العقل العملي

 

آفاق ونتائج

هناك اتجاه في فهم معطيات العقل العملي، أوضحت معالم هذا الاتجاه، وناقشت تطبيقاته في حقل أصول الفقه (وقد اخترت الحقبة الاخيرة من تاريخ هذا العلم المديد، أعني ما آل إليه البحث في اطار علم أصول الفقه لدى مدرسة النجف الاشرف الحديثة). وقد طرحت هذا الايضاح والمناقشة عبر بحث عاجل نشرته في عدد سابق من "قضايا إسلامية"، وقد تركز على نهاية المدرسة الاصوليه الحديثة، أعني استاذنا الراحل المجدّد الشهيد الصدر رحمه الله، وبسطتهما في كتابي "الاسس العقلية".

وأيضاً ـ جراء حثّ ملح صَعُبَ عليَّ اغفاله ـ اكتب مرة اخرى ما عساه ان يكون ايضاحاً وتعميقاً لاتجاهي في فهم العقل العملي; لكي استخلص منه ما ينفع على مستوى السلوك والفكر، وما نهتدي به في تحليلنا لمعطيات العقيدة، واكتشافنا لاحكام الشريعة الاسلاميّة الغراء.

وفي ضوء اهم نتائج اتجاهنا في فهم العقل العملي تأكد في نفسي روح النصّ الالهي: (وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلاً) (156). ان حدود العقل العملي ـ كما فهمتها ـ توضح نقطة البدء في أخلاق العلماء، طلاب الحقيقة الساعين بجد وصدق إليها. ان الروح القطعي والجزم البرهاني الارسطي ـ مهما توسعنا في حدوده ـ فهو لايطال دائرة السلوك الانساني، هذه الدائرة التي يلقي عليها بصيص نوره عقل إنساني غير برهاني، وتحدّد احكامها شرائع لا تُفهم في ضوء قواعد العقل التي لا تقبل التخصيص، بل تأتي وتفهم بروح أبعد ما تكون عن قواعد منطق الصورة ونظام الذهن المحض، الذي يحكم عالم الرياضة في جلّ حقوله.

ان فهمنا للعقل العملي حدانا إلى اعادة النظر بجد في أحد ابرز أبحاث المدرسة الاصولية الحديثة، أعني به "حجية القطع"، وقد توسمت في نتائج تحليلنا لهذا البحث أن تكون نقطة انطلاق لمعالجة إحدى الازمات الاخلاقية الكبرى لدى قطاع واسع من باحثينا. فقد تعلمت ان هناك يقيناً وحقائق نصبو إليها ونقف عليها، ولكن ليس كلّ ما نعرفه وما نراه علماً هو حقيقة لا تعتريها يد الشك، يحقّ لنا ان نتقاتل عليها، ويسوغ لنا الهزء والسخرية بمن يخالفنا الرأي من نظراء الميدان، لا لشيء سوى ان لدينا يقيناً وانه حجة بالذات!

ان فهمنا للعقل العملي اتاح لنا فرصة اعادة النظر في جدوى كثير من الجهد المستنزف على مدى قرون، هذا الجهد المستمر في الاستنزاف، جراء اختلافات لا تتجاوز في اغلب الاحايين حدود النزاع اللفظي... مهلاً; لنقرأ معاً تحليلنا وفهمنها الذي ندعى، نقرأه بروح التواضع التي هي أم الفضائل، التي ناضل من أجلها رسل السماء، لنرى بصدق واخلاص ووضوح ما عساه ان يكون صحيحاً:

هناك استفهام فيصل في درس العقل العملي، يجب تحديد الموقف منه

 

اولاً: مَنْ الذي يحكم أو يقرر قضايا العقل العملي؟

هناك اتجاه قديم جديد يرى أن أحكام العقل العملي مجعولات تقرر في ضوء المواضعة، وعلى أساس عوامل خارجية، لا ترتبط أساساً بطبيعة موضوعات هذه الاحكام، ولا تلحقها لذاتها، وقد اصطلحنا على هذا الاتجاه "مدرسة الاعتبار والمواضعة". حيث تقف المدرسة العقلية في مواجهة هذا الاتجاه، وتقرر ان أحكام العقل العملي قضايا قائمة في نفسها، تلحق الموضوعات لذاتها، ويكتشفها أو يقررها العقل كحقائق(157).

الفلاسفة المسلمون عامة يتبنون الاتجاه الاوّل، ويؤازرهم قطاع كبير من الباحثين في علم الاجتماع والنفس، وفلاسفة الاخلاق المحدثين. ويتبنى علماء الكلام العقليون الاتجاه الثاني، ويؤازرهم معظم فقهاء المدرسة الامامية، ورعيل من الباحثين، يقف على رأسهم فيلسوف النقدية الحديثة "عمانوئيل كنت". وقد تعهدت دراستنا "الاسس العقلية" بتمحيص الاتجاهين ودرسهما بالتفصيل.

اما بحثنا فرغم ترجيحه للاتجاه العقلي عامه، ووقوفه بحماس مع بعض وجوه معطيات المدرسة العقلية، لكنه سلك سبيلاً آخر في فهم العقل العملي وتحليل مفاد أحكامه. سمح له أن يرى الخلاف التقليدي أمراً يستدعي الفحص، وان الوقوف على عتبة هذا الخلاف، دون التوغل فيما هو اعمق منه في التحليل يشكل فيما يشكل الاشكالية الرئيسية.

 

لنبدأ مستفهمين عما نعني بالعقل والعقل العملي:

العقل هو قدرة منحها الله لبني البشر، بها يميّز ويوازن ويحكم ويدرك الاشياء. هذه القدرة التي يستخدمها الفرقاء في الحكمة والكلام والشريعة، ويقررون بها ما يكبح جماحها ويحدّ من دورها، أو ما يرشحها لتكون السلطان المطلق في تقرير ما تراه. هذه القدرة التي بها، وبهدي منها يقرر التجريبيون على اختلاف مذاهبهم عجزها عن رفد المعرفة البشرية بأكثر مما تتيحه التجارب والملاحظات، والتي بها يقرر العقليون سلطان العقل وتوفره على قوانين الفكر والواقع معاً، أو على نظام المعرفة البشرية.

نعم، بالعقل قرر المتخاصمون في مساجد بغداد والبصرة ابان القرن الثاني الهجري اطلاق حريته ومنحه صلاحيات واسعة (المعتزلة)، أو قمع سطوته وتحديد صلاحيته إلى أبعد حدّ (الاشاعرة). وبالعقل فهم فقهاء الحجاز من التابعين وتابعيهم ان لا مناص من الغاء دور العقل في استنباط أحكام الشريعة، وبه قررت مدرسة الرأي ببغداد ضرورة القياس والمصالح المرسلة وسدّ الذرائع كادوات عقلية تلعب دوراً رئيساً في تحديد الموقف التشريعي أزاء الاحداث. وبالعقل قرر الامين الاسترابادي كبح جماحه، وثأر الوحيد البهباني لسيادته ودوره.

إذن، كيف نفهم بهذا العقل مدلول "العقل العملي" وكيف نميزه عن قسيمه "العقل النظري"؟

انه عقل واحد دون شك، هو العقل الانساني، لكنه حينما يتناول أحكام السلوك، ويتحدث عن الواجب ايجاده، فهو عقل عملي. اما حينما يدرس معطيات الخارج والواقع كحقائق اخبارية، تخلو من أي عنصر توجيهي فهو عقل نظري.

والاهم بالتحديد هنا من بين تقسيمات العقل، هو أن نميّز بين مفهومي العقل البعدي، والعقل القبلي، وان نتفهم موقع القاعدة الشهيرة "أحكام العقل لا تقبل التخصيص"، فنحدّد بالضبط هوية العقل الذي لا تقبل أحكامه الاستثناء والتخصيص:

العقل القبلي: يُراد به لون من أحكام العقل المتنوعة، وهي تلك الاحكام التي يدركها الذهن البشري قبل التجربة، ومستقلاً عن أي تصديق وقضية مسبقة. فالاحكام المستندة إلى التجربة ليست أحكاماً قبلية، والاحكام التي تعتمد على تصديقات وأحكام غير تجريبية، وتستخلص في ضوء هذه الاحكام وعلى اساس منها لا تعد أيضاً أحكاماً قبلية. إذن فالعقل القبلي يساوق ما يصطلحون عليه العقل البدهي أو الاولي، الذي يختص بالاحكام المدركة ببداهة العقل وأولاً، دون اعتماد على تجربة أو برهان.

العقل البعدي: يراد به لون من أحكام العقل، التي يدركها الذهن البشري اتكاءً على التجارب والملاحظات، او استلالاً من أحكام أخرى وعلى أساس إقامة برهان نظري.

ومن هنا حينما يقال العقل المحض أكان نظرياً أم كان عملياً يراد منه العقل القبلي الخالص من التجربة والنظر البرهاني. وحينما يقال العقل المشوب بالخبرة فالمراد به العقل البعدي القائم على أساس النظر البرهاني أو الملوث بالتجربة والمشوب بالملاحظة.

والاستفهام المطروح هنا: متى تكون أحكام العقل غير قابلة للتخصيص، ولا تنالها يد الاستثناء والتقييد؟ هل يصدق هذا القانون على كل أحكام العقل عامة أم يختصّ بقسم منها؟ ثم لماذا يختص وما هي حكمة وسرّ هذا الاختصاص؟

وبصدد الاجابة عن هذا الاستفهام لا بد من ان نلتزم بسياق حكماء المدرسة العقلية أولاً، ثم نرى فيما بعد الموقف المطلوب:

إذا جئنا إلى أحكام العقل النظري وعلومه نلاحظ ـ في ضوء مفهوم المدرسة الارسطية عن العلم ـ ان العلم هو اليقين البرهاني، واليقين البرهاني يستدعي علاقة ضرورية ذاتية بين المحمول والموضوع في قضايا البرهان عامة. ومن هنا فما حكم به العقل النظري وصدّقه لا بد من أن يكون قضية برهانية، وإلاّ خرجت عن دائرة أحكام العقل.

وما دامت العلاقة بين طرفي القضية في الاحكام النظرية علاقة ذاتية استحال منطقياً طرو الاستثناء والتخصيص على هذه القضية العامة بطبعها; لوضوح ان قابليتها على الاستثناء تتناقض مع افتراض كون العلاقة ذاتية بين طرفي القضية المفترضة; لان الذاتي لا يتخلف ولا ينفصل عن الذات في حال.

هذا في مجال العقل النظري، وهو صادق في دائرة البرهان من وجهة نظرنا، لكننا لا نرى العلم محصوراً في هذه الدائرة، إذ جلّ العلم الانساني خارج عن دائرة البرهان واليقين المنطقي، وداخل في اطار احتمالي أو يقين غير برهاني، اسماه استاذنا الشهيد الصدر (اليقين الموضوعي)(158).

أما إذا تفحصنا العقل العملي نجد اننا إذا أخذنا بوجهة نظر حكماء المسلمين في تقويم جملاته أو قضاياه فهي لا تدخل في اطار نظرية العلم (في المفهوم الارسطي للعلم)، ما دامت قضايا مشهورة، تتواضع عليها الجماعات الانسانية. ولكن العقليين من علماء الكلام المسلمين وتبعاً لهم الاغلبية من علماء أصول الفقه في المدرسة الامامية منحوا قضايا العقل العملي طابعاً عقلياً قبلياً، وادعوا لها البداهة والثبوت الازلي في عالم الواقع، الذي هو أوسع من عالمي الذهن والخارج.

وسؤالنا هنا ينصب على تحديد سمات القضية الاولية العملية، فهل تتوفر على الضرورة والذاتية والاطلاق، الذي تتوفر عليه قضايا العقل النظري الاولية، أم لا؟

الحكماء المسلمون وأنصارهم من علماء أصول الفقه، وغيرهم من فلاسفة الاخلاق وعلماء النفس والاجتماع في حلٍّ من الاجابة عن هذا الاستفهام; لانهم يقررون سلفاً ان قضايا العقل العملي بعدية جعلية، تتواضع عليه الجماعات الانسانية، على أساس ما تمنحها تجاربهم وخبراتهم من معطيات.

اما المتكلمون العقليون ومدرسة عمانوئيل كنت فعليها ان توضح الموقف أمام هذا الاستفهام. ولكن لم نجد تحريراً واضحاً، أفرد هذه الاجابة

في بحث مستقل، رغم إمكانية استلال تصور ما عن الموقف، عبر متابعة تفاصيل ما طرح في هذا المجال.

قرر المتكلمون ان "الوجوب" و"الحظر" العقليين يثبتان لذات الفعل، بغض النظر عن ملابسات الزمان والمكان، فالكذب لا ينبغي فعله والامانة يجب ردّها... لكنهم لاحظوا ان هذه الاحكام التي أرادوا لها العموم والاطلاق بحكم ضرورة العقل، فاثبتوها لذات الفعل، لاحظوا طرو التخصيص عليها في عالم الخارج، وواقع الممارسة الانسانية للافعال. فتجنب الكذب قد يؤدي في عالم الممارسة إلى ازهاق الارواح أو انتهاك الحُرم. من هنا تجد في كلماتهم قيوداً اضافية، أسروها من عالم الممارسة إلى حكم العقل(159).

وإذا تجاوزنا ملاحظتنا (ان تقييد أحكام العقل بالنفع والضرر والمصلحة والمفسدة، وغيرها من قيود عالم الخارج، يُفقد هذه الاحكام أوليتها وقبليتها) نجد ان للمتكلمين محاولة أخرى أقرب لمنطق الدرس العقلي، حيث اتجهوا صوب اكتشاف مفاهيم متعالية تكون هي المقياس في تحديد الواجبات العملية، وتلخصت هذه المفاهيم في "العدل والظلم"، فقرروا وجوب العدل وحظر الظلم، كقضيتين يدركهما العقل العملي بشكل أساس، وعلى هدي هاتين القضيتين تتحدد قضايا العقل العملي التفصيلية. وقد لاحظنا ان بعض أنصار مدرسة الحكماء انساقوا في هذا الاتجاه، واتخذوا من قضيتي "العدل واجب" و"الظلم محظور" أساساً لكلّ الاراء المحمودة والمشهورات المقبولة كما اصطلحوا(160).

ولكن قضيتي "ينبغي العدل" و"لا ينبغي الظلم" لا تصلحان أساساً لتكونا مبادئ لمدركات العقل العملي، لانهما قضيتان تحليليتان، لا يمكن استنباط أي قضية منهما، ولا ينطبقان على أيٍّ من مقولات العقل العملي. وقد أوضحنا بالتفصيل الموقف من هذا الاتجاه في دراستنا التفصيلية.

اما استاذنا الشهيد الصدر فقد أكد ان قضيتي "وجوب العدل" و"قبح الظلم" قضيتان بشرط المحمول(161)، يصدقان في النهاية بتحليل الموضوع. لكنه اتجه اتجاهاً آخر في الخروج من مأزق التخصيص والاستثناء، الذي يطرأ على قضايا العقل العملي:

لقد قرّر رحمه الله ان العقل الاولي يدرك اقتضاء موضوعات العقل العملي للحسن أو القبح للوجوب أو الحظر، أي ان الكذب بذاته يقتضي الحظر وهو أمر لا ينبغي ايجاده، والوفاء بالامانة بذاته يقتضي الوجوب وانه أمر ينبغي أداؤه. وبهذا يفسح المجال أمام استثناءات عالم الخارج، دون ان تسري إلى عالم العقل المحض. ففي افق عالم العقل المحض هناك اقتضاء مطلق للوجوب(162)، وهذا الاقتضاء لا يتعرض للاستثناء أو التخصيص مهما اختلفت مصالح ومنافع ومفاسد واضرار عالم الخارج المتلون المتغيّر.

وقد لاحظنا على ملاذ سيدنا الاستاذ رحمه الله انه تقييد لعالم الذهن المحض بمعطيات عالم الخارج، ومدركاته. ولم نستطع أن نتصور الاقتضائية ذاتها مفهوماً قبلياً محضاً، بل لا تتعدى كونها قيداً مستلاً من الخارج، ادركه الذهن عبر الممارسة والخبرة. ومن هنا لا يستطيع هذا التقييد إلاّ على إخراج مدركات العقل المحض من عالمها القبلي. وتفصيل ما لاحظناه محرر في دراستنا "الاسس العقلية"، التي تناولت في جزئها الاوّل (المنطلقات العقلية للبحث في علم أصول الفقه) وانصبت على العقل العملي في جلّ فصول هذا الجزء.

اما "عمانوئيل كنت" ملهم العقل العملي فقد اتجه صوب تحرير مبادئ العقل العملي من كلّ الاحكام البعدية; بُغية ان يحفظ لاحكام هذا العقل طابعاً عقلياً قبلياً. فابتدأ في فحص العقل العملي بالعثور على مبدأ "الواجب الاخلاقي" كمفهوم مجرّد من أي مادة; ليؤكد حكم العقل بالواجب العملي، وأن هناك واجبات عملية يقرّرها العقل ويحكم بها.

ثم اتخذ من سمات القضية القبلية أساساً للحكم على مقررات العقل العملي، فما دام الحكم العقلي متسماً بالاطلاق والعموم، وصالحاً للانطباق على كلّ إرادة عاقلة فهو حكم عملي محض(163).

ولم يكتف بذلك بل قرّر ان هناك مبدأ آخر تستهدي به أحكام العقل العملي، وعلى اساس هذا المبدأ تتعالى هذه الاحكام من التلوث بمعطيات الخبرة، والانسياق في أطار المصلحة. والمبدأ هو اتخاذ "الانسانية غاية مطلقة" في كل ما يحكم به العقل(164).

لكن "عمانوئيل كنت" ـ وهو في طريقه لبناء شرعة الاخلاق والسلوك العملي على أساس العقل المحض ـ لم يجد بُدّاً من استبصار أحكام هذه الشريعة وهي على ارض الواقع، وفي عالم السلوك، فلاحظ ان الافعال الانسانية، والواجبات العملية حينما تعيش على ارض الواقع العملي للسلوك الانساني لا تحفظ سلامها، بل تتعارض أحياناً وتتدافع. وهب أنها تدافعت، فماذا تقرّر شريعة العقل العملي المحض؟ ترك "عمانوئيل كنت" الاجابة عن هذا الاستفهام حائرة، دون قرار من عقل عملي!

نعود إلى سمات القضية العملية القبلية:

أنا لا أستطيع أن أنكر على العقل قدرته على اكتشاف أو تقرير أحكام عامه، تهتم بتوجيه السلوك، وأقصد بالعقل ـ على وجه التحديد ـ العقل القائم على أساس الوضوح والبداهة. فالعقل الانساني المحض يدرك أساساً قبح الكذب ووجوب الوفاء بالامانة وقبح الخيانة...

لكن هذه الاحكام إذا أردنا لها أن تكون عقلية محضة فيجب أن تكون مطلقة عامة فحسب. أي ليس من الضروري للحكم العقلي الاولي أن يكون ذاتياً ضرورياً.

 

ايضاح هذه الفكرة:

في كتاب "البرهان"(165) وفي تقويم أحكام الرياضة وكلّ القضايا المرتبطة بالبرهان في مفهومه المنطقي نقرّر: ضرورة ثبوت المحمول لذات الموضوع، وليس هذا تقريراً تعسفياً أو قل ليس اختياراً متاحاً أمام الباحث. بل طبيعة هذه الاحكام تفرض ضرورة ثبوت المحمول للموضوع، إذ مع افتراض عدم هذا الثبوت أو تخلفه في بعض الاحيان، يفضي الامر إلى الوقوع في تهافت، ونقف عند استحالة منطقية، كما هو الحال في أحكام الرياضة عامة، أو استحالة فلسفية، كما هو الحال لو قررنا مبدأ العلية في أي صورة من صوره.

من هنا فاتسام الاحكام البرهانية بالضرورة ينبثق من طبيعة هذه الاحكام ويتحدّد في ضوء واقعها. وليس اختياراً أو استنتاجاً بدليل أو برهان آخر غير ذات هذه الاحكام وطبيعتها.

أما أحكام العقل العملي فليست هناك أي ضرورة منطقية تفرض ثبوتها مهما تجلَّت في وضوحها وبداهتها. إذ ليس هناك أي تناقض يستطيع ان يتلمسه منكر هذه الاحكام، وليست هناك أي ضرورة فلسفية تفرض استحالة تخلف المحمول عن الموضوع في أحكام السلوك العقلية المحضة.

من هنا فالضرورة الاخلاقية لا تتعدى المحمول ذاته، وليست سمة قائمة في القضية العملية بعد تمام بنائها من محمول وموضوع، كما هو الحال في الضرورة البرهانية التي هي سمة للقضية وليست محمولاً في قضايا البرهان.

في هذا الضوء يتضح ان البداهة والوضوح وقبليه المعرفة لا تعادل ضرورة ثبوت المحمول للموضوع بالمفهوم المنطقي البرهاني. ولكن السؤال هنا: إذا افتقدت القضية الضرورة والذاتية بالمفهوم البرهاني فهل تحرم الاطلاق والعموم أم لا؟

العموم والاطلاق تتمتع به القضية البرهانية نتيجة كونها ضرورية. فضرورية القضية البرهانية تحتم كليتها وعموم صدقها. فانّى للقضية العملية التي تفتقد سمة الضرورة من توفرها على العموم والاطلاق؟

نلاحظ: ان العقل حينما يلاحظ "الكذب" أو "الوفاء بالامانة" يجد بالبداهة وبغض النظر عن الخبرات والمعارف البشرية ان هناك ضرورة عملية تحكم بتجنب الكذب ووجوب أداء الامانة والوفاء بها. فالحكم بوجوب الوفاء بالامانة مترتب على ذات الامانة وذات الفعل، بغض النظر عن ملابسات الفعل الخارجي من مصلحة ونفع أو مفسدة وضرر.

ومن الطبيعي ان يأتي الحكم في عالم العقل المحض مطلقاً وعاماً شاملاً لكلّ حالات هذا الفعل; لانه لوحظ مجرداً من القيود والملابسات، التي تخصصه وتقيده.

مضافاً إلى ان العقل القبلي لا يتصور طرو تقييد أو تخصيص لاحكامه العملية; لان ذلك انما يحصل في عالم الخارج. فعالم السلوك الخارجي هو العالم الذي نتصور فيه وقوع التخصيص على الحكم العملي العام، وهذا التخصيص ينشأ عادة من وقوع التزاحم والتعارض بين الواجبات العملية. بينا ليس هناك أي تزاحم أو تعارض بين هذه الواجبات في عالم العقل المحض. فالافعال بذاتها وبغض النظر عن ملابساتها الخارجية تعيش بسلام آمن في عالم العقل القبلي المجرد.

اذن، فحكم العقل العملي حكم عام، يتسم بالاطلاق والشمول في عالم ثبوته وتقرره، ولكن هل يبقى هذا الحكم العقلي العام غير قابل للاستثناء، ويستحيل تخصيصه، كما هو الحال في أحكام العقل النظري أم ماذا؟

ان استحالة تخصيص الاحكام العقلية الضرورية تنشأ جراء ضرورة ثبوت المحمول للموضوع في قضايا البرهان، وليست ناشئة جراء عمومها وصدقها المطلق. وأحكام العقل العملي كما اتضح لنا لا تتسم بالضرورة. لكن الاستفهام هنا: هل هناك تعارض بين عموم واطلاق الحكم وبين قابليته على الاستثناء أم لا؟

من الواضح ان مجرد العموم والاطلاق لا يستلزم استحالة التخصيص والتقييد، وإلاّ لزم استحالة تخصيص أحكام العلم سواء منها الاحكام التجريبية أم أحكام المواضعة والاعتبار، فأحكام العلوم رغم عمومها تتعرّض للاستثناء والتخصيص باستمرار، دون أن يشعر المخصص أو المتابع بأي تناقض أو خلل منطقي جراء تخصيص العام أو تقييده.

وسؤالنا الان: متى تُخصص احكام العقل العملي؟ بديهي ان حكم العقل العملي القبلي لا يتصور فيه الاستثناء في عالمه (أي عالم العقل المحض، السابق للتجربة والخبرة); لان موضوعات أحكام العقل في عالمها تحيا دون أن يعكر صفو عيشها نزاع أو تزاحم. هذا مضافاً إلى ان العقل القبلي ليس بوسعه ان يتعدى في ملاحظته "ذات الفعل". إذ لو لاحظ ملابسات الفعل الموضوعية فهذا يعني انسلاخها عن القبلية ودخولها ميدان العقل البعدي المتكأ على الخبرة والتجربة والمعارف النظرية الاخرى.

إذن: أحكام العقل العملي عامة بطبيعتها، منصبة على ذات الفعل. لكنها قابلة للتخصيص في عالم الافعال والسلوك، وتخصيصها يعني ملاحظتها في عالم الفعل والممارسة الخارجية، وحينما تلاحظ كذلك تفقد أوليتها وقبليتها، وتضحى أحكام الخبرة والتجربة، فتتأثر بمقاييس المصلحة والنفع.

إذن: للاحكام العملية عالمان، عالم الفعل بذاته وبغض النظر عن ملابساته وقياسه إلى سائر الافعال. وعالم الفعل في الخارج وما تلابسه من حالات التزاحم والتعارض مع سائر الافعال. يحكم ويقرر في العالم الاوّل عقل عملي قبلي محض، ويحكم في العالم الثاني العقل العملي المشوب بالخبرة والتجربة.

* * *

نعود مستفهمين عن إمكانية العقل المحض ومدى قدرته وصلاحيته; ليحدّد لنا في ضوء ما يكتشف أو يقرّر من أحكام عملية شريعة أخلاقية، توجه السلوك الانساني وتهديه سواء السبيل. هل بوسع العقل المحض بما أوتي من قدرات وإمكانيات ان يرسم لنا شريعة أخلاقية توجه السلوك على أساس الواجب الاخلاقي المحض؟ هل بوسع العقل الانساني أن يرسم شريعة الواجب الاخلاقي؟

لم ينقل لنا تاريخ الحكمة اعلاءً لشأن العقل العملي المجرد فاق اعلاء المتكلمين المسلمين (المعتزلة والامامية)، ولم اطلع في حدود متابعتي على موقف عقلي واضح ادعى للعقل العملي البديهي ما داعاه المتكلمون العقليون المسلمون في القرن الثاني الهجري. ولا يسعنا المجال هنا للدخول إلى تفاصيل وأسباب هذا الموقف، لكن الثابت ان علماء الكلام العقليين لم يستطيعوا ـ مهما غالى بعضهم بقدرة العقل ـ ان يرقوا بالعقل القبلي إلى مصاف شريعة أخلاقية، قادرة على تحديد أحكام السلوك عامة.

لكن الحكمة الغربية الحديثة افرزت محاولة لاحد أهم فلاسفة العصور أعني "عمانوئيل كنت"، حيث سعى هذا الفيلسوف الكبير إلى رسم قواعد السلوك على اساس قيم موضوعية، تعلو على المصالح وتنشد الواجب الاخلاقي لذاته. ورغم جلال هذه المحاولة، وسمو الهدف في هذا السعي النبيل، لكن فهمنا وتحليلنا للعقل العملي يحبط هذا السعي، ويقدر لهذه المحاولة فشلاً مؤسفاً على كلّ حال.

ان شريعة الواجب الاخلاقي تستدعي من المشرع ان لا يقصر نظره في حدود معطيات الحقيقة الاخلاقية. أي يتجاوز افق العقل المحض، ويطلّ على الافعال في عالم ملابساتها، وفي واقع علاقاتها. وحينما يطلّ العقل على الافعال في هذا العالم سوف يواجه فيما يواجه ظاهرة التزاحم والصراع بين الواجبات:

انقاذ النفس الانسانية من الموت المحتم قد يتعارض مع أداء واجب من الواجبات، قد يعارضه وفاء بوعد، أو تعمد الكذب... ثم قد تتعارض واجبات العقل المحض مع واجبات النظام العام التي تقررها الشرائع والاحكام...

لم يغفل "عمانوئيل كنت" وهو يصوغ بنود فقرات شريعته الاخلاقية عن ملاحظة الافعال وهي تتصارع وتتزاحم، لكنه لم يجد جواباً(166)، إذ ليس بوسع العقل المحض أن يضع سلماً لاولويات هذا التزاحم.

ليس في وسع العقل المجرد عن قيم المصلحة والنفع من وضع سُلم للترجيح بين الواجبات وهي تتصارع. نعم ليس بوسعه ذلك لسببين رئيسين:

 

الاوّل: ان مجرد ملاحظة هذا التزاحم وافتراضه يُخرج العقل عن قبليته وبداهته، ويضحى عقلاً بعدياً، قد اتخذ من معطيات الواقع التجريبي أساساً لاحكامه.

 

الثاني: ان سلّم الترجيح بين الواجبات يقتضي ملاحظتها في اطار ملابساتها أو تجاوز ملاحظة ذات الفعل، وحينما تلاحظ الافعال في اطار ملابساتها فمن المحتم أن تتدخل المصلحة والنفع في تقويم الافعال، وحينما يكون الامر كذلك فهذا يعني الاستعانة بالخبرات والتجارب، واخراج العقل وأحكامه من دائرة القبلية والبداهة.

* * *

إذن، ما هي جدوى العقل العملي المجرّد، ما دامت أحكامه ومعطياته عاجزة عن بناء شريعة للسلوك، وعن تحديد نظام للواجبات الاخلاقية؟

ان العقل البشري بما له من سلطان ـ اكتسبه بقوة الجماعة أو حدّ السيف والجِدَة ـ وضع شرائع للسلوك ونظماً للواجبات العملية، وطالما حوّرها وغيّرها على طول عمر البشرية الطويل. أجل، لا بد من ان تتغير لان قوانين الواقع متغير متحولة، تقدم الجديد في كل جيل من الخبرات والمعلومات، التي تغير اتجاهات العقل وقناعاته.

لكن العقل العملي المحض يبقى ـ رغم عدم شمول أحكامه لواقع المتغيرات ـ يضيء ما اعتمه الانسان في تقديراته الخاطله، يبقى بصيص نور هاد يوجه العقل الانساني والارادة الحرّة لتكتسب من فضائله أروعها "التواضع... في تقدير الحدود (حدود العقل)، وفي التعامل مع الاشياء، وفي الحياة مع بني الانسان".

ان اكتشاف محدودية العقل المجرّد في أحكامه وفي شمولها لواقع المتغيرات الهائلة التي تطرأ على الحياة الانسانية أداة مصيرية في اتجاه الانسان نحو منبع للتشريع، يحفظ ـ بما توفر عليه من قدرات ـ للواجب الاخلاقي حياةً على أرض الواقع، هذه الارض الوحلة، القادرة على تغييب الواجب الاخلاقي بمصالحها ومنافعها.

ان رؤيتنا للعقل العملي أفرزت كثيراً من النتائج على مستوى البحث في علم أصول الفقه. أوضحناها تفصيلاً في دراستنا، عبر الوقوف على فقرات البحث الاصولي. وقد انطلقت جلّها من نقطة رئيسية اكتشفها وتبناها درسنا للعقل العملي وهي:

ان ما يصح أخذه عقلياً من الاحكام العملية هو تلك الاحكام التي لا تهبط بالعقل من عالمه المحض إلى عالم الخبرة والممارسة، وما يراد من الشريعة تحديده انما هو السلوك في عالم الخبرة والممارسة. فالعقل المحض يكتشف أو يقرّر "الحقيقة" اما "الشريعة" فهي تتّجه نحو تحديد أحكام الافعال في عالم الخارج; لكي تحفظ شريعتنا ـ ما وسعها الحفظ ـ لاحكام الحقيقة حياتها على أرض الواقع المتلاطم المتعارض.

ومن هنا نقول: ان سُلّم الترجيح بين الواجبات الاخلاقية لايتاح تحديده إلاّ لشريعة تصوغ أحكامها لنظام الواقع العملي، وما هي الشريعة التي تستطيع ان تقدر هذا السلم حقّ تقديره، وما هو العقل التشريعي الذي يستطيع ان يتعالى على المصلحة وعلى المتغيرات المذهلة في عالم الخارج، فيحدّد هذا السلم على أساس نزيه، يحفظ للواجبات الاخلاقية حياة على أرض الواقع وفي سلوك الناس؟

لقد لاحظت في دراستي لاستخدامات العقل العملي في علم أصول الفقه: ان اغفال التمييز بين عالم العقل المحض وأحكامه، وبين عالم الفعل والممارسة الانسانية وأحكامه، أدّى إلى كثير من التشويش، واصطنع هذا الخلط المصطنع بطبيعته خلافات لا تنتهي. فقد أوحى الخلط بين عالمي الاحكام العملية لكثير من الباحثين انهم يمتلكون ناصية العقل البدهي بوضوحه، فتمسكوا بنتائج ابحاثهم المتلابسة تمسك الواثق المطمئن.

ان الخلط والالتباس بين أحكام العقل العملي المحض والعقل العملي المشوب بالخبرة قضى على ايجاد مرجعية صالحة ـ من وجهة نظر البحث العلمي ـ يتحاكم لديها المختلفون أو يرجع إليها مَنْ يبتغي تقويم نتائجه. إذ بقيت قواعد العقل الاولي الموهومة (فهي قواعد العقل البعدي في كثير من الاحيان) مرجعاً للخلاف، وليس لها منبع سوى الوجدان الذاتي للباحثين، الذي يتفاوت لدى أبناء الانسان، ويختلف سعة ووضوحاً تبعاً لتركيب عقل الباحث وسياقه الروحي والتربوي.

ان الاختلاف المتتالي في تقويم أحكام العقل العملي نشأ أساساً من عدم التمييز بين الحكم القبلي العملي والحكم العملي البعدي. نعم لقد لاحظنا في درس الاسس العقلية للبحث في علم أصول الفقه هذا الاختلاف المثير والغريب، وتوقفنا عنده كشاهد على فقدان استخدام العقل العملي في علم اصول الفقه لرؤية التمييز بين عالمي الاحكام العملية. هذه الرؤية التي افقدته إياها دراسات سلفه وملهمه العقلي الاوّل، أعني الدراسات الكلامية، التي منيت بدورها بهذا الاشكال، الذي انسحب على مجالات كثيرة من البحث في علم الكلام، وكان أساساً للكثير من الخلاف والجدل المتواصل في زوايا هذا العلم العتيد.

ان آثار درس العقل العملي وتحديد هوية أحكامه لا تقف عند حدود القواعد المحرّرة في علم أصول الفقه. بل يفرز هذا الدرس آثاره بوضوح على فهم الفكر والعقيدة والشريعة الاسلاميّة.