي ما لم يزاحم بمزاحم أقوى". فإن التزاحم مفهوم من مفاهم الخبرة، يفرضه الواقع الانساني المعاش، وتقييد القاعدة العقلية بالمفاهيم التجريبية يفقدها خلوصا وقبليتها. فلو كان عالمنا الذي نعيشه خالياً من التزاحم والتعارض بين الواجبات، فهل احتجنا إلى الاقتضائية أو إلى تقييد فعلية حكم العقل بعدم وجود المزاحم؟

على أي حال كيف عالج الصدر هذا التزاحم، الذي يفقد بطبيعته العقل البديهي وضوحه؟

قال:

"إن مدركات العقل العملي لا خلاف فيها في نفسها أعني فيما يدركه العقل بنحو الاقتضاء أنه لا ينبغي أو ينبغي، فالكذب مثلاً لو لوحظ في نفسه يحكم العقل بأنه يقتضي أن لا يرتكب والصدق فيه اقتضاء أن يكون هو الصادر من الانسان، ولكن قد يقع التزاحم بين هذه المقتضيات كما إذا لزم من عدم الكذب الخيانة مثلاً، فيتزاحم اقتضاء الصدق للحسن مع اقتضاء الخيانة للقبح. وفي هذه المرحلة قد يقع اختلاف بين العقلاء في الترجيح وتقديم أحد الاقتضائين في قبال الاخر، فتشخيص موازين التقييم والتقديم في موارد التزاحم هو الذي يكون غائماً يشوبه الشك أو الخطأ، ولا يكون بديهياً أولياً بل ثانوياً، ولا نقصد بالثانوي هنا كونه مستنتجاً بالبرهان بل كونه مشوباً بالشك وعدم الوضوح، وقد ذكرنا فيما سبق أنه قد تكون معرفة غير برهانية وغير مستنتجة أي أولية، ومع ذلك لا يكون واضحاً بل يكون غائماً"(136).

إذن فالمدرك لقضايا العقل العملي هو العقل القبلي الاولي، والمرجح في عالم التزاحم هو العقل ذاته، والاختلاف الذي يقع في عملية الترجيح بين الشعوب والمجتمعات والافراد لا يعني إلغاء صفة القبلية عن المدرك للترجيح، وقد أطلق في الدورة الاولى في بحثه مصطلح العقل الاوّل على المدرك للقضايا العملية ومصطلح العقل الثاني على الذي يقوم بعملية الترجيح(137).

ونحن هنا نقرر بوضوح أن هذا الاختلاف يرشدنا إلى ان عملية الترجيح لا تتم بعقل أولي ولا بعقل برهاني. إنما تخضع لخبرة الشعوب واختلاف رؤى الافراد، ومدى ما اكتسبوه من مناعة تربوية وحصانة أخلاقية. إن ترجيح العقلاء بين المتزاحمات في عالم الحياة الانسانية لا يمكن أن يتجرد عن مفاهيم ومتطلبات المصلحة والمفسدة، هذه المفاهيم التي يحدّدها الناس في ضوء تجاربهم وممارساتهم الحياتية في عالم المتغيرات.

إن العقل البشري الخالص لا يمتلك سلماً للترجيح بين متزاحمات عالم الخبرة والحياة الانسانية، لان ميدانه يختلف جوهرياً عن ميدان الخبرة. فالثبات والدوام والعموم في صميم العقل الخالص، بينا يروغ ميدان الحياة الانسانية على الثبات والدوام، وتختلف متطلباته من جيل إلى جيل، ومن مكان إلى آخر، ومن شعب إلى شعب آخر، ثم أين هو سلم الترجيح؟ ابحثوا عن هذا السلم في فكر أكبر رواد العقل العملي الخالص (محمّد باقر الصدر أو من قبله عمانوئيل كمنت)، وسوف لا تجدونه، وإن وجدتموه وليتكم تجدونه ستلاحظونه متأثراً عند الاوّل بأحكام الشريعة الاسلاميّة التي عاش في كنفها وهي أحكام العالم الخبرة، ومعطيات الاعتبارات والتوجيهات الالهية. وستجدونه عند الثاني انعكاساً جلياً لبيئته وعصر النزعة الانسانية الاوربية.

يهمنا في هذا المقطع من البحث أن نؤكد أن العقل البشري إذ يدرك بخلوصه وتجرده المحض بعض أحكام السلوك والعمل، فإن هذا العقل لا يستطيع ان يظل خالصاً مجرداً حينما يأتي إلى عالم الواقع الحياتي، ويحكم على ممارسة الافعال ويرجح بين المتزاحمات، بل سوف يتأثر حتماً بمقاييس المصلحة الفردية والاجتماعية، بالميل الذاتي والاتجاه العام. ومن هنا يتطلع الانسان إلى القوة الموضوعية الخالصة لتقنن له ما يصلح حياته، ويحفظ لها أكبر درجات القرب من عالم العقل الكامل.

إن السيد الشهيد طرح بشكل مستقل في الدورة الاولى موضوعاً حيوياً هاماً، وهو علاقة العقل العملي بالمصلحة والمفسدة. وهل أحكام العقل العملي خاضعة للمصلحة وللمفسدة؟ وكانت نتيجة التحليل إنكار ارتباط أحكام العقل العملي بالمصلحة والمفسدة، سواء أفسرنا المصلحة بالكمال والمفسدة بالنقص أم فسرناها بالمصلحة الشخصية أو العامه. ونتيجة هذا التحليل رغم سلامتها طُرحت ضمن سياق ـ الذي أغمض النظر عنه تماماً في الدورة الثانية من بحثه الاصولي ـ يمثل خلطاً واضحاً بين ميدان العقل المحض وميدان التشريع وعالم الحياة الانسانية، بين عالم الوجوب الاخلاقي والقبح والحسن وبين عالم المصالح والمفاسد والمتغيرات.

لنتبين هذه الملاحظة في ضوء ما جاء في تقريرات السيد الحائري، إذ قرر أن الحسن والقبح لا يدور مع المصلحة والمفسدة النوعية أينما دارت "فلانه لو ربط الحسن والقبح بمصلحة المجتمع ومفسدته لزم في مثال مقدمية كشف السرّ لتحصيل ما هو من أهم العلوم مثلاً، ايقاع التزاحم بين المفسدة النوعية المترتبة على كشف السّر وزوال ملكة الكتمان، والمصلحة المترتبة على تحصيل ذلك العلم الذي يمكنه من نفع المجتمع بمنافع عظمى. فمتى ما كانت هذه المصلحة أقوى لزم أن لا يكون كشف السرّ قبيحاً، ولا يعدّ هذا الشخص خائناً وغير نبيل عند من يدرك قبح كشف السرّ، بينما ليس الامر كذلك"(138).

أريد هنا أن أحوّل هذا المثال إلى استفتاء فقهي وأسأل السيد الصدر كفقيه من أعظم فقهائنا أخلاقية والتزاماً بالواجب الخلقي، لنراه ماذا يجيب؟

إذا كشفت سراً استودعني إياه رجل شريف قد مات وفارق الحياة، وكان كشف هذا السرّ يؤدي إلى معرفة موقع الضعف الاساس في عدو للاسلام محارب، فهل يجوز ذلك شرعاً أم لا؟

إن الفعل في عالم الخارج يرتبط بملابسات عالم الخارج، وبظروف الحياة الانسانية، وقيمها المادية والمعنوية، وبمصالحها الاعتبارية والحقيقية. بينما لا يدرك العقل القبلي الخالص هذه الملابسات، ولا يضع في حسابه القيم المادية والموازين الاعتبارية التي تقوم على أساسها حياة الجماعة. ومن ثم نحتاج إلى العقل المطلق المطّلع على عالم الغيب المكنون; لكي يهدينا ويأخذ بيد هذا العقل المحدود، لكي لا يضيع في مقاييس المجتمعات، التي تخضع لسلطان الشهوات وقوة وتأثير سلطان النخب ومصالحها. وإلاّ فالعقلاء بما هم عقلاء لم يتركوا لنا سوى اتفاق على قبح القبيح وحسن الحسن، اتفاق على

وجوب الواجب، وهي قضية بديهية نظرية; لانها قضية تحليلية، وليست حكماً عملياً تركيبياً.

رابعاً: الحسن والقبح يعني استحقاق الثواب والعقاب والمدح والذم

ورث البحث في علم أصول الفقه هذه الاشكالية من سلفه علم الكلام. فقد عرّف المتكلمون الحسن والقبح باستحقاق العقاب والثواب والذم والمدح، وهذا التعريف يمثل أهم الجسور التي تفضي إلى الاستدلال من حكم العقل إلى حكم الشرع لاثبات القاعدة المشهورة "الملازمة بين ما حكم به العقل وما حكم به الشرع".

لاحظ الصدر:

 

ان هنا مطلبين:

أحدهما ـ حسن الفعل وقبحه. والاخر: استحقاق العقاب. وقد يختلط أحدهما بالاخر فيتصور أن أحدهما عين الاخر، فالقبح ما يستحق فاعله الذم والعقاب، والحسن ما يستحق عليه المدح والثواب إلاّ أن هذا خطأ، فإن الحسن والقبح معناهما ما ينبغي أن يقع وما لا ينبغي كأمرين واقعيين تكوينيين من دون جاعل، وحينئذ تارة يطبق ذلك على فعل الانسان نفسه فيقال: إنه ينبغي في نفسه أو لا ينبغي، وأخرى يطبق على فعل الاخرين ومواقفهم تجاه فاعل القبيح، فيقال: إن عقابه أو ذمه مما ينبغي أو لا ينبغي. فاستحقاق العقاب والثواب تطبيق آخر لنفس الامر الواقعي المدرك على مواقف الاخرين تجاه فاعل الفعل الحسن أو القبيح، فهناك قضيتان لا قضية واحد"(139).

إن التمييز بين مفهومي الحسن والقبح وبين مفاهيم استحقاق العقاب والثواب واستحقاق الذم والمدح خطوة منهجية أساسية في الدرس العقلي لمدركات العقل العملي. لان العقل العملي المحض يدرك الواجبات ويقررها أو يحكم بها، والحسن والقبح أي ما يجب وما يحظر إنما هي محمولات العقل العملي، بينما استحقاق الثواب والعقاب والذم والمدح هي موضوعات من الممكن أن نتفحص العقل العملي لنرى هل يحكم بوجوبها أم لا؟

إن البحث الكلامي والاصولي اللذين استخدما العقل وسيلة من وسائل الاثبات في ميدان العقيدة والشريعة، لم يتسنَّ لهما الفحص المحايد لطبيعة العقل. بل اختلط فيهما النصّ ـ بالعقل. فالمتكلمون وتبعاً لهم علماء أصول الفقه يبحثون عن مفاهيم وواجبات الشريعة وأحكامها، هذه الشريعة التي قررت العقاب والذم لمن خالفها وتجرأ على عصيانها، الثواب والمدح لمن امتثل أوامرها وخضع لتعاليمها. لا يستطيع هؤلاء بعقلهم الشرعي ان يفرّقوا بين الحسن والثواب وبين اداء الواجب والمدح عليه، وبين العصيان والمخالفة وبين العقاب والذم.

يهمنا أن نعود لنتفحص العقل العملي الاولي السابق للتجربة، الذي تثبت احكامه بغض النظر عن الاعتبارات الاجتماعية والمواضعات العرفية والشرائع الالهية، نتفحصه لنرى هل يحكم أو قُل هل يدرك حكماً ثابتاً في لوح الواقع يقرر وجوب عقاب من يخالف الواجب العقلي ووجوب ثواب من يمتثله أم لا؟

لنسلم بأن هناك حكماً عقلياً محضاً يقرر وجوب معاقبة من لا يمتثل أوامر العقل العملي. لكنني أتساءل على مَنْ تجب معاقبة العاصي لاوامر العقل العملي؟

 

هل تجب على الله؟ فهذا يعني:

أ ـ أن نصادر في أحكام العقل العملي على وجود الله تعالى، بوصفه الضمان التنفيذي لاحكام العقل المحض.

ب ـ أن أحكام العقل العملي ليست شاملة لكلّ إرادة عاقلة، بل هناك أحكام خاصة ترتبط بذات "الله" بوصفه القاضي العادل الملتزم مطلقاً بأوامر العقل العملي المحض.

جـ ـ أن أولية وقبلية هذا الحكم سوف يطالها الشكّ والابهام; لان العقل العملي حينما يقرر وجوب معاقبة العاصي على الله فهذا يعني أن هذا الحكم يتوقف على مجموعة معارف ان لم تكن جميعها تجريبية فان معظمها يعتمد التجربة ولا يقوم على برهان، أي ان الحكم القبلي سوف يتوقف على معرفة بعدية، بل مجموعة معارف بعدية برهانية أو تجريبية. وهذا خلف; لان الحكم القبلي لا يتوقف تصديقياً على الاقل على معرفة أخرى.

هل تجب على كلّ عاقل؟ وهذا يعني:

أ ـ أن العقل العملي يحمل المسؤولية كواجب كفائي (على حدّ تعبير علماء الشريعة(140) على كلّ عاقل. وأنا أسألك كعاقل مريد: هل يجب عليك أن أن تعاقب من يخلف الوعد؟

ب ـ ثم ماذا يعني العقاب؟ هل نسجنه؟ هل نضربه؟ هل نقاطعه؟ أم ماذا؟

جـ ـ هل افتراض وجوب عقاب العاصي لاوامر العقل المحض يكون واجباً على كلّ عاقل ينسجم مع متطلبات حياة الانسان؟ ألا يتحول الامر حينئذ إلى فوضى لا حدود لها.

نعود لنستعين بالسيد الحائري مقرر الدورة الاولى من بحوث الشهيد الصدر الاصولية حيث قال في إحدى تعليقاته:

"لا يخفى أن تعريف الحسن والقبح بالمدح والذم، إن كان بمعنى التعريف المنطقي فهذا غير معقول، فإنهما مفهومان أوليان واضحان، لا يعرّفان بشيء آخر. على أن صحة المدح أو الذم لا تعني إلاّ حسنهما وعدم قبحهما. فهذا تفسير للشيء بنفسه. ولكن الواقع أن المدح والذم هما عين قولنا بأن هذا حسن وهذا قبيح. فقولنا (هذا حسن) هو مدح، وقولنا (هذا قبيح) هو ذم. فصح أن يقال كإلفات للنظر ـ لا كتعريف ـ إن الحسن والقبيح عبارة عما يستحق عليه المدح والذم، بمعنى أن الحكم بالحسن والقبح هو عين المدح والذم"(141).

إذن فمن يقول: إن "شكر المنعم واجب" فهو يمدح، ومن يقول: إن "طاعة الله واجبة" فهو يمدح، ومن يقول: "لا ينبغي الكذب" فهو يذم! وهنا لا بد من أن نذكر مرة أخرى أن البحث في "الحسن والقبح العقليين" بحث عما ينبغي وعما لا ينبغي، بحث عن الضرورة والواجب الاخلاقي. وليس بحثاً عمّا يلائم وينافر أو ما يستحسن ويستقبح.

لكن السيد الحائري عاد ليقرر في هامش آخر قائلاً:

"لا يخفى أن الحسن والقبح يستتبعان أمرين مختلفين في الهوية، أحدهما: ما قد نسميه بالمدح والذم بالمعنى الذي يكون عبارة عن مجرد التحسين والتقبيح للفاعل وسريرته. والثاني: المجازاة والمكافأة، التي يستحقها الشخص بحكم العقل العملي، وهو الثواب والعقاب. هذا بناء على واقعية الحسن والقبح. أما بناء على عقلائيتها فالتحسين والتقبيح أيضاً نوع مكافأة عقلائية تأديباً ومنعاً عن المفاسد. ويشهد لتعدد الامرين وعدم رجوع أحدهما إلى الاخر ان المدح والذم يعدان من حقّ كلّ أحد يطلع على صدور الحسن أو القبيح من هذا الانسان، بينما الثواب والعقاب يثبتان ـ بناء على واقعية الحسن والقبح ـ على من أحسن بشانه، ولمن هضم حقه، ويثبتان أيضاً لولي المجتمع كتأديب ودفع للمفاسد وجلب للمصالح"(142).

 

نلاحظ:

أ ـ ماذا يراد بمجرد التحسين والتقبيح، هل يراد بهما الحالة الانفعالية التي تطرأ على من يشاهد مخالفة أحكام العقل العملي في الخارج؟ إن الحالة الانفعالية أمر يرتبط بالمشاهد وبمستوى تربيته الاخلاقية، وليست حقّاً ولا واجباً. أم يراد بالتحسين والتقبيح إبراز هذه الحالة الانفعالية والاعلان عن مواجهة المخالف وذمّه على مخالفته، والاطراء على المطيع؟ هل العقل العملي يحكم بوجوب ذلك؟

يقرّر الحائري انه ليس لدينا حكماً عقلياً وإنما حقّاً! إنها لغة الفقه والشريعة (الحقّ والحكم)، شريعتنا السمحاء التي لا تعطي لكلّ أحد حقي المدح والقدح، بل تأمر بالستر ويخضع المدح والذم فيها لموازين اعتبارية تشريعية.

ب ـ ثمّ الثواب والعقاب يثبت للمظلوم ولولي المجتمع، فهل يثبت له كحقّ أو كحكم، هل يجب على من ظلم أن يعاقب؟ فأين فضيلة التسامح؟ يبدو أن الحائري يراه حقّاً ثابتاً للمظلوم، ألا يكتفي باسترداد ظلامته دون عقاب للظالم، ثم إذا كان هذا الحقّ ثابتاً للمظلوم، فما هو شأن ولي المجتمع؟

يقرر السيد الحائري أن ولي المجتمع يثبت له الحقّ لكي يؤدب ويزجر، ويدفع المفسدة ويجلب المصلحة!

لكن أحكام العقل العملي ـ كما يوافق الحائري على ذلك ـ ليست مرتبطة بالمصلحة والمفسدة، وليست ناظرة إلى التأديب وعدمه، وإنما هي أحكام تلحق الافعال لذاتها. وهي متقررة بغض النظر عن المصالح والمفاسد، وقبل التأديب والتربية والجماعة وأحكامها.

إن أهم ما يعانيه البحث الكلامي والاصولي في هذه البحوث خلطه بين ميدانين، ميدان العقل المجرد القبلي، وميدان العقل العملي المؤهل بخبرات الشريعة واعراف المجتمعات، خلط بين ميدان العقل القبلي وميدان الخبرات التجريبية. فنحن ندرس مدركات العقل العملي كأحكام مستقلة عن العرف والعادة، وبغض النظر عن الشرائع السماوية وتعاليم الاديان. ولا بد من أن تدرس كذلك، وإلاّ سوف نختلف دون أن نعرف سبب الخلاف.

يهمنا أن نعود إلى تحليل أدق لمفهومي "استحقاق العقاب والثواب"، فمرةً نفسّر هذا المفهوم ضمن السياق العام لاحكام العقل العملي، ونقول: إنّ العقاب ينبغي فهو واجب ومدرك بحكم العقل العملي، وإن الثواب واجب كذلك. وحينئذ ستأتي المفارقات التالية:

أ ـ مَنْ أطاع حكم العقل العملي وشكر المنعم، فيجب على المنعم أن يثيبه، وإذا أثابه وأطاع حكم العقل العملي بوجوب مكافأة المطيع، فمن يثيب المنعم حينئذ؟ اما أن ينقطع التسلسل ويتعطل حكم العقل العملي بوجوب إثابة المطيع، وإما أن يتسلسل الامر بشكل يدعو للسخرية!

ب ـ أما بالنسبة لوجوب العقاب فهو أمر لا يمكن افتراضه بشكل معقول ما لم يفقد العقل تجرده، وينتقل من عالم لوح الواقع إلى عالم الخارج والخبرة. وبهذا نخرج عن ميدان البحث "العقل الخالص"، ويضحى الحكم بوجوب العقاب حكماً عقلائياً عرفياً، أو وعيداً إلهياً يرفع لواءه المشرع ضماناً تنفيذياً لاحكام شريعته.

أما إذا فسّرنا الاستحقاق بأنه "حقّ" يثبت لصاحبه، وله أن يفعل أو أن لا يفعل. فحينئذ نتساءل:

أ ـ لمن يثبت حقّ عقاب "الكاذب"؟ لا بد من أن يثبت لكل عاقل سمع الكاذب يدلي باكذوبته.

ب ـ لمن يثبت حقّ عقاب "القاتل"؟ لولي الدم، أم للسلطة الحاكمة؟ وفي كلا الحالين لا بد من أن نصادر على العقل العملي، ونجرده من خلوصه ويضحي عقلاً عقلائياً عرفياً.

جـ ـ هل للمنعم حقّ معاقبة من لم يشكره؟

فمن أعان شيخاً ضريراً على عبور الطريق، ولم يشكره هذا الشيخ على فعلته فله حقّ ضربه او شتمه أو تأنيبه أو تذكيره مثلاً، كعقوبة على عدم تقديم الشكر للمنعم المحسن!

د ـ لمن يثبت حقّ الثواب؟ يثبت للمطيع طبعاً، ولا معنى لثبوت هذا الحقّ للمطيع دون أن يكون هناك واجب على المطاع يقضي بتقديم المكافأة والثواب للمطيع.

فإذا كان المطاع هو الحكم التكويني القائم في لوح الواقع، إذا كان المطاع هو الواجب العقلي الاخلاقي المتقرر في عالم الحقائق فكيف يثيبنا هذا الواقع، وماذا في وسعه أن يقدم لنا؟

إن هناك مفارقة رئيسية في تفسير استحقاق العقاب واستحقاق الثواب بـ "الحقّ"، وهي فكرة قد توحي بها نصوص المتكلمين، وقد يورط بها مفهوم "حقّ الطاعة" والتي صرح بها مقرر بحث الشهيد الصدر، والمفارقة هي: أن استحقاق العقاب سيكون حقاً مشروعاً وفعلاً مباحاً يثبت لصاحبه الحقّ، بينا سيكون استحقاق الثواب واجباً لا بد من ادائه من قبل المطاع، الذي اُمتثل أمره!!

إنه الخلط بين مفاهيم الشريعة وأحكام العقل المحض(143).

وعند هذا المقطع من البحث اريد أن أنقل نصّاً للمرحوم الدكتور

محمّد عبد الله دراز، هذا الروح الكبير، والعقل القرآني النابض بالحيوية والشمول:

"فإذا أصرّ بعض الناس مدعياً أن فوق هذه العدالة التي تتم داخل القانون الاخلاقي عدالة أخرى أعلى درجة... فالعملية من أبسط الامور، وما علينا إلاّ أن نقلب صيغة هذا التتابع لنجد أنفسنا مكتفين بما نؤدي من واجب.

أننتظر أن يكافئنا المجتمع على أمانتنا في الاداء العادي لواجباتنا نحوه؟ أو لسنا مدينين له بأكثر مما هو مدين به لنا؟ إذن، فماذا نقول عن خالق الكون الذي يدين له الافراد والمجتمعات بكلّ شيء؟ مَن منا لم ينل مقدماً من يد الله: وجوده، وقدراته، وطاقاته، وامكاناته، ونعمه المادية والروحية؟... ولكن ألم يكن من الواجب حينئذ، بدلاً من أن نطمح إلى ثواب، ان نبتغي بسلوكنا الطيب أن يكون وفاء لدين، وشاهد عفان بتلك النعم التي لا تحصى، والتي أنعم الخالق بها علينان حتى من قبل أن نسأله إياها؟..."(144).

 

نعود لنلاحظ:

أن الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، على الانقياد والتجري، ليس أمراً مطلوباً لذاته. وإنما هو حكم ترتبي لاحقّ. إما أن يكون لاحقاً لضرورة قوة رادعة تضمن أجزاء القانون، أو لضرورة أن لا يكون خلق الكون عبثاً، وأن هناك خالقاً سوف لا يتساوى عنده المسيء والمحسن.

وبهذا يرتهن إثبات العقاب والثواب بقاعدة من قواعد العرف، وضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية الاعتبارية، فلا بد من أن نرجع حينئذ

إلى قواعد العرف، وضرورة من ضرورات الحياة الاجتماعية الاعتبارية،

فلا بد من ان نرجع حينئذ إلى قواعد العرف ومواضعات العقلاء; لنرى حدود

ما تقرر ونخرج عن دائرة العقل العملي المحض. واما أن يرتهن إثبات

العقاب والثواب بمدركات العقل النظري التي تقرر استحالة خالق الكون عبثاً، ولا بد من حساب وكتاب يمارسه خالق الكون ويقرره. وبهذا يضحى إثبات الثواب والعقاب قضية من قضايا العقل النظري وليست مدركاً عقلياً عملياً قبلياً.

على أن هذا الاثبات لا يقرر قاعدة كلية، وقضية صادقة على كلّ مخالفة من مخالفات العقل العملي المجرد، أي أن مخالفات أوامر العقل العملي المحض، لا تستدعي بحكم العقل النظري سوى قضية مهملة تقرر لا بد من حساب وكتاب لا يتساوي فيه المحسن والمسيء، دون أن تقرر ثبوت العقاب على كلّ مخالفه، وثبوت الثواب على كلّ طاعة وانقياد.