العقل العلمي في درس

 

"الاجتهاد والتقليد"

 

مدخل البحث

هذا البحث دراسة لدور الحكمة العملية في باب من أبواب التشريع والفقه، لدى الشيعة الامامية، والباب الذي وقع الاختيار عليه "باب الاجتهاد والتقليد" اكتسب أهمية كبيرة في ضوء تطورات البحث في مدرسة الفقه الجعفري، هذه التطورات التي لم تكن بمعزل عن مستجدات الاسئلة التي طُرحت على فقه هذه المدرسة في ضوء المطالب العملية المتغيرة لحياة المسلمين الشيعة.

وقد انصب اهتمامنا على الفترة المعاصرة، حيث تجلى فيها دور الحكمة العملية والعقل عامة. وهي فترة الانتصار الكاسح لتيار المدرسة الاصولية على الخصم التقليدي (المدرسة الاخبارية). لقد تأرجح مستوى توظيف الحكمة العملية في أبحاث الفقه وأصوله منذ عصر التدوين، حتى القرن الثالث عشر الهجري، حيث محاولة تقنين استخدام الحكمة العملية، وتوسيع دائرة استخدامها، هذه المحاولة التي بدت ملامحها واضحة في فكر الشيخ الانصاري.

ورث الانصاري تراث مدرسة الوحيد البهبهاني، وتفاصيل الجدل بين مدرسة العقل ومدرسة نقد العقل وحسره عن ميدان الفقه وأصول استنباطه وقد كانت مهمته ارساء دعائم مدرسة العقل الاصولية وتحكيم بناها وأسسها، التي تبلورت في أبحاثه وأبحاث الجيلين اللاحقين من تلامذته. فمنذ عصر الشيخ الانصاري، (الذي يعده أغلب الباحثين الفصل الاخير من فصول المعرفة الفقهية والاصولية في تاريخ الفقه الجعفري) بدأت تتركز عمليات الاستخدام المنظم والواسع للحكمة العملية في ميدان التشريع وأصول استنباطه.

وكان خيار الانصاري في الحكمة العملية هو الخيار الذي كتبت له السيادة في أوساط فقهاء المدرسة الامامية، حيث تبنى اتجاه مدرسة العقل الكلامية في الحكمة العملية تبعاً لاتجاه أستاذه الحكيم السبزواري وخلافاً لجل الحكماء.

واعتقادي أن هذا الاتجاه الذي لا يزال هو الاتجاه السائد خضع إلى تحليل نقدي أساسي في أبحاث أستاذنا الصدر، رغم أن السيد الصدر لم يتجاوز هذا الاتجاه، بل تبناه في أسسه ومنطلقاته، وهذا أمر تستطيع أن تلمسه بوضوح في أبحاث الصدر الاصولية.

وقد سار بنا التحقيق في أصول الاستنباط الفقهي إلى محاولة اكتشاف المنطلقات العقلية لهذه الاصول، فاكتشفت في الخطوات الاولى أولوية البحث في الحكمة العملية، كمنطلق اساسي اعتمده البحث الاصولي الحديث في أصول الفقه الجعفري. ثم أنجزت دراسة العقل العملي ودوره في علم أصول الفقه عبر مرحلتين. خلصت في المرحلة الاولى إلى ضرورة درس محايد وفلسفي للعقل العملي، حيث افضى هذا الدرس إلى تبلور رؤية واتجاه في أفق الباحث عبر دراسة نقدية في الجزء الاوّل من دراستي الموسومة (الاسس العقلية)، واتجهت في المرحلة الثانية إلى دراسة مدرسة العقل الكلامية في أضواء متنوعة، خلال الجزء الثاني من دراستي (الاسس العقلية) التي انتهت برسم معالم الاتجاه الذي يتبناه البحث.

لقد بدأت في دراسة الحكمة العملية بحقل من حقولها التطبيقية، وهو حقل توظيفاتها في علم أصول الفقه، فنقلني ما لمسته من التباس في ميدان التطبيق الاصولي إلى ضرورة الفحص المحايد لمعطيات العقل العملي، حيث النقد العقلي القائم على أساس التأمل المستقل والمجرد من التوظيف والاستخدام، ثم عدت في المرحلة الثانية من البحث إلى رؤية الحكمة العملية في ضوء تطبيقاتها في علم الكلام، هذه التطبيقات التي شكلت المنطلق لرؤية واتجاه المتكلمين، والتي كانت الرافد الرئيسي لفكر المدرسة الاصولية الحديثة.

وأخيراً عدت إلى صياغة الموقف من العقل العملي في ضوء معايير التأمل العقلي الخالص، وفي ضوء معطيات الاستخدامات المتنوعة لاحكام هذا العقل.

اذن لم تكن بدايتي مع الحكمة العملية (هذا الحقل المتعالي من الفلسفة والتأمل العقلي الرفيع) بدافع الدرس الفلسفي المجرد. بل ابتدأت معها حينما وجدتها ركيزة يعمدها البحث في أصول الاستنباط الفقهي ويستخدمها كاداة لتشييد قواعده. ولم يأسرني الاستخدام والتوظيف في لجام النظرة الاداتية للحكمة العملية، فيوصد باب التأمل أمام البحث، بل انطلقت متأملاً في عقل هذه الحكمة، مستبصراً إياه في ضوء نصال النقد العقلي الخالص، دون أن أكون بعيداً عن واقع هذا العقل ودوره العملي التطبيقي.

على أي حال لا أجد فاصلاً حاسماً بين مجال التأمل العقلي الفلسفي في الحكمة العملية ومجال التطبيق واستخدام الحكمة العملية فيما يُتاح لها من حقول معرفية. نعم يمكنني التمييز النظري بين المجالين، إذ يتركز المجال الاوّل في الفحص النقدي لمعطيات العقل انطلاقاً من معايير المنطق والفلسفة، فتحدد هوية أحكامه ومستوياتها وما يعود منها للعقل محضاً وما لا يعود، أما المجال الاخر فهو درس ميداني لاستخدام وتوظيف أحكام العقل بعد الفراغ في مرحلة سابقة من نقدها وتحديد هويتها.

ولكن هل يُتاح حقاً أن تفحص معطيات العقل العملي بشكل تجريدي خالص، دون أن يتأثر الفاحص بما يرفده الواقع العملي لاستخدامات هذا العقل الذي هو عملي بدوره؟ هل يمكن قراءة ونقد العقل العملي بعيداً عن التطبيق الميداني لاحكام هذا العقل؟ ثم هل يمكن الخروج بتقويم واضح لقيمة وصحة تطبيقات الحكمة العملية في ميادين المعرفة المختلفة، دون اعتماد نتائج الموقف في نقد ودراسة العقل العملي؟

مهما يكن الموقف من الاجابة على الاسئلة المتقدمة فلا أظن أننا سنختلف حول الحقيقة التالية وهي: أن النظريات التي يُتاح لها السبيل في عالم التطبيق هي أكثر النظريات حظاً في إمكانية قياس جدواها وسلامتها، ثم اختبارها ونقدها.

فالنظرية العقلية حينما تركب سبيل التطبيق وتستخدم في أي حقل من حقول المعرفة تفتح باباً واسعاً لاختبارها والتحقق من انسجامها.

وفي ميدان الحكمة العملية نلاحظ أن نظرية العقل (التي ولدت في أحضان علم الكلام الاسلامي أخذت طريقها إلى التطبيق في أبحاث المعرفة الكلامية). وردت حقل التطبيق في أصول الاستنباط الفقهي وفي أبحاث الفقه بشكل سافر وواسع في العصر الاخير من عصور الفقه الامامي، حيث انتصر الاتجاه السائد بين فقهاء هذه المدرسة لنظرية العقل الكلامية في مجال الحكمة العملية، وتسلح بها في تحديد مناهج الاستنباط الفقهي، وفي عملية الاستنباط الفقهي ذاتها. ومن ثمّ حظيت نظرية العقل الكلامية بأفضل الفرص لقياس جدواها وسلامة مبناها، من خلال مطالعة وفحص فعلها في عالم التطبيق. وهذا وجه لتأثير نمو الفقه وأصوله على نضج الدرس العقلي.

لكن هناك وجهاً آخر لتأثير نضج الدرس العقلي على نمو الفقه والمعرفة الاصولية، من خلال نقد العقل وفحص معطياته الداخلية.

أن الموقف العقلي للفقيه ـ سواء أكان منتصراً للنظرية العقلية متحمساً للعقل والحكمة، أم كان سلبياً منها ـ يشكل جزءاً لا ينفك من شخصية الفقيه، وهو يمارس عملية اكتشاف الاحكام وتحديد المواقف العملية في ضوء صناعة الفقه من الوقائع.

ومن ثمّ يضحي تمحيص الموقف العقلي ونقد العقل لدى الفقيه نقداً وتمحيصاً لعملية الاكتشاف والاستنباط الفقهي ذاتها.

خذ أي فقيه اخباري تجد ان سلبيته من العقل واستخداماته في ميدان الفقه وقواعد استنباطه تنطلق من موقف عقلي، على اختلاف مستويات الحجج والمسوغات التي تعتمد أساساً لاختيار هذا الموقف.

ونلاحظ أن أعلى مستوى الحجاج والنقد العقلي مارسه المؤسس الاخباري (الامين الاستر آبادي). فقد انتهى المؤسس الاخباري إلى رؤاه ونظرياته استناداً إلى نقد عقلي للمعرفة الانسانية وأدواتها في أطار رؤية نقدية شاملة للعقل.

وفي ضوء الرؤى والنظريات العقلية المختلفة تتنوع المواقف الفقهية، بل تقاس سلامة الموقف الفقهي في ضوء الرؤية العقلية التي يصوبها الفقيه. ومن ثم يتضح أننا كلما أغنينا رؤيتنا العقلية بالنقد، وكلما أقتربنا من أسلوب استخدامها الامثل، وفرنا للموقف الفقهي أكبر درجة من السلامة والاقتراب إلى واقعه المطلوب.

إذن يتم نقد الرؤية العقلية على مستويين، مستوى العقل ومعطياته وأحكامه، ومستوى تطبيق هذه الاحكام وتوظيف هذه المعطيات. يتداخل المستويان، ويؤثر كل واحد منهما في الاخر، دون أن يعني هذا التداخل المعرفي، أنهما مترتبان حتماً، أي لا بد من استخدام القاعدة العقلية، التي تم اختيارها على مستوى نقد العقل فيما نشاء من مواضع الاستخدام. إذ سلامة القاعدة العقلية لا يعني سلامة توظيفها، بل لا بد من رعاية انسجام الموضوع التطبيقي مع طبيعة القاعدة. فأدق القواعد العقلية الاستنباطية يُساء استخدامها، حينما لا يتحدد فضاءها النموذجي، وقد تكون القاعدة عقلية مستنبطة استنباطاً منطقياً، لكنها لا تصلح للتوظيف في ميدان الفقه أو الاقتصاد أو غيرهما من ميادين المعرفة والحياة.

إلاّ أن اتجاهات الحكمة ومناهج العقل ومذاهب نقد المعرفة الانسانية كائنات يدخل النمو والتطور في صميمها، فليست هي مبادئ العقل الثابتة ثبوتاً أزلياً أبدياً، أنما هي رؤيً وفنون يخلص إليها بنو البشر في ضوء رشد العقل الانساني المتواصل وفي ضوء نمو المعرفة الانسانية المستمر، ومن ثمَّ فهي نامية باستمرار، تصبو إلى الرشد والتمام. وهذه الاتجاهات والمذاهب ليست جوهر الدين ورسالات النبيين، أنما هي محاولات الانسان وأدواته لفهم جوهر الرسالات والمضمون الحقيقي للاديان. هذا الفهم الذي لم يتوقف على منهج ومذهب معرفي واحد موحد، ولم يستطع أي من مذاهب الحكمة العتيدة احتكاره. ومن هنا تصبح الحاجة إلى نقد العقل متجددة مستمرة. وهنا يكمن السر في فتح باب الاجتهاد.

على كل حال، نحن بين يدي بحث يعالج الحكمة العملية بالنقد والتحليل، لكنه نقد من زاوية تطبيقية، والفقه والتشريع ميدان التطبيق ـ كما اشرت ـ وفي باب الاجتهاد والتقليد على وجه الخصوص. ومن هنا يتيح هذا البحث لنا فرصة امتحان اتجاهات الحكمة العملية، وعلى التحديد اتجاه مدرسة العقل الكلامية، هذا الاتجاه الذي يبني على أساسه معظم المتأخرين من فقهاء الامامية، كما يوفر للبحث امكانية اعادة النظر وتجديد نقد الاتجاه الذي تبناه الباحث في دراسات سابقة. لنرى في ضوء جدل التطبيق المسار السليم الذي يتحدد في أفق النظرية، أي نظرية الحكمة العملية ونقد العقل العملي.

سوف نمضي في درسنا مع فقه الاجتهاد والتقليد لدى المتأخرين، لنميط اللثام عن الاسس العقلية العملية التي اعتمدها الاعلام في تحديد مواقفهم الفقهية. لنرى سلامة استخدام هذه الاسس وتوظيفها في هذا المجال انطلاقاً من اتجاه مدرسة العقل الكلامية ذاتها، ثم قياس سلامة اتجاه مدرسة العقل وسلامة توظيف قواعد الحكمة العملية في ضوء الاتجاه المختار. وعندئذ يتاح لنا:

 

اولاً: رؤية قواعد مدرسة العقل الكلامية، وهي توظف فيما اُريد لها أن تستخدم فيه من ميادين. وهنا ينبغي أن نشير إلى:

أن قواعد مدرسة العقل الكلامية اُنتجت في فضاء الجدل الاسلامي الكلامي، الذي تأسس على هدي ابحاث الالهيات، وما أُثير حولها من اشكاليات. ولم يكن النص والتشريع غائباً عن عاقلة المتكلمين التي مارست تأسيس هذه القواعد، بل كان النص وفقه التشريع مؤثراً لدى جميع فرقاء الجدل الكلامي، حتى أولئك الذين أرادوا للعقل أن يكون المرجعية والحكم.

فالنص والتشريع قصدا من قبل المؤسسين ليكون العقل أطاراً حاكماً عليهما أو مرجعية تستخدم في فهم النص وتحديد قواعد التشريع.

 

ثانياً: عبر رؤية هذه القواعد وهي مرجعية استنباط الاحكام سوف نتوفر على فرصة قياس انسجامها وصحتها في ضوء انسجام وترابط الاحكام المترتبة عليها.

 

ثالثاً: سنختبر ما كررنا ادعائه من قواعد ورؤى في مجال الحكمة العملية، عبر التطبيق، الذي ندعي له حكماً، ضمن مجموعة الاحكام، التي انتهينا إليها خلال درسنا للعقل العملي.

إذن سوف يكون لهذا البحث التطبيقي أثر مبارك على نمو أبحاث الحكمة العملية، التي تعني في جوهرها الحكمة الاخلاقية وفلسفة السلوك والعمل. هذه الحكمة التي هي سر الديانات ومطلب الشعوب على امتداد العمر المديد للانسانية، والتي هي المطلب الملح للانسانية في عصرها الراهن.

وسوف يكون لهذا البحث دور في اعادة النظر في العلاقة بين التشريع والاخلاق، بين الحكمة العملية والفقه. وبهذا تعود الحيوية لاقامة التشريع على قواعده، ومرجعيته، وأهدافه، التي هي "الاخلاق" في جوهرها. مضافاً إلى الاثر الكبير الذي يتركه هذا البحث على نمو الدرس الفقهي عبر أثارة الجدل في دائرة التأسيس.

أن أثارة البحث حول الاسس والقواعد التي يعتمدها الفقه أمر لا مناص منه للفقيه الحق، الذي يحمل وسام الاجتهاد. إذ لا يتسنى الاجتهاد ما لم تكن الاسس والمنطلقات اجتهادية قائمة على أساس قناعة الفقيه التصديقية بما يختار وبما يؤسس عليه من قواعد. وإلاّ أضحى البناء تقليدياً، ما دامت الاسس والقواعد مصادرات يتبناه الباحث تسليماً وتقليداً. وهل تتوفر القناعة التصديقية الحقة بفكرة من الافكار ما لم يثار البحث في ارجاءها؟

ثم هناك قضية حيوية في هذا المجال ترتبط بعامة البحث وأثارة الحوار في دائرة "التأسيس". وهي تتلازم مع اشكاليات حيوية في عالم الفكر المعاصر، نظير ما يدعى بصراع الحضارات أو حوار الحضارات، ونظير ما يسمى بحوار الاديان أو التقريب بين المذاهب، ونظير ما يُسمى بالممانعة والحصانة أمام الغزو الثقافي. وأود أن أقف وقفة عاجلة هنا عنده هذه القضية، عاجلة لكي لا نخرج عن سياق البحث، آملاً التوفر على فرصة مناسبة لدراسة هذه القضية باشكالياتها المتنوعة في القريب العاجل إنشاء الله.

اذهب إلى القول: أن أثارة الحوار حول "الاسس" ومطالبة رواد الاصالة والمعاصرة بتأسيس رؤاهم هي السبيل السليم لبناء الاجتهاد وانتاج الابداع والمسوغ لمشروع النهضة والهوية.

 

يشفع لي في اختيار هذا المذهب:

أ ـ لا أجد في المواقف السلبية من الفكر والثقافات الوافدة وقاية واحترازاً، وهذه حقيقة، واضحة خلال مراجعة عاجلة لتاريخ الافكار وجدلها. فهل استطاعت المواقف السلبية حجب الماركسية، وهل استطاعت الممانعة الحؤل دون تسويق العولمة وغيرها من أفكار الحداثة.

أن تيارات الفكر الوافد سخرت عقولاً ذات منابر وادعاءت عريضه. لكن هذه العقول المسخرة كان لا بد لها وفق قانون "التكيّف مع المحيط" ان تقتطع من تيارات الفكر الوافد اتجاهات وأفكاراً، وتوظفها في خطاباتها ومحرراتها، التي تجاوزت الثقافة العامة، ودخلت حتى لاستنباطات بعض المهتمين بشأن الفقه.

ب ـ أن استخدام مناهج الغرب ورؤاه (حتى إذا آمنا بسلامة هذه المناهج والرؤى) استخداماً اقتطاعياً يعرقل نمو المعرفة في عالم المستخدمين. إن لم يجعل هذا النمو ضرباً من ضروب الخيال. خذ على سبيل المثال "فقه المرأة" أو "فقه الجنس" أو "القراءة الهرمونتيكية للنصوص"، تلاحظ أن خطباء الفقه حاولوا التقاط بعض معايير ثقافة الغرب بشأن المرأة والجنس ليسجلوا مواقفهم الفقهية انسجاماً مع هذه المعايير، غافلين عن أن جل مخاطبيهم لا زالوا أقرب للبدواة من المدنية، وغافلين عن الممارسات المتعارضة مع مبادئ العدالة والقانون، التي تشكل جزءاً من أزمة المرأة والجنس في مجتمعاتنا!

أن أزمة المرأة والجنس يجب أن تقرا في سياقها التاريخي الاجتماعي، قراءة متكاملة، ليكون الحل مؤسساً متكاملاً، أما الترقيع فهو حظ الذين يريدون لشعوبهم أن تحتفظ بلباسها البالي.

وخذ صيحات التأويلية "الهرمونتيك"، وقبلها البنائية، وغيرها من مناهج، اختار بعض قرائها تحميلها المقتطع على عقل وفكر إنسان عالمنا. غافلين عن المنطلقات والاسس العقلية التي أفضت إلى طرح هذه المناهج والنظريات. فلا هم بمنأى عن تشويش النخب الثقافية واشغالها. ولا هم بحافظي حرمة أفكار ونظريات العقول، التي يجب حفظ حرمتها، وأن اختلفنا معها.

أنا لا أريد هنا إدانة اتجاه أو نظرية محددة أو قبولها، أنما أؤكد على أدانة منهج الالتقاط في عالم الفكر والثقافة، على حد ادانة منهج التقليد والمحاكاة لمعطيات فكر السلف. واطالب باثارة الجدل في أسس الافكار، سواء أكانت أفكاراً مطروحة في أرض الاجنبي أم كانت أفكاراً طرحها السلف من حكمائنا ومفكرينا. فقراءة الاسس قراءة باحث عن الحقيقة هي التي تؤهل الامم لتحكم قواعد بناءها في جدل الفكر والثقافة المعاصرين.

أجل، دون الدرس المؤسس لا يستطيع دعاة الاصالة أن يكونوا طرفاً في صراع الفكر المعاصر، ولا يفلح الالتقاطيون المتكيفون مع المحيط إلاّ بفتح دكاكين يُعلن اغلاقها عاجلاً أم آجلاً. فدعاة الاصالة دون أن يتفهموا أسس ما يؤصلونه ويعدونه الحق، ودون أن يتفهموا أسس ما يخالفون من مناهج وأفكار، لا يحفظون لاصالتهم حرمتها، ولا يمكن أن يكونوا إلاّ طرفاً خاسراً في حوار الثقافات وصراع الافكار. والالتقاطيون هم الاخسر أخلاقياً لان الفكر والثقافة والمعرفة تقوم لديهم على أساس المنفعة والمصلحة، لا على أساس مبادئ الحق ومعايير الصدق. وبهذا يسيئون لامتهم، على حد اساءتهم للسليم والمفيد من أفكار وثقافات الاخرين.

أن ما ينتج لدى الاخرين من أفكار وثقافات ليس محكوماً بالبطلان المطلق، ولا هو المحكوم بالصدق المطلق حتى لدى منتجيه، ومن ثمّ لا محيص من التفاعل المؤسس مع معطيات تلك الثقافات والافكار، أي التفاعل معها عبر قراءتها في أسسها ومنطلقاتها المعرفية قراءة نقدية بصيرة. وعندئذ نستطيع أن نتعرف على ما هو حق نافع في هذه الافكار والثقافات، ونتعرف على طريق اعادة انتاجه في سياق فكرنا وثقافتنا، التي تتطلب بدورها مراجعة نقدية موضوعية، فيقام ما يقام من بناء ومواقف على أسس مدروسة، منسجمة السياق.

وإذا عدنا إلى سياق بحثنا القائم "دور العقل العملي في الاجتهاد والتقليد" فاننا نحاول قراءة الفقه في ضوء أسسه، التي يقوم عليها، ولم يأت درسنا للفقه من خارج العملية الفقهية ذاتها، بل نقبل على البحث بأدوات الفقه المعهودة. ومن هنا سوف يكون بحثنا مفيداً لاولئك الذي يعرفون لغة الفقه ووسائله. بل الذي يفهمون صناعة الفقه وأساليب الاستدلال الفقهي الحديثة في المدرسة الامامية.

وسأعتمد أساساً أشهر متن فقهي دارت حوله بحوث أعلام الفقه المعاصر، وهو كتاب "العروة الوثقى" للسيد محمد كاظم اليزدي الطباطبائي(رحمه الله).

أن أهم النتائج التي تأكدت منها عبر تمحيص دور العقل العملي في بحوث الاجتهاد والتقليد، ومن ثم في عامة البحث الفقهي هي:

أن فهم الفقه يبقى فهماً سطحياً، أبعد ما يكون عن روح الاجتهاد، دون التوغل في فهم أسسه ومنطلقاته، ودون أشباعها بالنقد والتحقيق. وأن غنى الفقه ومنعته أمام التحديات رهن اماطة اللثام عن الاسس والمنطلقات التي يعتمدها، وتقويم أوتادها وتدعيم بنائها، واعادة صياغتها وصقلها، في عملية دائمة مستمرة.

 

الاجتهاد والتقليد

نبدأ من المسألة الاولى في العروة الوثقى، حيث يقرر المرحوم السيد الطباطبائي:

مسألة (1) ـ يجب على كل مكلف في عباداته ومعاملاته أن يكون مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً.

أفتى المصنف بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط على كل مكلف في ما يقوم به من عبادات ومعاملات. وهنا نطرح الاستفهام التالي:

ما هو أساس هذا الوجوب؟ هل هو وجوب شرعي أم هو وجوب عقلي؟ استقر الرأي لدى متأخري فقهاء الطائفة على أن هذا الوجوب مدرك عقلي، أي أن العقل يحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط على المكلف.

هكذا ساقوا حكم هذه البدائل الثلاثة، ثم عكفوا في مرحلة لاحقة على دراسة حكم كل واحد منها بشكل مستقل. بحثوا في مشروعية الاجتهاد وأحكامه، وفي جواز التقليد ومشروعيته من حيث الاساس، وفي مشروعية الاحتياط وانسجامه مع طبيعة التشريع ومراميه.

وكان الانسب والصحيح منهجياً أن يتناول البحث معالجة الاشكاليات الاخيرة، ثم في ضوء هذه المعالجة يتم البحث حول وظيفة المكلف وماذا ينبغي أن يفعل.

على أي حال نحاول هنا تمحيص مذهب المتأخرين في وسم وجوب هذه البدائل بانه وجوب عقلي.

 

قوة الالزام والحجية

أن أحكام العقل التي يُفترض لها الصدق أو قوة الالزام لا بد أن تكون أحكاماً مطلقة، يدركها العقل بعيداً عن ملابسات عالم الخارج، أي أن معطيات ما بعد العقل لا يجوز أن تكون أساساً تصديقياً لادراك العقل أحكامه التي يفترض أن تكون مطلقة متعالية على ملابسات العالم الخارجي. والسؤال المطروح هنا: هل الحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد لا يرتبط ولا يتوقف على مجموعة سمات ومعطيات تفقده أي تفقد الحكم قوة الالزام المفترضة؟

قبل إيضاح هذا الموضوع علينا أن نستوضح مفهوم الصدق وقوة الالزام في أحكام العقل. نحن نعرف أن أحكام العقل تتنوع إلى أحكام نظرية وأخرى عملية. ومن الواضح أن الاحكام النظرية لا تتضمن أي الزام، إنما هي قضايا اخبارية ترتبط قيمتها بصدقها. والبحث في قيمة هذه القضايا ونظرية الصدق يُطلب من المنطق ونظرية المعرفة في الدراسات الفلسفية.

أما الاحكام العملية فهي في جوهرها تنشئ الزامات عملية ولا تحكي أو تخبر عن واقع آخر خلف هذه الالزامات، ومن ثمّ فهي خارجة عن أطار نظرية الصدق.

لكن هناك اتجاهاً لدى مدرسة العقل الكلامية يؤكد على أن العقل ليس حاكماً، بل ليس له سوى الادراك والكشف، ومن ثمّ تكون مدركات العقل العملي كاشفة عن واقع يقف خلف العقل.

ولو سلمنا سلامة هذا الاتجاه تبقى مدركات العقل العملي كاشفة عن واقع انشائي لا يصح وسمه بالصدق أو الكذب، رغم صدق أو كذب هذه المدركات. أي من الممكن أن نناقش في صدق مدركات العقل العملي، وهل العقل كاشف عن قبح الكذب وحسن رد الامانة أم لا؟ ولكن جملة "الكذب لا ينبغي" ـ رغم تسليمنا بكونها متقررة في واقع خلف الذهن ـ تبقى جملة انشائية لا يصح أن توصف بالصدق أو الكذب.

إذن فلهذه الاحكام العملية قوة الزام، والسؤال الذي ينبغي طرحه في هذه المرحلة من البحث هو: من أين تنشأ هذه القوة، مَنْ الذي يُلزم بهذه الاحكام؟ إذا توخينا الاجابة على هذه الاشكالية في ضوء (مدرسة الاعتبار)، التي تذهب إلى أن الاحكام العملية تنبعث من الاتفاق العام والاعتبار والمواضعة الاجتماعية فسوف تكون قوة الالزام اعتبارية، تخضع لمقاييس المصلحة والمفسدة، التي تفقد هذه الاحكام ثباتها ودوامها. بل سوف تكون الاحكام العملية مذهباً في الفضيلة ـ على حد تعبير كنت ـ أي شريعة أخلاقية تتضمن في جوهرها نظام فتاوى تحدد أحكام السلوك والمواقف العملية على أرض الواقع العملي لحياة الانسان. لوضوح أن الاعتبارات الاجتماعية لا تنظر إلى الافعال بذاتها، وإنما تنظر إلى الافعال في ملابساتها، وبلغة علماء أصول الفقه سوف تكون بناءات عقلائية.

لكن المهم أن نتابع الاجابة على الاستفهام المتقدم في ضوء مدرسة العقل. هذه المدرسة التي تتنوع مواقفها على اتجاهين مختلفين في تفسير طبيعة "الحاكم" في مدركات العقل العملي; إذ هناك اتجاه تبلور في أطار مدرسة العقل الكلامية يقرر أن الاحكام العملية أحكام ثابتة في لوح الواقع، والعقل الانساني يدرك هذه الاحكام ويكتشفها، وعلى هذا الاساس تكون مهمة العقل الكشف لا الحكم (وتحديد طبيعة العلاقة بين ]العقل كاشف لا حاكم[ وبين ثبوت أحكام العقل العملي ثبوتاً واقعياً خلف العقل في عالم ثالث بحث يستحق أن نقف عنده في محله المناسب).

وهناك اتجاه آخر في مدرسة العقل، ليس محرراً بوضوح لدى مدرسة العقل الكلامية، إنما هو اتجاه منصوص عليه ومحدد المعالم لدى فيلسوف النقدية الحديثة، "عمانوئيل كنت"; حيث يقرر أن العقل هو الذي يحكم ويحمّل الارادة فكرة الواجب الاخلاقي. أي أنْ ما ينبغي وما لا ينبغي فعله أحكام العقل المحض، وليس هناك عالم ثالث تتقرر فيه هذه الاحكام. ويرتبط هذا الاتجاه لدى كنت بمجمل نظامه المعرفي واتجاهه في تفسير المعرفة الانسانية.

في ضوء هذين الاتجاهين العقليين نحاول معالجة الاشكالية المتقدمة: من أين تنشيء قوة الالزام لاحكام العقل العملي؟

حينما يكون العقل حاكماً ـ كما هو الحال لدى كنت ـ فسوف يحمّل الارادة مسؤولية امتثال وطاعة حكمه، ما دام حكماً عقلياً، ويتحول حكم العقل بما ينبغي وبما لا ينبغي إلى قيم عليا يستهدي بها الضمير الانساني في الحكم على السلوك العملي. إذن فقوة الالزام تصدر من العقل، ولكي تكون هذه القوة عقلية يجب أن تصدر من العقل الخالص غير المشوب بالاحكام غير العقلية، سواء أكانت غريزية ترتبط بالضرر والنفع واللذة والالم، أم كانت أحكاماً بعدية ترتبط بالمصحلة والمفسدة.

أما حينما يكون العقل كاشفاً ـ كما هو الحال لدى مدرسة العقل الكلامية ـ فالارادة تجد نفسها ملزمة أمام أحكام الواقع، ولا بد أن يكون هذا الواقع واقعاً قبلياً سابقاً للخبرة والتجربة. أي أن التصديق بحكم الواقع لا بد وأن يكون تصديقاً أولياً بديهياً.

ورغم اختلاف آلية الاتجاهين العقليين في تفسير أحكام العقل العملي، لكنهما يتفقان على أن الحكم العقلي لكي تكون له قوة الالزام المطلوبة لابد وأن يكون حكماً أولياً قبلياً لا يترتب ـ على الاقل ـ على معرفة تصديقية أخرى، خارج محيط أحكام العقل العملي.

إذا عدنا إلى موضوع بحثنا، وهو الحكم الذي اشتهر لدى متأخري فقهاء الطائفة، من أن الحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط حكم عقلي بملاك دفع الضرر أو وجوب امتثال أحكام المولى نجد:

 

اولاً: أن قاعدة وجوب دفع الضرر ووجوب الامتثال بذاتيهما

قاعدتان غير عقليتين، بل العقل، يحكم على خلاف القاعدة الاولى، أما القاعدة الثانية فهي قاعدة مستدلة، والبحث حول دليلة هذه القاعدة سيأتي في محله المناسب.

 

ثانياً: ثم كيف يستقل العقل بادراك وجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط؟ هل هذه البدائل ثابتة في عالم الواقع، أم أنها بدائل فرضتها ظروف محددة يعيشها المكلفون؟ وألا يتوقف الحكم بوجوب هذه البدائل على مشروعيتها وسلامتها أوّلاً؟ أن الحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط لا يتسنى للعقل أن يدركه بشكل أولي ولا يتوقف على وجوب طاعة الشارع المقدس (على فرض أن هذا الوجوب حكم عقلي أولي) فحسب، بل ما لم نخرج من دائرة العقل العملي، ونتوفر على مجموعة معارف تصديقية تدخل في أطار العقل النظري، بل تدخل في أطار معرفة التشريع الاسلامي، لا يمكننا الحكم بوجوب هذه البدائل. أجل فالحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط لا يتوقف على مجرد تصور مفهوم الاجتهاد والتقليد والاحتياط، لكي نقول أن توقف أحكام العقل العملي على تصور مواضيع عالم الخارج لا يُخرج هذه الاحكام من دائرة القبلية والبداهة، وإلاّ لخرجت كل الاحكام البديهية من دائرة البداهة، لوضوح توقف هذه الاحكام على تصور مواضيع عالم الخارج، التي تدخل في سدى ولحمه قضاياها وأحكامها.

 

ثالثاً: أذكّر بملاحظة على مبنى المشهور من حجية القطع الذاتي. فلو عمل المكلف واطاع الله على أساس اطمئنانه الشخصي وانطلاقاً من قناعته الشخصية التي لا تقوم على أساس الاجتهاد فهل يحكم أحد بأن هذا المكلف خرج عن حريم الطاعة ورسم العبودية؟

يحسن بنا هنا الوقوف على ما أفاده المحقق الشيخ محمد حسين الاصفهاني في رسالته (الاجتهاد والتقليد). والاصفهاني أحد أعلام مدرسة الاعتبار والمواضعة في تفسير أحكام العقل العملي. فبعد الاعتراض على أستاذه الاخوند الخراساني في مذهبه بأن جواز التقليد بديهي فطري جبلي، يقول: "فالذي يمكن أن يقال مع قطع النظر عن الادلة هو أن العقل ـ بعد ملاحظة ثبوت المبدأ وارسال الرسول وتشريع الشريعة وعدم كون العبد مهملاً ـ يذعن بأنَّ عدم التعرض لامتثال أوامر المولى ونواهيه خروج عن زي الرقيه ورسم العبودية، وهو ظلم، فيستحق به الذم والعقاب من قبل المولى، ثم أن كيفية امتثال أحكام المولى أما بتحصيل العلم بها كي يتمكن من الامتثال العلمي بالسماع من المعصوم أو بنحو آخر، وأما باتيان المحتملات بالموجب للقطع بامتثالها، ومع التنزل ـ لعدم التمكن من تحصيل العلم بها، أو بامتثالها لمكان العسر والحرج، أو عدم معرفة طريق الاحتياط ـ يذعن العقل بنصب طريق آخر في مقام فهم الاحكام وكيفية امتثالها، لئلا تلزم اللغوية ونقض الغرض من بقاء الاحكام وعدم نصب الطريق إليها، وهو منحصر في أمرين:

أما الاجتهاد وهو تحصيل الحجة على الحكم، أو الاستناد إلى من له الحجة على الحكم وهو التقليد"(167).

ويقول في موضوع آخر: "أن العقل يذعن بعد تلك المقدمات بنصب الطريق من الشارع، لما ذكرنا في محله من أن العاقلة لا شأن لها إلاّ التعقل لا البعث والزجر، وأن حكم العقل العملي مأخوذ من مبادئ مسلمة، أو قضايا مشهورة أطبقت عليها آراء العقلاء كحكمهم بمدح فاعل العدل وذم فاعل الظلم، فإنه مقدمة لحكم العقل العملي بأن الاوّل مما ينبغي أن يؤتى به وأن الثاني مما لا ينبغي، فما يذعن به العقل لا بد من انتهائه أما إلى العقلاء أو إلى الشارع"(168).

 

في ضوء هذين النصين نلاحظ:

اولاً: أن المحقق الاصفهاني يقرر أن حكم العقل يرجع إلى أحكام عقلائية أو شرعية. ومن الواضح أن أحكام العقلاء وسيرتهم تتطلب لكي تبلغ مرتبة الحجية موقفاً تشريعياً منها، وليست ملزمة الزام حكم العقل الاولي.

وهذا يعني أن ما يدّعيه الاصفهاني من حكم العقل في هذا المجال بل في عامة المجالات هو حكم في طول أحكام الشريعة. وهو يصرح بهذا حينما يبني اذعان العقل على أساس وبعد ملاحظة إثبات المرسل والرسول والرسالة والشريعة وتحمل المكلف مسؤولية تشريعية. ومن هنا حقّ لنا أن نتسائل عن معنى قوله في صدر النص الاوّل (فالذي يمكن أن يقال بعد قطع النظر عن الادلة أن العقل...)، إذ يوحي بأن العقل برأسه ـ كما هو الحال لدى عامة أنصار مدرسة العقل الكلامية ـ دليل مستقل بغض النظر عن الادلة التي جاءت بها الشريعة!

ثانياً: يقرر الاصفهاني أن العقل يذعن بأن اغفال امتثال أوامر المولى ظلم يستحق مرتكبه العقاب. وهنا ينبغي التنبيه إلى أن (استحقاق العقاب والثواب) مقولة خارجة عن دائرة مدركات العقل العملي. وأنما هو استحقاق تربوي تأديبي عقلائي، يدرك في طول أحكام الشرائع، وفي ضوء الاعتبار والمواضعة، على أساس البناء العقلائي أو النص التشريعي. وقد حفلت نصوص القرآن الكريم بطرح هذا الاستحقاق وعداً ووعيداً.

ثالثاً: يقرر أيضاً أن العقل ازاء امتثال تكاليف المولى بعد تعذر اليقين بالتكليف ومن ثم الامتثال عن علم تفصيلي وبعد تعذر الامتثال الاجمالي (الاحتياط) يذعن بان الله نصب وحدد طريقاً لامتثال تكاليفه ـ على أساس استحالة اللغوية ونقض الغرض ـ وهذا الطريق أما أن يكون الاجتهاد (تحصيل الحجة على الحكم الشرعي) أو تقليد من له الحجة.

 

على أساس هذا التقرير نسجل الملاحظات التالية:

أ ـ أن العقل الذي يقرر أن الله نصب طريقاً لا بد أن يكون عقلاً عملياً يفترض هذا النصب نصباً الزامياً، يتضمن وجوباً ومما ينبغي فعله، وإلاّ لا يمكن (في ضوء حكم العقل النظري بأن الله نصب طريقاً لمعرفة أحكامه) الافتاء بوجوب الاجتهاد أو التقليد.

واستحالة اللغوية ونقض الغرض لا تثبت أكثر من واقع نصب الطريق لا وجوب متابعة الطريق. لوضوح أن الضرورة العملية ليست مستنبطة من الضرورة الواقعية التكوينية.

ثم لماذا نحصر الطريق بالاجتهاد أو التقليد؟ أن حصر الطريق بالاجتهاد أو التقليد أنما يقرره العقل المزود بالخبرة التشريعية، هو عقل الفقهاء والمحققين الاصوليين. ولا أدري لِمَ أغفل هؤلاء الفحول الطريق العملي والعمل بالقطع ما دام العقل ـ كما ذهبوا ـ يعد القطع منجزاً ومعذراً من أي طريق أتى وكيف ما كان، ويستحيل رفع وجعل الحجية له، لم أغفلوا الحجّة الذاتية!

ب ـ أنّى للعقل من معرفة كيفية امتثال أحكام الشريعة؟ فالعقل المجرد القبلي وحتى العقلاء (حسب اتجاه الاصفهاني وعامة حكماء المسلمين، حيث يعنون اجماع عقلاء البشر) لا يملك سبيلاً للحكم وتحديد كيفية امتثال الشريعة بغض النظر عن الشريعة وأحكامها.

أن الفقيه بحاجة بغية أن يقرر وجوب البدائل الثلاثة (الاجتهاد، الاحتياط، التقليد) إلى البحث في جواز كل واحد منهاز وهذا ما حصل بالفعل في تاريخ الفقه، فهناك بحث في جواز الاجتهاد، وآخر في جواز الاحتياط، وثالث في جواز التقليد. وهذه البحوث لا تنفصل اطلاقاً عن طبيعة الشريعة الاسلاميّة وأحكامها، ولا تنفصل عن تاريخ التشريع والظروف والملابسات الموضوعية التي مرّ بها هذا التشريع، وليس في وسع العقل الاولي أن يتخذ بالبداهة موقفاً في هذا المجال، وحتى العقلاء، فكيف يتنسى لنا تحصيل اجماع عقلائي على طريقة امتثال أحكام شريعة لها خصوصياتها وأحكامها؟

لا أدري؟ كيف يستطيع العقل أن يستقل فيحكم بوجوب الاحتياط أو الاجتهاد أو التقليد، وهي أمور لا يتوقف تصورها على التصديق بوجود الشريعة والمشرع فحسب، بل يتوقف الحكم بوجوبها على مجموعة معارف تشريعية، لا يُتاح التصديق بها إلاّ في ضوء معرفة فقهية لا يتوفر عليها إلاّ دراسوا الفقه، أن لم نقل (المحققون منهم)؟!

المستقلات العقلية التي يُفترض لها قوة الالزام والحجية التي يتطلبها البحث في ضوء اتجاه مدرسة العقل الكلامية هي تلك الاحكام والتصديقات التي تتوفر على الاطلاق والعموم، وأنّى للحكم بوجوب الاجتهاد والتقليد والاحتياط من العموم والاطلاق، وهي حاجات مرحلية تاريخية تفرضها ظروف المكلفين وبعدهم عن عصر النص؟!

هل العقل مستقل وهو يحكم بوجوب كيفية معينة في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي؟ هل العقل مستقل في الحكم بوجوب الاجتهاد، والاجتهاد مقولة مشككة، وقد وقع البحث بين الفقهاء على طول تأريخ الاجتهاد في أصل مشروعيته، ثم في تحديد الشكل المشروع منه والطريقة المطابقة لمتطلبات الشريعة في امتثال أوامرها ونواهيها؟ هل العقل مستقل بوجوب الاجتهاد في القرن الرابع الهجري، بينا كان يحكم بحرمته في القرن الثالث أو الثاني؟ وهل هناك فقيه يرى معقولية الاحتياط المطروح في الرسالة العملية كطريقة لامتثال الحكم الشرعي في عصر النبوة أو عصر الصادق(عليه السلام)؟

نعم العقل الذي يصدق بهذه الاحكام وينتهي إليها هو العقل المزود بالخبرة التشريعية، العقل الفقهي لا العقل العملي الذي يدرك أحكام لوح الواقع الثابتة ثبوتاً أزلياً، والتي يفترض أن تدركها كل العقول السوية. إذ لا يتسنى لهذا الاخير أن يدرك حقائق تثبت ثبوتاً مرحلياً وتفرضها حاجات تاريخية زمنية. العقل المرتبط بالخبرة التشريعية وتاريخ حاجات البشر هو الذي يدرك أو يحكم بتحديد طريقة امتثال الحكم الشرعي، لا العقل المستقل، الذي نتوخى منه مستقلات عقلية لا حاجة بها لقناعات تشريعية، ولا ترتهن بمعرفة تاريخية زمنية.

وهنا نستعجل الاشارة إلى بعض الفروع المطروحة لاحقاً في مسائل الاجتهاد والتقليد، بغية أن تتضح رؤيتنا للاساس الذي ثبتناه فيما تقدم من بحث. تلاحظ في المسألة (6) من العروة الوثقى أن الفقهاء يفتون بعدم الحاجة إلى التقليد فيما هو ضروري كوجوب الصلاة والصوم وفيما هو يقيني، وبغض النظر عن الخلل في تنويع الاحكام إلى ضرورية ويقينية فإن استثناء بعض الموارد من الحكم بوجوب التقليد يعني أن هذا الحكم يأتي في طول الشريعة وملابساتها الخارجية وظروف فهم المكلفين لها.

ويفتون في فرع آخر ببطلان عمل العامي بلا تقليد أو احتياط، الاحتياط الذي ينيطون جوازه بمعرفة موارد الاحتياط وكيفيته. ويريدون من بطلان عمل العامي بطلانه في حال عدم مطابقته للواقع أو مطابقته لفتوى من يجب عليه الرجوع إليه من المجتهدين. ومن الواضح أن هذا الموقف يفضي إلى توسعه دائرة الحكم العقلي المزعوم في وجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط على كل مكلف.

ثم لو أخذنا التقليد ذاته نجده طريقاً لا يمكن الالتزام به ـ وفق ما قرره الاعلام ـ تقليدياً بل لا بد أن يكون عمل المكلف على أساس التقليد مستنداً إلى اجتهاد وقناعة تصديقية مستقلة. فهل تحصل هذه القناعة ببداهة حكم العقل العملي؟! يُشار في هذا المجال عادة إلى بناء العقلاء على جواز رجوع الجاهل إلى العالم، ولو سلمنا أن هذا البناء أمر ارتكازي في عقل كل إنسان، يبقى لنا أن نتساءل:

هل هذا الارتكاز يقرر أو يفضي إلى رجوع العامي إلى المجتهد في مفهومه الاصطلاحي الفقهي، لكي نستطيع أن نستنبط على أساسه وجوب التقليد المصطلح في الفقه؟

أن مجموع هذه الاثارات والتنبيهات تحملنا على ضرورة اعادة النظر في طرح المسألة. وترشدنا إلى أن ما يُدعى مكرراً في كلمات الاعلام من حكم العقل أمر يستدعي التمحيص والفحص.

ويحسن بنا هنا أن نقف بشيء من التفصيل مع قاعدة "حق الطاعة ووجوب الامتثال" كأحد أهم الاسس العقلية العملية، التي تستخدم في باب الاجتهاد والتقليد وفي عامة الابحاث الاصولة والفقهية.

 

حق الطاعة ووجوب الامتثال

هل يدرك العقل وجوب طاعة الله ووجوب امتثال أوامره ونواهيه؟

أن إدراك العقل أو حكمه بوجوب طاعة الله يمكن أن يُطرح على مستويين:

 

الاوّل: على مستوى البداهة والادراك الاولي القبلي، دون الاتكاء على معرفة تصديقية.

 

الثاني: مستوى الاستدلال وإقامة البرهان على هذا الوجوب.

 

ومن الواضح أن النافع في مجال بحثنا (الاجتهاد والتقليد) هو ادعاء المستوى الاوّل من حكم العقل فيقال أن طاعة الاوامر الالهية واجب بحكم العقل الاولي، يدركه كل ذي لب، ومن ثم لا بد أن يتصدى المكلف لتجسيد هذه الطاعة فيأتي بجميع ما يحتمل دخله في تحصيل رضا الله (الاحتياط)، أو يستند في الامتثال إلى حجّة من (اجتهاد) أو (تقليد).

أما إذا استندنا في إثبات وجوب طاعة الله إلى المستوى الثاني من حكم العقل، المستوى الذي يقوم على أساس الدليل الفلسفي والاستدلال العقلي فسوف نحرم فرصة الافادة من هذا الوجوب، ليكون قاعدة في تحديد مسؤولية المكلفين عامة أزاء امتثال أحكام الشريعة الاسلاميّة. لوضوح أن المستوى المشار إليه مستوى خاص لا يتسنى إدراكه إلاّ للخواص فكيف يمكن أن يكون قاعدة وأساساً لتحديد كيفية طاعة التكليف!

نحاول هنا أن نبدأ بدرس قاعدة "حق الطاعة" درساً عقلياً محايداً بغض النظر عن توظيفها ومجالات هذا التوظيف. ثم نحاول في مرحلة لاحقة تمحيص سلامة توظيفها في مجال بحثنا وعامة ما يمكن من توظيف.

 

حق الطاعة

طاعة الله ـ في ضوء مدرسة العقل الكلامية ـ واجب أخلاقي ينبثق من قاعدة وجوب شكر المنعم. ويضم علماء اصول فقه مدرسة العقل إلى قاعدة وجوب طاعة الله قاعدة عقلية أخرى تقرر (قبح العقاب بلا بيان وأصل). ومن ثمّ يتقيد موضوع قاعدة وجوب الطاعة بالتكاليف المعلومة الثابتة عادة بالدليل والحجّة.

لكن أستاذنا الصدر ذهب مذهباً آخر في تقرير قاعدة "حق الطاعة". إذ قرر أن هذا الحق ثابت لله تعالى ثبوتاً واقعياً أزلياً، وأن العقل يدركه إدراكاً أولياً، وأساس هذا الحق هو مالكية وخالقية الله لبني البشر. وأكد(رحمه الله) على أن وجوب طاعة الله يدركه العقل لا على أساس "شكر المنعم" ـ كما أراد الحكماء على حد تعبيره ـ بل بملاك مستقل. أي أن وجوب طاعة الله غير مستنتج من قاعدة "وجوب شكر المنعم"، بل مدرك مباشر للعقل.

حاولت أن أجد تفسيراً لمذهب أستاذنا، وعلى وجه التحديد تفسير تحوله من قاعدة وجوب شكر المنعم إلى إثبات حق الطاعة بوصفه مدركاً مستقلاً للعقل. نعم حاولت التفسير لان نصوصه في هذا المجال لم تقدم مسوغاً واضحاً لهذا التحول. وإليك النص الرئيسي:

 

أن المولوية وحق الطاعة على ثلاثة أقسام:

1 ـ المولوية الذاتية الثابتة، بلا جعل واعتبار والتي هي أمر واقعي على حد واقعيات لوح الواقع وهذه مخصوصة بالله تعالى بحكم مالكيته لنا الثابتة بملاك خالقيته، وهذا مطلب ندركه بقطع النظر عن مسألة شكر المنعم الذي حاول الحكماء أن يخرجّوا بها مولوية الله سبحانه ولزوم طاعته، فأن ثبوت الحق بملاك المالكية شيء وثبوته بملاك شكر المنعم شيء آخر. بل هذا حذوه حذو سيادة الله التكوينية فكما أن إرادته التكوينية نافذة في الكون كذلك ارادته التشريعية نافذة عقلاً على المخلوقين"(169).

إذا توخينا تفسيراً منسجماً مع هدف السيد الصدر وسياق بحثه (البحث الذي سعى فيه إلى نقض قاعدة قبح العقاب بلا بيان، واتخاذ الاحتياط كمرجع أولي عقلي بدلاً من البراءة) نجد أن دعوى إثبات وجوب طاعة الله على أساس قاعدة وجوب شكر المنعم تفسح المجال أمام ظهور قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بينا تأتي قاعدة حق الطاعة الذاتي المطلق لتسد الطريق تماماً امام قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل سوف تتعارض مع هذه القاعدة، وتثبت بشكل مباشر "الاحتياط" بوصفه الوظيفة العقلية الاولية أزاء التكاليف الالهية المشكوكة.

أن دعوى البداهة الوجدانية لحق الطاعة وأنه شامل مطلق تنقض بشكل مباشر قاعد قبح العقاب بلا بيان. بينما يبقى موضوع وجوب شكر المنعم محايداً امام وجوب الطاعة المطلقة، ويسمح لدعوى أن وجوب الطاعة محدودة بحدود التكاليف المعلومة، وأن تحميل المسؤولية في دائرة التكاليف المحتملة أمر غير معقول. لوضوح أن قاعدة وجوب شكر المنعم لا تحدد بذاتها كيفية هذا الشكر وحدوده، وانما تتحدد طبيعة رد الاحسان وشكر المنعم وفقاً لمقاييس خارج دائرة حكم العقل الاولي، وتخضع في الغالب لاعتبارات ووجوه غير مطلقة.

أضف إلى ذلك أن استنتاج وجوب طاعة التكاليف الالهية في ضوء قاعدة وجوب شكر المنعم يأتي في مرتبة لاحقة لاثبات وجود تكاليف الهية، ومن ثمّ يصبح تحكيم العقل لاثبات وجوب الطاعة تحكيماً غير منهجي.

إيضاح الفكرة: أن استنتاج وجوب طاعة الله على أساس وجوب شكر المنعم يتوقف على إثبات وجود تكاليف إلهية، أي أننا نسلم أولاً وجود الزمات وشريعة إلهية ثم نقول في مرحلة لاحقة أن العقل ـ على أساس قاعدة وجوب شكر المنعم ـ يلزم بهذه التكاليف. فالالزام الشرعي أولاً ثم يأتي الالزام العقلي، بينا البحث لدى علماء أصول الفقه ينطلق اساساً من قاعدة اكتشاف الحكم العقلي بغض النظر عن الحكم الشرعي. فالاصوليون حينما يبحثون في الموقف من التكاليف الشرعية حال الشك فيها ـ وهم فارغون في مرحلة سابقة كلامياً عن وجوب طاعة الله ـ يبحثون عن حكم العقل الاولي بغض النظر عن الموقف التشريعي، ومن ثمّ يكون أخذ وجود تكاليف شرعية مسلمة نغض النظر عنها ونبحث عن موقف العقل الاولي غير منهجي. إذ كيف يمكننا واقعياً أن نغض النظر عن الشريعة ونصوصها التي جاءت بالاحتياط أو البراءة، ونحاول بشكل مجرد أن نستكشف حكم العقل القبلي أزاء التكاليف الشرعية.

نعود إلى صلب الموضوع "حق الطاعة ووجوب الامتثال" ونبدأ من طرح الاستاذ لهذه الفكرة.

أشرت إلى أن السيد الصدر ادعى أن وجوب طاعة الله حق ذاتي لله تعالى بملاك خالقيته فمالكيته لعباده وهو حق مطلق ثابت في كل التكاليف سواء أكانت معلومة أم كانت محتملة، وهذا الحق ثابت ثبوتاً أزلياً في لوح الواقع.

في دراستنا "الاسس العقلية" سجلنا ملاحظات، نحاول ايجازها هنا في النقاط التالية:

1 ـ أن مفهوم الخالقية والمالكية ما لم يطعم بمفهوم الاحسان والانعام لا يمكن أن يكون أساساً لحكم العقل بوجوب طاعة تكليف المالك حتى إذا كان المالك ظالماً مسيئاً عابثاً، ومن ثمّ يرتهن مصير مبدأ حق الطاعة ويرتد إلى قاعدة وجوب شكر المنعم. هذه القاعدة التي إذا أردنا لها أن تكون أساساً لاثبات وجوب طاعة التكليف ترد عليها مجموعة ملاحظات أيضاً.

2 ـ دعوى أن العقل الاولي يدرك بالبداهة أن لله تعالى حقاً في امتثال تكاليفه مهما كانت درجة احتمالها، تتطلب للحفاظ على بداهتها عدم توقفها على معرفة تصديقية بأن هناك إلهاً وأن هناك تكاليفَ وشريعة له، ومثل هذا الامر يصعب تصوره في هذا المجال.

وهنا نحاول بسط البحث حول مفهوم "حق الطاعة" ودعوى بداهة ثبوت هذا الحق لله تعالى. لدينا دعوى تقابل هذه الدعوى مفادها: "أن الاذعان بوجوب امتثال الاوامر الالهية يتوقف على تصور مفهوم الالوهية، ويرتبط بمستوى هذا التصور، بل بمستوى التصديق بالالوهية" وهذه الدعوى تعني أن الاذعان بوجوب طاعة الله يتوقف على مستوى تصديق المكلف بالله وصفاته الكمالية والجلالية، ومن ثمّ يكون التصديق بوجوب الطاعة متوقفاً ولاحقاً لمجموعة تصديقات بشأن الالوهية. وعندئذ يكون ادعاء بداهة "حق الطاعة" مجازفة.

أن العقل الانساني ليس مصدقاً بوجود الله تصديقاً بديهياً أولياً، وأنما يذعن العقل بحقيقة الالوهية بعد مخاض ومعاناة أو بعد بحث وتحقيق، أو بعد ملاحظة وتسليم. وعلى أي حال فالعقل الانساني مهما كانت درجة تصديقه بوجود الله يرسو على هذه الدرجة بعد نظر ولا يجدها جاهزة في صميم العقل كما تجهز بديهية استحالة اجتماع النقيضين أو أن الكل أكبر من الجزء أو ان الاربعة زوج، وما شابه هذه القضايا من بديهيات.

ثم أن درجة التصديق بوجود الله تعالى ومستوى التعاطي مع الحقيقة الازلية والغيب المكنون يختلف اختلافاً واضحاً من فرد إلى آخر ومن جماعة إنسانية إلى أخرى. وعلى هذا الاساس يختلف مستوى التعامل مع مفهوم طاعة الباري، فهناك مستوى الفناء والاتحاد الذي هو أعلى من قضية حق الطاعة، حيث يذهب العرفاء والعشاق المتألهون في علاقتهم مع الباري تعالى إلى مستوى آخر ويفترضون أن له الحق المطلق في وجودهم بل هو وجودهم سواء اكانت هناك شريعة أم لا، وهناك مستوى تجنب الضرر وجلب المنفعة، وخوف الجحيم والعقاب الاليم والشوق إلى النعيم واللذة الابدية وبينهما مستويات أخرى، حسب الموقف النظري والقناعة التصديقية التي يتوفر عليها بنو البشر بشأن مفهوم الالوهية.

لا شك أن موقف العشاق والعارفين في عبادة الله وطاعته لا يستند إلى أحكام العقل العملي والالزامات الاخلاقية، بل هو موقف الوله والجذبة الروحية، موقف شهودي باطني ينجب في عالم الحب وينضج في حرارة قلوب العاشقين. ومن ثم يصعب أن يكون هذا الموقف منطلقاً لالزام أخلاقي ووجوب عقلي. نعم قد يكون الوجوب العقلي والالزام الاخلاقي منطلقاً ومرحلة أولية لرحلة السالكين.

أما موقف الطاعة انطلاقاً من قناعة المكلف بوجود عقاب وثواب وخوف الالم المستقبلي والضرر القادم وجلباً للمنفعة الاتية والنعيم الابدي فهو موقف لا يمكن أن تستدل منه وجوباً والزاماً أخلاقياً; لوضوح أن هذا الموقف لا يتطلب عقلاً عملياً، بل الغريزة الانسانية كافية وحدها لدفع وحث الانسان على اتخاذه. والحال كذلك في موقف الطاعة الذي يستند على معرفة الله بوصفه الغني عن عباده وطاعة مخلوقاته، وتأتي شرائعه وقوانينه لتحقيق مصالح عباده وانتظام شأنهم وقوام حياتهم الانسانية. هذا الموقف يستند إلى مفهوم المصلحة والمفسدة الذي هو مفهوم أدنى من مفهوم الالزام الاخلاقي.

وأظن أن مفهوم الالزام الاخلاقي الرفيع يجده العقل ويحمله على طاعة الله حينما يصل العقل الانساني إلى مرحلة إدراك أن الله تعالى أهل للعبادة، وأن الله بما له من صفات الكمال يستحق الطاعة.

والسؤال هنا متى يجد العقل ذلك، أي متى يجد العقل أن الله أهل للطاعة وأن الطاعة حق له؟ لا شك أن العقل الفطري البديهي لا يتوفر على هذا المستوى من الفهم، أنما هو حظ العقول المركبة التي لا يتمتع بها إلاّ القلة من ابناء الانسانية.

وأظن أن العقل يجد الله تعالى أهلاً للعبادة حينما يدرك أن الله هو الخير المطلق وهو التجسيد الكامل لكل ما ينبغي فعله وهو المثال المطلق للعقل العملي المطلق، هو الصدق المطلق والوفاء المطلق والعدل المطلق. وحينما يصل العقل إلى إدراك هذه الحقيقة وأن الالزامات الاخلاقية ومثل الخير والعدل تتجسد في هذا الموجود الازلي الابدي يجد عندئذ أن امتثال أوامره وشرعته وطاعته على حد الوفاء لالزامات العقل العملي. فالعقل الذي يُلزم بالصدق والوفاء والامانة وشكر المنعم يُلزم أيضاً وبنفس الدرجة بطاعة شرعة الصدق والوفاء المطلق، ويطلب بنفس الدرجة الاهتداء بهدي العدل المطلق والالتزام بالزاماته.

على كل حال أن دعوى حق الطاعة لله تعالى تتوقف على مستوى رفيع من التصديق بالالوهية. فضلاً عن أنها تتوقف أيضاً ـ حسب تصوري ـ على قناعة تصديقية بوجود الزامات إلهية وشريعة لتحديد السلوك العملي للمكلفين. ومن ثم فحق الطاعة مدرك بعدي، وليس مدركاً بديهياً يصح أن يكون أساساً لتحديد الوظيفة العملية الاولية.

ثم هل يصلح حق الطاعة ليكون قاعدة الزامية لتحديد كيفية امتثال التكاليف الالهية؟ أي لو سلمنا أن العقل يدرك وجوب طاعة الله فهل يصلح هذا الوجوب ليكون قاعدة للحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط؟

أن أحكام الاجتهاد والتقليد والاحتياط تأتي في طول وجود الشريعة، أي أن موضوعات هذه الاحكام ليست تصورات بديهية، بل هي اتجاهات لمعرفة أحكام شريعة الاسلام، ولا تعم كل الشرائع والقوانين. وتحديد الموقف من الاجتهاد والتقليد ينبثق من داخل الشريعة، ولا يمكن اغفال الشريعة وكيفية امتثالها وسبل معرفة أحكامها، ونحدد على أساس هذا الفرض حكم العقل في كيفية امتثال الشريعة وسبل معرفتها المشروعة.

ان سبل المعرفة ليست فروضاً عقلية، خصوصاً للتشريعات والقوانين التي تتخذ من عرف المخاطبين قاعدة، قد تعدلها أو تقرها، وبعد قيام الشريعة وممارسة امتثال أحكامها ووجود مئات النصوص التي ترتبط بتحديد كيفية امتثالها، كيف يمكننا أن نغفل ذلك ثم نبحث عن حكم العقل الاولي البديهي؟ نبحث عن حكم العقل الاولي بشأن طريقة امتثال التكليف في شريعة قامت وامتثلت تكاليفها وطرحت مئات النصوص بهذا الصدد، أن هذا المنهج غير سليم في منطق البحث العقلي، وغير منسجم مع ما يتوخاه الفقيه أساساً وهو فهم الشريعة، لا صنع اُطر جاهزة تحمّل على هذا الفهم، دون ضرورة، والاغرب أن تكون نتيجة بحث الاعلام هي أن الفطرة والبداهة والعقل الاولي المدرك للوح الواقع الازلي يحكم بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط!

والذي يبعث على مزيد من الاستغراب هو أن هناك بحثاً خلافياً بين الفقهاء في جواز ومشروعية وتحديد هوية كل من البدائل الثلاثة، فهناك بحث في جواز الاجتهاد وتحديد أسسه ومعالمه المشروعة وهناك بحث في جواز التقليد، وهناك بحث في مشروعية الاحتياط، وشروط هذه المشروعية.

وفي كل هذه البحوث تجد النص والدليل التشريعي حاضراً، يلعب دوراً أساسياً في الجدل القائم. فكيف يصح اغفال هذا الدليل التشريعي الذي هو الاساس في الحكم بجواز الاجتهاد والتقليد والاحتياط، ثم نصعد إلى العقل الاولي البديهي لنرى حكمه في موضوع زمني يرتبط بالشريعة وتاريخها وموقع المكلفين التأريخي! نستفتي العقل الذي يفترض أن تكون أحكامه مطلقة غير تأريخية في موضوع يرتبط بتاريخ التشريع ويتأثر بموقع المكلف التاريخي!

 

ملاحظة أساسية:

تحسن بنا الاشارة هنا إلى أننا نتحدث عن العقل المستقل، العقل الذي لا يعتمد الخبرة ولا يرتهن بمعارف المكلفين، العقل الاولي الذي يتوفر عليه عموم أبناء الانسانية، لا العقل البعدي بخبراته النظرية ومعارفه التشريعية; إذ لا يصلح هذا العقل ليكون قاعدة للالزام العام، ومن ثم لا يصلح أن يكون دليلاً في مقام تحديد الوظيفة العملية لعموم المكلفين، لوضوح أن تحديد هذه الوظيفة يتطلب موقفاً موحداً لكل العقول، بينا تختلف مستويات العقل البعدي وتتنوع مدركاته تبعاً لاختلاف المستوى المعرفي والتاريخي لابناء البشر.

ونريد بالعقل المستقل العقل المتعالي على الحس الغريزي، بل الضابط لهذا الحس، ومن ثم لا تصلح القواعد التي تعتمد اللذة والالم، النفع والضرر الشخصي لتصبح الاساس في الالزام وتحديد ما ينبغي فعله وما ينبغي تركه.

من هنا نقول أن العقل الاولي ليس لديه طريق لتحديد حكم الاجتهاد والتقليد والاحتياط. بل الحاكم في هذا الباب هو العقل البعدي المزود بالخبرات التشريعية، لان الموضوع يرتبط بالتشريع وكيفية امتثال أوامره واجتناب نواهيه.

وهنا أكرر إثارة تنبيه سنشبع البحث فيه عندما نتناول دليلية "بناء العقلاء": هل التقليد مفهوم بديهي، أم هو مفهوم مركب له حدوده وقيوده المعرّفة في الفقه؟ فهل يجوز رجوع العوام لكل عالم، وهل يسمّى تقليداً الرجوع إلى العالم الذي لا يرى وجهاً لجواز الاجتهاد في مفهومه المصطلح فقهياً؟ لا شك أن فتوى الاعلام بوجوب التقليد يراد منها تقليد المجتهد القادر على استنباط الحكم الشرعي من مظانه، وهذا المفهوم لا قِبَل للعقل الاولي بالتقاطه والحكم بوجوبه أو جوازه دون الاعتماد على خبرة بعدية مستمدة من التشريع أو من بناءات عقلائية ومواضعات عرفية اعتبارية.

في ضوء ما تقدم يتضح أن العمل وفق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط أو غيرها أساليب يعتمدها المكلف لامتثال أحكام الشريعة الاسلامية. ومن ثم ينبغي أن نتفحص حجية هذه الاساليب في ضوء معطيات الشريعة، من نصوص ومواقف، نفيد منها الحجية وصحة الاستناد.

* * *

نأتي هنا لالقاء نظرة أعمق على البدائل الثلاثة، التي قالوا بصددها أن الحكم بوجوبها التخييري حكم عقلي أولي. نتابع الاحكام الرئيسية لكل من الاحتياط والاجتهاد والتقليد، كما طُرحت في أبحاث الاعلام، وفي سياق هذه المتابعة نحاول الوقوف أيضاً على التوظيفات الرئيسية للعقل العملي في عامة أبحاث كتاب "الاجتهاد والتقليد"، وسوف تقع متابعتنا ضمن الفقرات التالية:

 

1 ـ مشروعية الاحتياط

نختار نموذجين من بين متأخري أعلام فقهاء الامامية (السيدين الحكيم والخوئي)، نتابعهما في هذا الموضوع. وفي هذا الخيار مزية، ذلك أن الفقيهين يمثلان افقين مختلفين، كما هو معروف لدى دارسي الفقه الاستدلالي، وبهذا نغني متابعتنا ونوسع افق بحثنا. نبدأ من السيد الحكيم لنرى معطيات "مستمسك العروة الوثقى" في هذا المجال:

يشير في تعليقه على المسألة الثانية من "العروة الوثقى" ـ حيث تقرر جواز العمل بالاحتياط ـ إلى رأي المشهور والمحكي عن السيدين الرضي والمرتضى من الاتفاق على حصر طرق امتثال الشريعة بالاجتهاد والتقليد. ثم يقول: "لكنه لا دليل عليه بعد ما عرفت من أن العمل الموافق للاحتياط موجب للعلم بمطابقة الواقع"(170)، ويعلق على قول العروة (لكن يجب أن يكون عارفاً بكيفية الاحتياط بالاجتهاد أو بالتقليد) قائلاً: "هذا شرط للاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل، بل لعل عدم المعرفة مانع من حصول الاحتياط، فلا يحصل الامن"(171).

أن السيد الحكيم ممن يرى أن الوجوب التخييري (للاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط) فطري بملاك دفع الضرر ]وهنا لا بد من تفسير الفطري بالغريزي ـ كما هو الصحيح في دفع الضرر وجلب المنفعة ـ وإلاّ فسوف يأتي اشكال الشيخ الاصفهاني على القائلين بفطرية هذه الاحكام كما هو الحال لدى الشيخ جعفر كاشف الغطاء وممن لحقه من القائلين بفطرية هذه الاحكام، حيث أن الفطريات من الاحكام في منطق البرهان تعني القضايا التي قياساتها معها، وأحكام العقل العملي أجنبية عن فطريات منطق البرهان، على أن القوانين الغريزية لا تنتج أحكاماً عملية[.

ويرى السيد الحكيم أيضاً أن هذا الوجوب عقلي بملاك شكر المنعم.

ثم يتخذ السيد الحكيم من القطع باداء الواقع الموجب للامن من العقاب حيثية تعليلية لحكم العقل بوجوب الاحتياط تخييراً، لكنه يضيف أن هذا الوجوب مشروط في نظر العقل بمعرفة كيفية الاحتياط. أي بمستوى من المعرفة الفقهية التي تؤهل المكلف للاحتياط المنسجم مع المواقف الفقهية المتنوعة والاجتهادات المختلفة في موارد الاحكام الشرعية.

وهنا يحق لنا أن نتسائل: هل الاشتراط العقلي المذكور مدرك غريزي أو عقلي مدرك بالبداهة والاولية؟ لا شك أن العقل الذي يشترط لمشروعية الاحتياط هو العقل المزود بالخبرة التشريعية، العقل الفقهي لا العقل الاولي. وأنّى للعقل الاولي من أدراك هذا الشرط، الذي يتطلب مستوى عال من التفقه في الشريعة وأحكامها وكيفية امتثال هذه الاحكام؟!

المهم هنا أن المسألة الخامسة من العروة تقرر "في مسألة جواز الاحتياط يلزم أن يكون مجتهداً أو مقلداً، لان المسألة خلافية"، وهذا يعني أن الحكم العقلي بوجوب الاحتياط التخييري يصبح معلقاً على مشروعية وجواز الاحتياط الشرعي، الثابت بالاجتهاد أو التقليد. وهذا سياق غير منسجم ومتهافت تماماً في مقاييس أحكام العقل العملي. لكن السيد الحكيم في تعليقته يقول: "لا ريب في أن الاكتفاء بالاحتياط في نظر العقل إنما هو لكونه موجباً للعلم باداء الواقع المؤدي إلى الامن من تبعة مخالفته. فإذا أدرك عقل المكلف ذلك كان مجتهداً في مسألة جواز الاحتياط حينئذ، والاّ امتنع الاكتفاء به... وكون المسألة وفاقية أو خلاقية لا يصلح علة للاكتفاء به وعدمه. بل الاكتفاء به دائر مدار ادراك علقه لذلك كما عرفت"(172).

 

نلاحظ:

اولاً: أن سياق السيد الحكيم منسجم; لان الحديث عن حكم العقل بوجوب الاحتياط، وسوف يكون تعليق حكم العقل على إثبات جواز الاحتياط (الذي هو موضوع خلاف بين الفقهاء) الغاءً لعقلية هذا الحكم، أو على الاقل اخراجاً لهذا الحكم من دائرة الاولية وما يستقل به العقل. ومن ثمّ لا بد من ربط مشروعية الاحتياط بدخوله تحت الحيثية التعليلية لحكم العقل، وهي أن الاحتياط يفضي إلى العلم بفراغ الذمة.

ثانياً: لكن السيد الحكيم لا يمكنه أن يدّعي أن العقل الاولي، أو قل كل عقول المكلفين قادرة على إدراك أن الاحتياط يفضي إلى العلم باداء الواقع، بل يمكنه أن يقول فقط أن عقول المتفقهة العارفين بكيفية الاحتياط تستطيع أن تعرف ما هو الاحتياط المؤمن والذي ينتج العلم بأداء الواقع. ومن ثمّ حق لنا أن نقول: أن المشروط "الاحتياط مع معرفة فقهية بالاحكام الشرعية" لا يمكن أن نحمل عليه وجوباً عقلياً بالبداهة.

 

ثالثاً: لو اغمضنا النظر عما تقدم وتسائلنا: هل استطاع السيد الحكيم نفسه الاكتفاء في معالجة الاشكالات المطروحة أمام مشروعية الاحتياط والتي طرحها أعلام من فقهاء الشريعة، هل استطاع أن يكتفي بدعوى إدراك عقله أو عقول المكلفين بأن الاحتياط يفضي إلى العلم بالواقع؟ لقد حاول السيد الحكيم في الاجابة على هذه الاشكالات، التي لها طابعها الفقهي الخالص أن يستخدم أدوات البحث الفقهي في إثبات عدم شرطية قصد الوجه والتمييز في العبادة وأن التكرار ليس لعباً أو عبثاً بأوامر المولى، وان عبثية وعدم عقلائية كيفية الامتثال لا تؤثر على سقوط التكليف بهذا الامتثال.

أن عقل الفقيه وحده قادر على مواجهة اشكاليات الفقهاء المطروحة أمام مشروعية الاحتياط، وهذا واضح بأدنى متابعة لمناقشة أدلة القائلين بعدم مشروعية الاحتياط كنهج عام وثابت لامتثال التكاليف الشرعية. فالخروج بموقف إثباتي إيجابي أن لم يتطلب اجتهاداً وعلماً فقهياً على أعلى المستويات فهو يتطلب درجة رفيعة من الفقاهة.

 

رابعاً: كيف يمكن أن يستقل العقل بأن الاحتياط يؤدي إلى العلم بامتثال الواقع، مع أن هناك شكاً فقهياً في أصل جواز ومشروعية الاحتياط؟ أن الحيثية التعليلية لحكم العقل بوجوب الاحتياط (العلم بأداء الواقع) حيثية ترتبط بالتشريع والعلم به وليست مدركاً عقلياً مستقلاً بكل المقاييس التي تفهم فيها أحكام العقل العملي، وفي ضوء كل الاتجاهات المطروحة في تحليل ونقد معطيات هذا العقل.

ننقل الحديث إلى السيد الخوئي. وهو من الذاهبين إلى أن البدائل الثلاثة واجبة بحكم العقل "فلا مناص لدى العقل من تحصيل ما هو المؤمن من العقاب وهذا يحصل بأحد الامور الثلاثة... إذن وجوب الامور الثلاثة عقلي بمناط وجوب دفع الضرر المحتمل بمعنى العقاب"(173).

لكن السيد الخوئي يقيم حكم العقل على أساس منجزية العلم الاجمالي بوجود تكاليف شرعية، بل منجزية الاحتمال قبل الفحص. فيكون الحكم الفحص وتحصيل القطع بالمعذرية عن طريق الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط. إذ بدون ذلك يبقى احتمال العقاب قائماً.

وهذا السياق من توظيف العقل العملي لنا ملاحظات كثيرة عليه وقد فصلنا البحث حولها في كتابنا "الاسس العقلية". نكتفي بالاشارة إلى:

1 ـ أن دعوى وجود علم اجمالي بالتكليف تعني وجود أحكام إلهية يجب طاعتها، ومن ثم ينسد الطريق أمام دعوى أي حكم عقلي أولي.

2 ـ أن قاعدة دفع الضرر لاتنتج الزاماً عقلياً.

3 ـ أن ربط حكم العقل بالعقاب والثواب الاخروي يعادل الغاء عقلية هذا الحكم.

على أي حال يحسن بنا أن نقف عند محورين في بحث السيد الخوئي عن مشروعية الاحتياط:

 

المحور الاوّل:

ذكر رحمه الله في مناقشة الاعتراض المشهور على مشروعية الاحتياط باحتمال وجوب قصد الوجه والتمييز:

"وعمدة القائلين باعتبارهما هم المتكلمون بدعوى أن العقل يستقل بحسن الاتيان بالمأمور به بقصد الوجه متميزاً عن غيره وأنه لا حسن في العمل الفاقد للامرين"(174). ثم أخذ في رد هذا الاعتراض قائلاً: "ان اعتبار الامرين في الواجبات يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه إذ لو كانا معتبرين في الواجبات لا شاروا عليهم السلام إلى اعتبارهما في شيء، من رواياتهم لكثرة الابتلاء بهما. فمن عدم ورود الامر بهما في الاخبار ينكشف عدم وجوبهما واقعاً. هذا ولو شككنا في وجوبهما فأصالة البراءة تقضي بعدم اعتبارهما في الواجبات"(175).

ويمكننا أن نسجل الملاحظات التالية على هذا السياق من التفكير بما يلي:

 

الملاحظة (1):

في ضوء اتجاهنا في (العقل العملي) نرفض من حيث الاساس نسق الفكر الكلامي، ونرد على دعواهم بان (العقل مستقل بحسن الاتيان بالمأمور به بقصد الوجه متميزاً) بما يلي:

أن هذا خلط بين عالمين وافقين، عالم العقل الاولي المستقل وعالم التشريع وأحكامه. وأن هذين العالمين لا ينتج أحدهما الاخر، إنما تنحصر العلاقة بينهما بأن التشريع يرتهن مستوى أخلاقيته بقدرته على تجسيد وحفظ الاحكام الخلقية في واقع التشريع وأحكامه.

وأن دعوى وجوب الاتيان بالمأمور به بقصد الوجه والتمييز لا يمكن أن تكون عقلية، لانها تفترض المأمور به قائماً والشريعة حاكية والمشرع يطلب، ومن ثم كيف يستقل العقل بتحديد مطالب المشرع وأحكام الشريعة وطبيعة المأمور به؟!

 

الملاحظة (2):

رد السيد الخوئي دعوى المتكلمين باستقلال العقل بحسن الاتيان بالمأمور به بقصد الوجه تمييزاً. وقد اعتمد في رده على الشريعة ومعطياتها، وبعد أن تفحص الشريعة لم يجد فيها ما يدعم وجوب قصد الوجه والتمييز، وحيث أهمية هذا الموضوع، قطع السيد الخوئي بأن قصد الوجه والتمييز غير مطلوبين.

لا شك ان عدم مطلوبية قصد الوجه والتمييز في نتيجة بحث وتقصي السيد الخوئي هي عدم المطلوبية الشرعية.

وهل يصح أن يكون هذا نقضاً على ادعاء استقلالية العقل؟ إذا كان العقل مدركاً باستقلاله وجوب قصد الوجه فهو ـ حسب مباني القوم ـ المرجع الاساس، حيث يعطي صلاحية تأويل النص المعارض له والذي يؤكد عدم طلب قصد الوجه، فكيف في حال عدم وجود النص. ثم مع وجود حكم العقل فما الداعي لانشاء الشارع حكماً آخر، إذ لا تأسيس لاحكام الشارع بعد ثبوتها بحكم العقل وفق ما يتبناه الاعلام.

ومن ثم فأهمية الموضوع مع وضوح حكم العقل المستقل المدعى لا تسمح للباحث أن يقطع بعدم المطلوبية شرعاً، بل لعل الشارع اكتفى بوضوح حكم العقل في المقام فلم ينشئ حكمه رغم أهمية الموضوع!

لا زلنا نتحدث وننقض على السيد الخوئي حسب الاسس والمباني التي يتبناها وهو نصير مدرسة العقل الكلامية. وعلى أي حال فليس من الصحيح منهجياً أن ننقض حكم العقل معتمدين على الدليل الشرعي.

إذ يمكن ارتكاب نفس هذا الخطأ المنهجي بالرد على دعوى الاعلام بما فيهم السيد الخوئي نفسه، حيث قرروا وجوباً عقلياً للبدائل الثلاثة (الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط) ونقول:

أننا لم نجد دليلاً شرعياً على وجوب الاحتياط في امتثال الاحكام الشرعية كمنهج عام لسلوك المكلفين، بل ـ كما قرر السيد الخوئي نفسه ـ أن الاحتياط متعذر في امتثال مجموعة كبيرة من الاحكام; إذ "أن الاحتياط لا يتمشى في جميع المقامات أما لعدم إمكانه كما في موارد دوران الامر بين المحذورين، وموارد كثرة أطراف الاحتياط بحيث لا يتمكن المكلف من اتيانها وأما لاحتمال عدم مشروعيته"(176).

 

الملاحظة (3):

تمسك السيد الخوئي بأصالة البراءة عند احتمال وجوب قصد الوجه والتمييز لاثبات مشروعية الاحتياط في خاتمة المطاف. بينما نحن نتكلم في مقام دفع دعوى أن عقل المكلف يدرك حسن قصد الوجه والتمييز، أي أننا نتكلم في مقام تعيين الوظيفة الاولية أمام تكاليف الشريعة، وأجراء الاصول المؤمنة ـ كما يرى السيد الخوئي ذلك ـ هو اجراء لها عند احتمال التكليف قبل الفحص.

وهنا لا بد من التنويه إلى أن جل ملاحظاتنا في هذا المجال ترجع في الصميم إلى الخطأ المنهجي الذي وقعت فيه مدرسة العقل الكلامية، خطأ الخلط بين العقل الاولي ومدركاته وبين الشريعة وأحكامها. هذا الخطأ الذي تحمل علم أصول الفقه الامامي اعباءه، التي لا يزال ينوء بها، والذي سرت آثاره إلى البحث الفقهي، كما تبين لنا عبر هذه المتابعة.

أن أخطر الاثار السلبية التي يتركها هذا السياق المربك في نفسه هو أن غرور العقلية يوحي بالاستغناء عن قراءة النص. بينا تمثل قراءة النص المسؤولية الرئيسية التي يتحمل الفقه اعباءها. إذن ما دام هناك عقل أولي يحدد الواجبات بشكل مباشر فعلام قراءة النص، ولا تتعدى أوامره حينئذ حد الارشاد إلى أحكام العقل القطعي اليقيني!

 

المحور الثاني:

لاحظنا أن السيد الخوئي ينتصر في بداية تعليقه لفتوى المتأخرين بوجوب الاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط، ويؤكد أن هذا الوجوب عقلي بمناط دفع الضرر.

ثم يأتي لاحقاً ليؤكد أن التقليد إذا لم يستند على قناعة اجتهادية بوجوب التقليد لدى المكلف المقلد فسوف نقع في تسلسل لا نهاية له، ومن ثم فالتقليد لا يمكن أن يكون تقليدياً. وسنقف عند هذا الموضوع في بحثنا عن مشروعية التقليد.

أما الاحتياط فبحكم احتمال عدم مشروعيته لا يسوغ للمكلف الاحتياط اللهم إلاّ أن يبني على جوازه بالاجتهاد أو يقلد من يفتي بجوازه في تلك المقامات(177).

ثم يأتي لاحقاً ليقول: "وأما إذا كان مبغوضاً لاستلزامه الاخلال بالنظام أو لم يكن مأموراً به لكونه عسراً أو حرجياً فلا اشكال في عدم كفايته أو عدم وجوب اختياره ومعه لا بد من الاجتهاد أو التقليد"(178).

ثم ينتهي في بحثه عن مشروعية الاحتياط إلى القول "وعليه فيجوز ترك طريقي الاجتهاد والتقليد والاخذ بالاحتياط، استلزم التكرار أم لم يستلزم"(179).

وفي تعليقه على المسألة الخامسة من "العروة الوثقى" يقول:

"لان جواز الاحتياط ليس من المسائل القطعية التي لا تحتاج إلى الاجتهاد والتقليد وإنما هو مورد الخلاف فلا مناص في الاستناد إلى الاحتياط من تحصيل العلم بجوازه ومشروعيته اجتهاداً أو تقليداً. وسره أنه لو لم يقلد من يجوز الاحتياط ولم يجتهد في جوازه بل احتاط مع احتماله عدم الجواز لم يطمئن بعدم العقاب"(180).

 

وهنا أسجل الملاحظتين التاليتين:

الملاحظة (1):

تلاحظ ارباكاً أو تهافتاً في مجموع مواقف السيد الخوئي التي تقدم نقلها. ويرجع هذا الارباك في الواقع إلى الخلط بين اُفقي العقل والشرع. فقد ابتدأ مواكباً لنهج المتكلمين في إثبات الوجوب العقلي لطرق امتثال أحكام الشريعة، وهي طرق لا يدركها العقل إلاّ في ضوء الشريعة. ثم ألقى نظرة على واقع الشريعة والاحتياط في أحكامها، فوجد أن الاحتياط كنهج عام لامتثال التكاليف يواجه في واقع الشريعة وممارسة امتثالها مجموعة مشكلات، فقد يتعذر في بعض المواطن ويفقد المكلف القدرة على امتثال أحكام الشريعة بالاحتياط، وقد يفضي إلى اختلال نظام حياة الناس هذا الاختلال الذي لا ترضاه الشريعة، أو يؤدي إلى العسر والحرج المرفوعين في الشريعة. كما أنه يواجه في البحث الفقهي مشكلة مشروعيته وهي مثار خلاف بين الفقهاء.

هذه النظرة إلى واقع الشريعة انتهت بالسيد الخوئي إلى اغفال حكم العقل بل دور العقل المدعى في هذا المجال، ومن ثم صار إلى القول بأن مشروعية الاحتياط تتوقف على استفتاء الشريعة وفقهاء الشريعة، والسيد الخوئي هنا وان لم ينسجم منهجياً ـ كما حصل للسيد الحكيم حيث لاذ بالعقل في تقرير مصير الاحتياط ومشروعيته ـ لكن الحق هو أن الاحتياط وامتثال أوامر الشريعة لا قبل للعقل الاولي في تحديد موقف أزاءها. إنما يؤخذ على السيد الخوئي تمسكه بحكم العقل في وجوب البدائل الثلاثة، بينا الحكم بشأنها ليس ميدان العقل ولا من صلاحياته.

 

الملاحظة (2):

أن بعض الارباك الذي نلاحظه يعود إلى أن السيد الخوئي يمارس دورين، الاوّل دور المجتهد الذي يتجه صوب تحرير وجهة نظره الاجتهادية، فيقرر مقابل اشكالية عدم مشروعية الاحتياط جوازه ومشروعيته في ضوء مناقشة أدلة القائلين بعدم المشروعية. والدور الثاني دور تحديد الوظيفة العملية للمكلف فيقرر أن تحديد المشروعية وعدمها أمر لا يتاح عادةً لعامة الناس بل هو من اختصاص فقهاء الشريعة، ومن ثمّ فأما أن يصل المكلف إلى درجة هذا الاختصاص فيكون مجتهداً أو يرجع إلى المجتهد فيستفتيه في الموقف.

أن تعدد الادوار هنا يفرضه وجود افقين لقراءة الموضوع. فلو لا دعوى حكم العقل بوجوب الاحتياط كبديل للاجتهاد والتقليد لا حاجة حينئذ للبحث في موقف المكلف من مشروعية الاحتياط وجوازه. إذ لو اقتصر دور الفقيه على فحص الموقف التشريعي من كيفية الامتثال فسوف يحاول اكتشاف الحكم المشترك بينه وبين المكلف.

على أي حال، لو اعدنا النظر في آثار هذا التعدد والخلط بين أفقي العقل والشرع نجد: أن فقه كتاب الاجتهاد والتقليد يبدأ بدعوى حكم العقل بوجوب البدائل الثلاثة، ثم يعكف على تقييد وجوب الاحتياط بمعرفة أحكام الشريعة واختلاف الفقهاء وأسلوب الاحتياط بين تنوع الاراء واختلاف الاحتمالات، ثم يتوجها بالبحث عن جواز ومشروعية الاحتياط الذي اُدعي له أن العقل حاكم بوجوبه التخييري هذا الوجوب الذي ادعاه السيد الخوئي وهو يقرر "وأما الاحتياط فهو كالاجتهاد غير ميسور له لعدم تمكنه من تشخيص موارده على أنا لا نحتمل أن تكون الشريعة المقدسة مبتنية على الاحتياط"(181).

كيف يمكن أن نعقل أن العقل الاولي حاكم بوجوب الاحتياط إزاء أحكام الشريعة، ونحن لا نصدق أن يكون امتثال الشريعة وفق متطلباتها وذوقها قائماً على أساس الاحتياط! أن نحكم بهذا الوجوب دون أن نعرف مشروعيته، ثم هل يمكن أن نعرف هذه المشروعية بالاستقلال عن الشرع؟ العقل يحكم بوجوب الاحتياط في امتثال أحكام الشريعة ثم يأتي الفقه ليبحث لنا في جواز ومشروعية هذا الواجب العقلي!! حقاً أن هذا الارباك والتهافت المنهجي يحثاننا على اعادة النظر في ماهية أحكام العقل، وتمحيص الاسس العقلية التي قام على ضوءها البحث الاصولي والفقهي.

 

2 ـ مشروعية التقليد:

بعد أن يقرر الاعلام أن العقل حاكم بوجوب التقليد تخييراً، يبحثون عن جواز التقليد! فيُشار عادة إلى ما اشتهر عن علماء حلب من تحريم التقليد وحصر أساليب امتثال الشريعة بالاجتهاد الذي يفتون بوجوبه العيني.

بعد أن يقرر الاعلام الوجوب العقلي التخييري للتقليد يطرحون اشكالية مفادها: "أن جواز التقليد في الجملة لا بد أن يكون بغير تقليد، وإلاّ لزم الدور أو التسلسل فإذن لا بد أن يستند جواز التقليد ـ في الجملة ـ إلى الاجتهاد. ومستند هذا الاجتهاد بناء العقلاء عليه مع الغفلة عن احتمال الردع أو القطع بعدمه ولو بالاضافة إلى شخص معين بخصوصه لاجتماع جميع ما يحتمل شرعاً فيه، مثل كونه بالغاً، عاقلاً، عادلاً، حياً، أفضل..."(182).

والسيد الخوئي يتابع هذا النهج ويفصّل قائلاً: "وأما أن يستند في أعماله إلى قول الغير وهو المعبر عنه بالتقليد إلاّ أن القطع بفراغ الذمة بسببه إنما هو فيما إذا كان قول الغير ثابت الحجية عنده بالاجتهاد ـ ولو بالارتكاز ـ لارتكاز رجوع الجاهل إلى العالم عند العقلاء وذلك لان قول الغير ليس بحجة عليه في نفسه ولا يمكن أن تثبت حجية قول الغير بالتقليد لان هذا القول كالقول الاوّل يتوقف حجيته على دليل فلو توقفت حجية قول الغير على التقليد وقول الغير لدار أو تسلسل"(183).

ثم يقول: "وعلى هذا يترتب أن العامي لا بد في استناده إلى فتوى المجتهد أن يكون قاطعاً بحجيتها في حقه أو يعتمد في ذلك على ما يقطع بحجيته، ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على ما لم يعلم بحجيته، إذ معه يحتمل العقاب على أفعاله وتروكه وعليه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية بل لا بد أن تكون ثابتة بالاجتهاد"(184).

نلاحظ أن السيد الحكيم في مسألة جواز التقليد ـ خلافاً لمشروعية الاحتياط، حيث اتكأ على العقل واستقلاله في تلك المسألة ـ يربط هذا الجواز ببناء العقلاء ومرتكزاتهم. ومن ثمّ يصبح حكم العقل بوجوب التقليد مرتبطاً ببناء العقلاء وما قامت عليه سيرتهم.

على أي حال اتساءل: حينما قرروا أن العقل مستقل بوجوب التقليد فهل أرادوا بذلك أن العقل بغض النظر عن جواز التقليد وبناء العقلاء أدرك هذا الوجوب الواقعي الثابت في لوح الواقع؟! وإذا كان العقل مدركاً لوجوب التقليد بالاستقلال عن أي حكم بعدي سواء أكان عرفاً أم تشريعاً فمن أين يأتي الشك حينئذ بجواز ما أوجبه العقل؟!

إذ مع حكم العقل بوجوب موضوع من المواضيع فمن أين يتسنى لنا الشك في جوازه، وكيف يمكن تصور الشك في مشروعيته؟

أما إذا افترضنا أن العقل يحكم بوجوب التقليد تخييراً في طول الحكم بجوازه، هذا الجواز الذي يقوم على أساس بناء العقلاء ومرتكزات العرف فكيف يتسنى لنا أن نقول أن هذا الحكم حكم عقلي مستقل! أنه يتوقف على الحكم بجواز التقليد عرفاً، فكيف يكون مستقلاً، وكيف يكون حكماً قبلياً؟

والسؤال المطروح هنا: لماذا اقتصر الاعلام على الارتكاز العقلائي العام، ولم يأتوا على ذكر الادلة التفصيلية الاخرى التي اقاموها على جواز التقليد؟ اقتصروا على الارتكاز العام لانهم يريدون تحديد وظيفة العوام والاسلوب الذي ينبغي أن يسلكونه في طاعة التشريعات والواجبات الالهية، ولعلهم أرادوا بهذا الاقتصار أن يحفظوا للحكم العقلي بالوجوب استقلاله.

وأنّى لنا من استقلال حكم العقل إذا توقف حكم العقل بوجوب التقليد على قناعة تصديقية للمكلف بجواز ومشروعية التقليد، مع افتراض أن هذه القناعة التصديقية تستمد دليلتها من مرتكزات العقلاء وما تسالم عليه أبناء المجتمع الانساني. على أن لنا تحفظاً أساسياً على استخدام الارتكاز العقلائي دليلاً في هذا المجال، وهذا ما ننوي استعراضه حين البحث عن "بناء العقلاء" ودليليته ومدى صحة توظيفاته.

المهم أن نشير هنا إلى إن السيد الخوئي لم يكتف بالارتكاز كمرجعية لمعالجة مشكلة الدور في جواز التقليد، بل طرح دليلاً آخر أسماه "دليل الانسداد"، ولنستمع إليه حيث يقول:

"وثانيهما: دليل الانسداد وتقريبه أن كل أحد يعلم بثبوت أحكام الزامية في حقه، كما يعلم أنه غير مفوض في أفعاله بحيث له أن يفعل ما يشاء ويترك ما يريد وهذان العلمان ينتجان استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهده التكاليف الواقعية المنجزة بعلمه.

وطريق الخروج عنها منحصر في الاجتهاد والتقليد والاحتياط.

أما الاجتهاد فهو غير متيسر...

وأما الاحتياط فهو كالاجتهاد...

وبهذا يكتشف العقل أن الشارع قد نصب طريقاً آخر إلى الاحكام الواقعية بالاضافة إلى العامي فلا يسوغ له أن يأخذ بالعمل بمظنوناته ويترك مشكوكاته وموهوماته وذلك لانه ليس للمقلد ظن بالاحكام فإنه ليس من أهل النظر والاجتهاد.

على أن ظنه كشكه ووهمه لا أقربية له إلى الواقع بالنسبة إلى شقيقيه لعدم ابتنائه على النظر في أدلة الاحكام فليس له طريق أقرب من الواقع من فتوى مقلده... هذا كله فيما يمكن أن يعتمد عليه العامي في المقام"(185).

وليس في وسعنا أمام هذا الدليل الشاق والطويل والمربك أيضاً إلاّ أن نتساءل: هل يستطيع عقل العامي، الذي يفترض أن نترك له الميدان يفكر بمفرده ويستقل بتحديد وظيفته أمام امتثال التكاليف الالهية، هل يستطيع عقل هذا المسكين أن يركب هذا الدليل؟ أن دليل الانسداد هذا لا يفلح بتركيبه وترتيبه إلاّ عقل على غرار عقل المحقق القمي، نعم يستطيع أن يركبه عقل الفقيه الاصولي، الخبير بمشكلات استنباط الحكم الشرعي في حقبته الاخيرة.

على أي حال لنتعامل بجدية مع دليل الانسداد، الذي طرحه السيد الخوئي، ولنسجل الملاحظات التالية:

1 ـ المقدمة الاولى لدليل انسداد السيد الخوئي تنص على "أن كل أحد يعلم بثبوت أحكام الزامية في حقه".

ونحن نقول ليس كل أحد يعلم بثبوت أحكام الزامية في حقه، لان مقصود السيد الخوئي من الاحكام الالزامية هنا هي الزامات الشريعة الاسلامية والعلم الاجمالي بثبوت هذه الالزامات، ولا يعلم هذا العلم إلاّ الذي يؤمن بالاسلام كدين له قوة الالزام وكرسالة لها شريعتها.

2 ـ تقرر مقدمة دليل الانسداد الذي افترضه السيد الخوئي للعامي أن "كل أحد يعلم أنه غير مفوض في أفعاله". والتفويض هنا لا يراد به التفويض الكلامي، بل يراد من هذه المقدمة أن كل مكلف يعلم أن هناك أساليباً محددة له في امتثال أوامر الشريعة، وليس مطلق العنان في امتثال هذه الاوامر حسب ما تقتضيه نزعاته وتقديراته.

وقد تفسر هذه المقدمة بتفسير آخر وهو أنه غير متروك دون تكاليف وله أن يتخذ ما يشاء من المواقف أزاء الوقائع العملية، بل له أحكام والزامات تشريعية في هذه الوقائع. لكن هذا التفسير يصيّر المقدمة الثانية تفسيراً للمقدمة الاولى وليست مفهوماً مستقلاً، ومقدمة قائمة برأسها.

3 ـ ثم يقرر السيد الخوئي أن هاتين المقدمتين تنتجان استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكاليف.

إذا كان المكلف عالماً بوجود الزامات شرعية في حقه فهذا يعادل العلم بوجوب الخروج عن عهدة هذه الالزامات الشرعية.

فما هو موقع استقلال العقل هنا، فحتى إذا آمنا بأن الالزامات الشرعية تستمد قوة الزامها من حكم العقل بوجوب الطاعة وشكر المنعم، لكنه على كل حال ليس عقلاً مستقلاً في هذا المقام لان حكمه بوجوب الطاعة في طول علمه بوجود الالزامات الشرعية ومتوقف على التصديق بها ولو اجمالاً.

4 ـ ثم ينتهي السيد الخوئي بعد حصر طرق الامتثال بالبدائل الثلاثة وتعذر الاجتهاد والاحتياط إلى أن العقل يكتشف أن الشارع قد نصب طريقاً آخر. والاستفهام هنا: هل عقل كل أحد من بني البشر يكتشف هذا النصب؟ لا شك أن العقول التي تدرك تعذر الاجتهاد على أكثر الناس واشكاليات الاحتياط في امتثال أحكام الشريعة هي بعض عقول بني البشر. ومن ثم سوف تكون النتيجة أخص من المدعى، إذ الذي يستهدفه دليل الانسداد الخوئي هو إثبات أن العقل كل عقل يكتشف هذه الحقيقة. فلا تنسجم النتيجة مع مقدماتها.

5 ـ يقول السيد الخوئي أن العامي لا ظن له بالواقع لانه ليس مجتهداً، فيكون ظنه كوهمه وشكه على حد واحد. ويفترض رحمه الله أن العامي يدرك هذه المقولات ويدرك أن حجية الظنون مقتصرة على المجتهدين الذين ميزوا بين الظن الحجة وغير الحجة.

6 ـ ثم يبني نتيجة الدليل "أن المكلف ليس له طريق أقرب من الواقع من فتوى مقلده" على أساس أن ظن العامي لا أقربية له من الواقع. ومن الواضح أن علم العامي بعدم أقربية ظنه من شكه وهمه إلى الواقع يقوم على الافتراض المتقدم وهو أن العامي يدرك عدم حجية ظنه، ومن ثم لا قرب له من الواقع. ولكن أن نستنتج من هذا أن ليس له طريق اقرب إلى الواقع من فتوى مقلده فهذا دونه خرط القتاد وهو استنتاج لا تساعد عليه المبادئ الاولية للمنطق.

إذ يفترض أن العامي يدرك عدم حجية ظنونه ومن إدراك عدم حجية ظنونه ينتهي إلى حجية فتوى مقلده.

مهما يكن من أمر فقد اتضح أن دليل الانسداد الذي طرحه السيد الخوئي مع تركيبه الطويل يصعب هضمه علينا، بل تحتاج متابعته إلى نفس المتفرغين لقراءة مقدمات دليل الانسداد الكبير والصغير والفاحصين في حجية الظنون المميزين بين الحجة منها والساقط عن الحجية، فإنّى لعقول العوام من تركيب هذا الدليل، الذي لا يفهمونه، بل لا يدخل في دائرة تصوراتهم، ولا تستوعبه مخيلاتهم.

وهنا نطرح الاستفهام التالي بغية اماطة اللثام عن علة قيام الدور أو التسلسل: لماذا انتهى الحاكمون بوجوب التقليد التخييري بالبداهة العقلية والفطرة البشرية إلى ضرورة إثبات جواز التقليد بالاجتهاد وإلاّ لدار أو تسلسل؟

لا شك ان جواز التقليد ومشروعيته يواجه صعوبات في البحث الفقهي. فقد طُرحت أمام جواز التقليد مشكلة عدم وجود اجماع واضح بين الفقهاء، ومن ثمّ لا بد من إثباته بدليل. وليس أمام العقل البديهي الاولي سبيل إلى إثبات هذا الجواز، خصوصاً مع تواتر النصوص الاسلامية من كتاب وسنة في النهي عن التقليد والاتباع بدون برهان ودليل.

وما دام عقل الانسان المشترك بين العوام والفقهاء (العقل الذي يدرك حسن الافعال وقبحها) ما دام هذا العقل عاجزاً عن إدراك جواز ومشروعية التقليد واتباع الفقهاء والمجتهدين في امتثال الاحكام الشرعية، فما هي الوظيفة المتصورة للعامي أزاء التكاليف الشرعية، فهل يقلد ويتبع أهل العلم في جواز التقليد؟

أمام هذه الفرضية (التقليد في مسألة جواز التقليد) طرحوا مشكلة الدور والتسلسل.

أجل من يريد إثبات مشروعية التقليد ثم يستدل عليه بدعوى التقليد أو بدليل تقليدي سوف يكون إثباته دورياً، وغير منطقي. فهل اراد الفقهاء من الدور والتسلسل المحذور المنطقي والخلل في الاستدلال والاثبات، هذا الخلل الذي يمكن أن يقع فيه الباحثون فضلاً عن العوام؟

أم أرادوا أن التقليد لا يتسنى إثبات حجيته بحسب الواقع بالتقليد، الذي هو مشكوك الحجية، لان كل ما بالعرض لا بد أن ينتهي إلى ما هو بالذات، فلا بد من الانتهاء إلى العلم بالحجية، وإلاّ لتسلسل الواقع؟ وعلى هذا الاساس حاولوا تبرير تقليد العامي، الذي يفتقد من حيث الاساس إلى وسائل الاثبات العلمية، فوجدوا أن العامي ينطلق في رجوعه وتقليده للمجتهد من بناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم.

ولعلهم ناظرين إلى الموضوع من زاوية كلامية، وأن المكلف ما لم يقطع بان التقليد جائز لا يقطع ببراءة الذمة، والعقل إنما يقطع ببراءة الذمة حينما يعتمد على دليل يقيني بأن التقليد طريق مشروع ولا تبعة في سلوك هذا الطريق.

أما المحذور المنطقي (أي اشكال الدور وإثبات جواز التقليد بالتقليد ـ المصادرة على المطلوب ـ ) فهو ينتج عدم صحة الاستدلال على جواز التقليد بالتقليد. ولا يفضي إلى إثبات حرمة التقليد في جواز التقليد. فمن يستدل على إثبات حجية الشهرة الفتوائية بفتوى المشهور ومن يثبت حجية الشهرة الروائية برواية مشهورة أو من يثبت حجية الاستصحاب باستصحاب هل يمكن أن نثبت بحق هولاء المثبتين حرمة عملهم بقول المشهور أو بالراوية المشهورة أو بالحكم الاستصحابي؟! نعم وقعوا في محذور المصادرة على المطلوب في استدلالهم، وهو لا يتوفر من وجهة النظر الموضوعية على مقومات الاثبات السليم، ومن ثمّ فهو غير حجة، لكنه لا يسقط عدالة المستدل، وإلاّ فتحنا الباب على تفسيق جل أجلة فقهائنا بأيديهم، إذ طالما أثبت بعضهم على الاخر محاذير منطقية ـ كالمصادرة على المطلوب أو أخصية الدليل عن المدعى ـ فيما يتبنونه من نظريات في مناهج الاستنباط أو في مواضعه التفصيلية.

ثم لدينا هنا استفهام مستأنف: أن موضوع بحثنا ـ حسب المفروض في كلمات الاعلام ـ هو العامي، الذي ثبت لديه أنه مكلف بتكاليف عليه طاعتها أما بالتقليد، أو الاجتهاد، أو الاحتياط، بحكم العقل، فهل نتصور في حق هذا العامي أنه سوف يشكك في جواز التقليد؟ إذا كنا نتصور ذلك فكيف أمكننا أن نتصور معه حكم العقل ابتداءً واستقلالاً بوجوب التقليد تخييراً؟

سوف يقولون أن المكلف يدرك جواز التقليد بالارتكاز العقلائي، أي بالمرتكز والثابت من سيرة العقلاء في جواز رجوع الجاهل إلى العالم. وهنا يحق لنا أن نتساءل: أي الادراكين أسبق، هل ادراك العقل للوجوب التخييري هو الاسبق أم إدراك المكلف للمرتكز العقلائي؟ أظن أن إدراك المرتكزات العقلائية والالتفات إلى مزايها وخصائصها يتطلب درجة من النضج تنسجم بشكل عام مع سن الرشد اللاحق زمنياً لسن التكليف والبلوغ الشرعي. ومن ثمّ لا بد من أن يقرر الاعلام أن إدراك العقل لوجوب التقليد يسبق الالتفات إلى سيرة العقلاء ومرتكزاتهم. عندئذ من أين يأتي الشك في جواز التقليد مع حكم العقل بوجوبه؟

أما إذا ذهبنا إلى إنهما متزامنان أو أن إدراك المكلف لمرتكزات العقلاء يسبق حكم العقل الاولي المستقل بوجوب التقليد تخييراً فنقول: هل يحكم العقلاء بجواز الرجوع إلى أهل الخبرة أم يحكمون بوجوب الرجوع إلى الخبير؟

إذا حكم العقلاء بوجوب الرجوع إلى الخبير (لا أقل في الموارد التي تكون فيها مسؤولية وتبعة على المكلف) فهم يحكمون بذلك على أساس مصالح بناء مدينتهم وانشاء نظام حياتهم، وهذا الحكم لا يصل إليه العقلاء ببداهة العقل الاولي. إنما هو ثمرة تجربة الجماعة الانسانية عبر عناءها الطويل. ونلاحظ حينئذ أن الرجوع إلى الخبير في أمور التشريع يصبح صغرى من صغريات حكم العقلاء بوجوب الرجوع إلى الخبير، عندئذ هل يمكن أن يدّعي باحث حصيف أن هناك حكماً عقلياً أولياً بوجوب التقليد؟!

أما إذا كان حكم العقلاء بالرجوع إلى الخبير هو الاباحة والجواز بشكل عام شامل لكل الموارد فما هي النسبة المتصورة بين حكم العقل الاولي بوجوب التقليد تخييراً وحكم العقلاء بجواز التقليد؟

لا شك أن حكم العقلاء بجواز التقليد حكم تجريبي تفرضه متطلبات حياتهم الاجتماعية، ولا شك في أن أحكام العقل ـ التي نبحثها هنا ـ أحكام أولية سابقة للتجربة والخبرة.

عندئذ كيف يمكن أن نتصور أن العقل الانساني وعقول كل البشر حاكمة بالوجوب، بينا يحكم العقلاء بالجواز؟! على أي حال ليس هنا من فسحة للخروج عن هذه المخالفات والتعارضات سوى الايمان بأن الاحكام التي يدعى أنها عقلية أولية مستقلة ليست سوى أحكام بعدية لا شأن للعقل الاولي بها ولا مجال لاقحامه فيها.

أما محذور التسلسل هنا فهو من جنس محذور التسلسل في عالم المعرفة. فالارتداد اللانهائي للمعرفة يعادل استحالتها وتعذرها. ولا بد أن تبتدأ المعرفة وتتكا على مبادئ واضحة الصحة بالذات، ولا تحتاج إلى واسطة في الاثبات. ومع فقدان هذه البداية تصبح المعرفة الانسانية بلا قاعدة ومرجعية. فإذا فقدنا مبدأ "استحالة اجتماع النقيضين" تعذر إثبات صحة أي استدلال سواء أكان استنباطياً وقياسياً أم كان استقرائياً، لان الاستقراء يقوم على اساس قواعد حساب الاحتمال، هذه القواعد التي يستحيل من خلالها تحديد درجة احتمال الحوادث مع الايمان بإمكان النقيضين.

وتمحيص هذا البحث الاساسي ينبغي أن يتم في حقل المبادئ التصديقية للبحث في علم أصول الفقه. ليرى هناك الضابط في استخدام القاعدة التي يقررها محذور الاستحالة، ومدى شمول هذه القاعدة للعلوم الشرعية. حيث أن هناك فارقاً جوهرياً (أشار إليه كثير من أعلام البحث الفقهي والاصولي) بين جوهر القضية التشريعية، وجوهر القضايا التي تدرس في علوم أخرى.

نسلم بصحة القاعدة المتقدمة على مستوى المعرفة الانسانية ونقدها المنطقي أي نسلم بالقضية التالية: (يستحيل انتاج معرفة سليمة ما لم ننطلق من مبادئ واضحة بذاتها)، ونتساءل: هل تسري هذه الاستحالة المنطقية إلى الواقع ونستطيع أن نقرر في ضوءها القضية التالية: "يستحيل لاي مفكر أن يصل إلى معرفة دون الانطلاق بحسب الواقع الذهني من مبادئ أولية واضحة بذاتها"؟

إذا آمنا بأن الاستحالة المنطقية تقف في حدود المنطق ونقد المعرفة، وتقرر استحالة المعرفة السليمة، دون الانطلاق من مبادئ أولية. فنعود إلى محل بحثنا وهو فتوى الاعلام بـ "عدم جواز التقليد استناداً إلى التقليد" لان ذلك يفضي إلى التسلسل ولا بد من أن ينتهي ما بالعرض إلى ما هو بالذات، ونطرح الاستفهام التالي: لو قلد المكلف استناداً إلى التقليد فهو سيرتكب خطأ منطقياً ويستحيل أن يكون إيمانه بمشروعية التقليد مبرراً منطقياً، بل مشروعية التقليد يستحيل إثباتها بالتقليد ولا بد أن تنتهي إلى الاجتهاد من وجهة نظر المعرفة والمنطق.

ولكن هل تنتج هذه الاستحالة المعرفية وعدم الجواز المنطقي "عدم جواز شرعي"؟

ولو آمنا بان الاستحالة المنطقية تفضي إلى استحالة واقعية، وتقرر أن كل معرفة لا بد وأن تنتهي إلى مبادئ واضحة بذاتها بحسب واقع حركة الذهن البشري. فحتى الذين يدّعون قيام الواقع وحركة الذهن على أساس انكار مبدأ التناقض ينطلقون بحسب الواقع من الايمان بهذا المبدأ وإلاّ لاستحال عليهم إثبات أي حقيقة من الحقائق حتى الاذعان بنسبية الحقيقة مطلقاً. عندئذ نعود إلى محل بحثنا ونتساءل إذا كان المكلف غير قادر على إثبات مشروعية التقليد ما لم يرجع إلى دليل ثابت بنفسه وحجيته ذاتية فعلام الحكم بحرمة التقليد استناداً إلى التقليد؟ إذ سوف يضحي هذا الحكم على غرار الحكم بحرمة وضع العالم في بيضة أو السكون في الشمس... ونظائرها من الاحكام التي لا يصدرها العقلاء!

ثم هنا ملاحظة يحسن الوقوف عندها في موضوع بحثنا; حيث لاذ الاعلام لاثبات مشروعية التقليد بالقانون العقلائي "الرجوع إلى أهل الخبرة". وسؤالنا هو: هل يثبت جواز أو وجوب الرجوع إلى الخبير تقليد المجتهد (في مصطلحة الفقهي) أو حتى في المصطلح العام، أي الرجوع إلى الخبير القادر على تحديد الموقف في الوقائع استناداً إلى قناعات تصديقية واجتهاد في موضوع خبرته؟

إن واقع السيرة العقلائية والسلوك العام للمجتمعات الانسانية هو المرجع في تحديد الاجابة على هذا السؤال.

فمن يتطلب وضعه الصحي الرجوع إلى الطبيب يرجع إلى الخبير في الطب سواء أكان مجتهداً وصاحب نظرية في الطب أم كان عالماً في موضوع بحثه واختصاصه استناداً إلى ما قرره أعلام الطب وأصحاب الاجتهاد في هذا الموضوع.

يبقى لدينا النظر إلى الموضوع من زاوية كلامية. وهو ظاهر نص السيد الخوئي الذي يقول: "وعلى هذا يترتب أن العامي لا بد في استناده إلى فتوى المجتهد أن يكون قاطعاً بحجيتها في حقه أو يعتمد على ما يقطع بحجيته ولا يسوغ له أن يستند في تقليده على ما لا يعلم بحجيته، إذ معه يحتمل العقاب على أفعاله أو تروكه وعليه لا يمكن أن تكون مسألة التقليد تقليدية بل لا بد أن تكون ثابتة بالاجتهاد"(186).

لما كان العقل حاكماً بالوجوب التخييري في موضوع التقليد ـ حسب ما ادعاه الاعلام ـ فسوف يكون هذا الحكم وحده مسوغاً لاثبات جواز التقليد سلفاً. أما إذا لم يكن مسوغاً لاثبات هذا الجواز فسوف يحق لنا أن نشك في وجود هذا الحكم أساساً، ونحكم في نفس الوقت باستحالة تعليق هذا الحكم (حكم العقل بوجوب التقليد تخييراً) على إثبات مشروعية التقليد ببناء العقلاء. لان الحكم عقلي قبلي، فكيف يصح تعليقه على أحكام الواقع التجريبي وخبرات الانسان البعدية. كيف يمكن أن ندّعي أن العقل يستقل بادراك وجوب التقليد تخييراً، ثم نحاول البحث عن دليل على مشروعيته وهو بناء العقلاء أو دليل الانسداد الذي طرحه السيد (الخوئي)، وكلاهما حكمان بعديان، الاوّل تقدمه الخبرة الانسانية والثاني تنتجه المعرفة البرهانية الاستدلالية؟

أن مجموع هذه الاثارات بل بعضها يؤكد لنا ضرورة اعادة النظر فيما يُطرح من أحكاماً يُدعى أنها أحكام عقلية مستقلة، يمكن أن تشكل الاطار المرجعي لاحكام الفقه. عسى أن نضع منهج استنباط هذه الاحكام في اطاره السليم.

 

الاجتهاد

فرغ الاعلام عن الوجوب التخييري للاجتهاد، وقد أكدوا على أن هذا الوجوب حكم عقلي يدركه العقل بالاستقلال. أي أن كل مكلف عليه امتثال أحكام الشريعة الاسلامية اعتماداً على اجتهاد أو احتياط أو تقليد.

ثم لم يغب عنهم التأكيد على وجوب الاجتهاد على الامّة الاسلاميّة وجوباً كفائياً، منطلقين في تأكيد هذا الوجوب من واقع الشريعة ونصوصها. وبذلك يجتمع على الاجتهاد وجوبان وجوب عقلي تخييري يقع على عاتق كل مكلف، ووجوب شرعي كفائي تتحمل الامّة مسؤوليته.

لقد أدرك الاعلام أن الخطاب التشريعي يفرض الاجتهاد في الدين والتفقه في أحكامه. وأن عملية الاجتهاد تعني صيانة الشريعة وحفظها عبر إزالة ما يعلق بها عبر السنين من غموض وشبهات تفرضها طبيعة مسيرة الحياة الانسانية، وأن هذا الفرض فرض كفاية يجب على الجميع، ويسقط حينما يقوم به من ينهض باعباءه.. ومن ثم يصبح الاجتهاد محكوماً بحكمين أحدهما عقلي والاخر شرعي تأسيسي وليس ارشاداً لحكم العقل. وعندئذ لا بد من التفرقة الفنية بين مصب الحكمين.

أن الاحكام الشرعية ـ من وجهة نظر المشهور بين الاعلام ـ إذا اتحدت في المصب مع أحكام العقل تكون لا محالة أحكاماً ارشادية إلى حكم العقل، ولا يصح أن يؤسس المشرع حكماً سبق للعقل أن حكم به. وقد أكدت في دراستي للعقل العملي على أن أحكام التشريع كلها أحكام تأسيسية لان ميدان العقل وميدان التشريع ميدانان مختلفان وأن أحكام العقل لا تنظر إلى الواقع الخارجي للافعال، بينا يتجه التشريع إلى تنظيم أحكام هذا الواقع. على أي حال يتجه في ضوء وجهة نظر المشهور الاستفهام عن هوية المصبين في حكمي العقل والشرع؟

ذهب السيد الخوئي في التفرقة بين المصبين إلى القول: إن حكم العقل ينصب على الاجتهاد بالنظر إلى أعمال نفس المجتهد، "أما بالنظر إلى رجوع الغير إليه فهو واجب على المكلفين وجوباً نفسياً كفائياً لبداهة وجوب حفظ الشريعة المقدسة عن الانطماس والاندراس"(187).

حينما نتأمل في تنويع السيد الخوئي لمصبي حكم العقل والشرع (وقد أصبحت على قناعة واثقة من أن سياق بحث المتأخرين من فقهائنا أتخذ من حكم العقل العملي ومن استقلال هذا العقل ـ وهو استقلال لا تحفظ فيه الحدود، بل دعوى وتحكم ـ مرجعية. وقد اثارت هذه المرجعية كثيراً من المتاعب، وانتجت ارباكاً وتشويشاً، وهذا أمر طبيعي في كل أنحاء المعرفة الانسانية; إذ حينما تستخدم أداة غير منسجمة مع طبيعة موضوع البحث، ترتبك النتائج وتتعسف الاحكام) نلاحظ:

اولاً: أن العقل يحكم حكماً مستقلاً ـ حسب الخوئي وجمهور المتأخرين ـ بوجوب الاجتهاد تخييراً، وهذا الحكم غير متوقف على إدراك مواقف الشريعة التفصيلية (على الاقل)، ومنها حكم الشريعة بوجوب الاجتهاد الكفائي أو العيني.

وهنا أتساءل: ما هو المحذور العقلي لو ذهب الفقه إلى وجوب الاجتهاد العيني، كما حصل بالنسبة إلى بعض فقهاء المسلمين؟

أن أشد المتحمسين لقانون العقل لم يسجل على مذهب القائلين بوجوب الاجتهاد العيني أي محذور عقلي، وتعارض الوجوب العيني مع حفظ النظام، ليس تعارضاً بين الوجوب العيني وأحكام العقل بل تعارض بين الوجوب العيني وأحكام العقلاء وضرورات الواقع الموضوعي لحياة المجتمعات البشرية المتغيرة. إذ لو قررنا الوجوب العيني للاجتهاد ـ في حياة مدينة الرسول (ص) ـ فلا تعارض بين هذا الوجوب وبين توزيع النشاطات في حياة المجتمع آنذاك، لوضوح تيسر الاجتهاد وأدواته في ذلك العصر، ولعله السمة الغالبة للمكلفين في صدر الاسلام. ومن ثمّ لا ينشأ التعارض جراء اصطدام الحكم بالوجوب العيني مع مقررات العقل الثابتة في كل زمان ومكان، كما هو المفروض في هذه المسألة.

وهذا شاهد واضح على أن تثليث طرق امتثال الشريعة يأتي في طول الدرس الفقهي للشريعة، وليس حكماً عقلياً أولياً قبل الشريعة وأحكامها وقبل وعيها ودرسها وتحديد الموقف منها.

ثانياً: لو ذهب الفقه ـ كما هو الحال لدى أكثر فقهاء المسلمين وبعض فقهاء الامامية ـ إلى جواز تقليد الميت فالسيد الخوئي وآخرون لا يرون بعد ذلك دليلاً على الوجوب الكفائي للاجتهاد. وعلى هذا الفرض هل يبقى العقل حاكماً بالوجوب التخييري للبدائل الثلاثة؟

هل هناك معنى لكي يحكم العقل بوجوب الاجتهاد وجوباً تخييرياً، بينا يسقط الفقه وجوبه الكفائي؟

ان سقوط الوجوب الكفائي لاي عمل من الاعمال يعني إخراجه من دائرة الالزام، والوجوب التخييري يُبقى العمل في دائرة الالزام.

وحينما نراجع موقف الفقه من قضية جواز تقليد الميت فلا نجد أثراً لاي اعتراض عقلي يتسجل على القائلين بالجواز. إذ ليس هناك من تعارض بين الحكم بالجواز وبين أحكام العقل، ولو كان الحكم بالوجوب التخييري حكماً عقلياً مدركاً قبل الشريعة وأحكامها فسوف يتسجل الاعتراض على مذهب جواز تقليد الميت بأنه يتعارض مع حكم العقل بالوجوب التخييري!

ثالثاً: لا شك أن الوجوب الكفائي ليس وجوباً ابدياً مطلقاً كما هو الحال في احكام العقل، بل هو وجوب اعتباري يسقط بامتثال من بهم الكفاية على تحمل اعباء مسؤولية الواجب. والوجوب الكفائي للاجتهاد غير مستنثىً عن القاعدة، فهو يسقط بوجود المجتهدين القادرين على تحمل مسؤولية استنباط الاحكام الشرعية وابلاغها للناس.

إذا سقط الوجوب الكفائي فهل يبقى العقل حاكماً بالوجوب التخييري للاجتهاد؟ هل يحكم السيد الخوئي أو أي فقيه آخر بعد وجود ثلة صالحة من المجتهدين بوجوب الاجتهاد تخييراً على سائر أبناء الامّة؟ ولعل الفرض التالي فرض حاسم في ايضاح ما نصبو إليه في هذا المجال:

لو توفرت الامّة على العدد الكافي والمطلوب من المجتهدين والدعاة، بحيث تصبح اضافة أي عدد آخر من المجتهدين والمتفرغين لدراسة وتبليغ أحكام الفقه والشريعة متعارضة مع قانون حفظ النظام وتوزيع المهام والاختصاصات في حياة المجتمع الاسلامي، فهل يبقى العقل حاكماً بالوجوب التخييري للاجتهاد أو التقليد أو الاحتياط؟

إن حكم العقل بالوجوب التخييري في هذا المقام يتعارض مع قانون حفظ النظام وهو قانون عقلائي تفرضه ضرورات الحياة الاجتماعية، ولا أظن أن هناك فقيهاً يتجرأ على نقض هذا القانون، فيدعي أن عقله يحكم بالوجوب التخييري، إذ الفرض عدم مشروعية الاجتهاد الاضافي.

وإذا تعطل حكم العقل لتصادمه مع القانون العقلائي فهذا دليل واضح وشاهد صارخ على أن حكم العقل المدعى ليس حكماً عقلياً أولياً، وأن العقل الاولي الحاكم لا مجال له في هذا الميدان.

أن تخصيص حكم العقل يُخرجه من عالم القضايا العقلية والتصديقات الاولية، وافتراض قدرة القضايا العقلائية على الاصطدام بأحكام العقل دليل على أن هذه الاحكام ليست أحكاماً عقلية ثابتة قبل الجعل والاعتبار، بل هي نسق قضايا تتأثر بواقع الضرورات العملية، وتحكمها هذه الضرورات وليست قضايا حاكمة على الضرورات وثابتة ثبوتاً أولياً مطلقاً.

رابعاً: على أي أساس اعتمد السيد الخوئي في افتراض أن مصب الحكم التشريعي ناظر إلى عنوان "رجوع الغير إلى المجتهد"؟ نحن نعرف أن أدلة أحكام التشريع التأسيسية تنحصر في النصوص والادلة اللفظية وفي ما يُدعى بالادلة اللبية من سيرة واجماع وغيرها. فهل هناك نص في أدلة وجوب الاجتهاد يحصر هذا الوجوب تحت عنوان "رجوع الغير إلى المجتهد" ويلغي النظر إلى عمل المتفقه نفسه بالاحكام التي سيتعلمها ويتفقه عليها؟ وهل هناك في معاقد الادلة اللبية ما يثبت ذلك؟

اعتقد أن هذه الاشكالية تعم قاعدة البحث في كتاب الاجتهاد والتقليد. فقد افترض بدءً وجود مرجعية عقلية، وانساق البحث معتمداً على هذه المرجعية، دون اغفال الادلة التشريعية، فلم يصف لهذه المرجعية المصطنعة الجو، ولم تمارس الادلة التشريعية في ضوء معطياتها الداخلية، بل هناك سلطة غير كاملة لاحكام العقل المدعاة تؤثر على سياق البحث في اكتشاف مواقف التشريع في ضوء معطياتها الحقيقية.

لم يكن السيد الخوئي مضطراً إلى تنويع مصب الحكمين، لو لا مرجعية حكم العقل، هذه المرجعية الناقصة، ولولا الاتكاء في نفس الوقت على أدلة التشريع ومحاولة الجمع المربك بين هذين السياقين غير المتعارضين أساساً إنما يفترض التعارض بينهم الخلط بين ميدانيهما، واصطناع مرجعية العقل العملي في تحديد أحكام التشريعات ومذهب الفقه.

فنحن إذا أخذنا مصطلحي "الاجتهاد" "والتقليد" ذاتهما نلاحظ أن هذين المصطلحين لايستطاع فهمهما، دون الانطلاق من واقع الفقه وتطور دلالة المصطلح في هذا العلم.

ومن ثم يقتضينا منهج البحث السليم أن نقف عند واقع هذين المصطلحين ودلالتيهما بشكل فني منهجي، أي وفق قواعد الدلالة ومناهج ضبط الاصطلاح، لكي يتسنى لنا في مرحلة لاحقة تحديد أحكام هذين المصطلحين في ضوء سياق الادلة التي يعتمدها الفقه أو التي ينبغي أن يعتمدها الفقه.