العقل العملي في ضوء

 

الجـدل الايراني المعـاصر

 

( 2 )

 

اتجه في هذه الفقرة من البحث نحو الكشف عن طبيعة الجدل المعني عامة، قبل محاولة تقويم المعطيات والنتائج في ضوء اتجاه الباحث. أي سوف نحاول تفهم ما يدور في الاطار العام، ما يلابس هذا الجدل من خصوصيات لا تمس مباشرة موضوع البحث (الحكمة العملية). نحاول القاء الضوء على ملامح هذا الجدل.

وضعت بين يدي القارئ تعريباً لنصين، أحسب ان التمعن فيهما يقرّبنا من فهم طبيعة الحوار الدائر في ميدان الجدل العقلي الجاد في ايران حول موضوع الحكمة العملية، ويؤهلنا لنقد وتقديم الاتجاهات الرئيسية المطروحة في هذا الميدان.

النص الاوّل عرض لنظرية الطباطبائي، هذه النظرية التي لم تستطع ان تجتذب إلى فلكها العام أنصاراً يتابعون تبنيها بكامل النتائج الخطيرة التي تترتب عليها، حتى في محيط الطباطبائي (حوزة العلوم الدينية في قم). ومن اليسير علينا تفسير غياب متابعة نظرية الطباطبائي في محيط الدارسين المحدثين للحكمة، الذين تكونت منظومتهم المعرفية في ظل المعرفة الفلسفية الحديثة (الغربية); ذلك ان نظرية الطباطبائي اعتمدت أدوات في التحليل لم تعد مقبولة في ظل تطور الدراسات النفسية الحديثة، ومن ثم أضحت لغة الطباطبائي وأدواته التحليلية وقاعدتها أمراً غريباً، بل مرفوضاً من حيث الاساس والمنهج.

اما إذا حاولنا التعرف على أسباب مجافاة حوزة العلوم الدينية لاتجاه الطباطبائي فالامر يستدعي تأملاً: ان هذه الدائرة الدراسية تداولت نظريات الحكمة الاسلامية، وذاعت في أوساطها نظريات الفلاسفة، بل أخذت من هذه النظريات كثيراً في درسها لاصول الاستنباط الفقهي. فكيف بها وهي تجفو فكر الحكماء في العقل العملي؟

ان سر الجفاء لاتجاه الحكماء يرجع في تقديري إلى موقع اتجاه مدرسة العقل الكلامية، حيث احتلت هذه المدرسة موقعاً أساسياً في قلب الدرس الفقهي الحديث وأصول استنباطه. هذا الدرس الذي تبنى بقوة نظريات مدرسة العقل الكلامية في تحديد مناهج الاستنباط، وفي عملية الاستنباط ذاتها.

لكن الفلسفة لم تندحر في هذه المواجهة كل الاندحار، بل ظل للفلسفة حضورها الواضح في فكر المدافعين عن مدرسة العقل الكلامية، لكنه حضور اداتي. إذ اتجه دارسوا الحكمة العملية وهم في صدد الانتصار لمدرسة المتكلمين إلى استخدام أدوات الفلسفة. وهذا أمر يتجلى بوضوح في النص الثاني الذي تقدم.

النص الثاني هو نص طلاب الحكمة المتعالية (مدرسة صدر الدين الشيرازي)، الطلاب الاوفياء لادوات هذه المدرسة، والاكثر وفاءً لاتجاهات البحث السائدة في علم أصول الفقه. فأنت تلاحظ كيف تمسك بقاعدة الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل، وببداهة مدركات العقل العملي، وكيف حاول الانقضاض على اتجاه الاعتبار والمواضعة انطلاقاً من فكرة المعقول الثاني ونظرية الانتزاع الفلسفية.

نعود إلى دراسة سروش، هذه الدراسة التي حرصت على عرض نقدي مباشر لنظرية العلاّمة الطباطبائي، أي انك تلمس بوضوح ان الباحث عمد إلى عرض يبرز فيه أساساً ما استهدفه من فجوات في النظرية موضع البحث. وما استهدفه في ملاحظتي لدراسة سروش تحديد المدار والافق الذي يدور فيه الباحث.

في فقرات المقارنة، التي عقدها سروش بين الطباطبائي واتجاهات الغرب تلاحظ حضوراً واضحاً بل أوحد لاتجاه التجريبية الانجليزية هيوم ـ فنجشتين ـ آير ـ مور ـ بنتام ـ ... وغياباً ملحوظاً لاتجاهات أساسية في فكر الغرب الحديث، وعلى رأسها النقدية العقلية وفكر فيلسوفها عما نوئيل كَنْت. لم يتعد خيار واتجاه الباحث اطار خيارات الاتجاهات الحاضرة، حيث تعلم على أرضها.

لقد بالغ سروش في توثيق دراسته، وحرص حتى على تسجيل المعادل اللاتيني لاسماء اعلامه التي أتى على ذكرها في تفاصيل البحث. بينا اغفل (فنائي) صاحب النص الثاني عملية توثيق دراسته بشكل غريب. فهو لم يهمل الاشارة إلى مصادر البحث العامة فقط، بل تبنى بعض الافكار المفصلية في تاريخ الحكمة العملية، دون ان ينسبها إلى أصحابها أو يشير إليهم على الاقل; وهذا الاغفال لا يمكن اغتفاره لبحث علمي على أي مستوى من المستويات.

لعل هناك من يتساءل عن النصين اللذين ترجمتهما، وهل يمثلان الجدل الراهن في ايران؟ لا أستطيع ان أدعي ان نصين من مختلف النصوص المطروحة يمكنهما ان يمثلان واقع الجدل في أي منازلة فكرية، لكنني أستطيع ان أقول ان النصين يمثلان مساحة كبيرة من تفاصيل الجدل، ويعكسان أهم الملامح التي تحكم عامة الجدل التي يهمنا اماطة اللثام عنها.

للجدل القائم معسكران، معسكر يدافع عن اتجاهات السلف، ويعسكر في محيط علم الكلام بأدوات الفلسفة التقليدية. ومعسكر استورد أدواته وجل معطياته من غرب المعمورة. هذه هي الصورة التي انتهى إليها جدلٌ، فتح الطباطبائي بابه بنقد لاتجاه مدرسة العقل الكلامية، بأدوات وطرق تنتمي إلى التاريخ، ثم عاد الطباطبائي وتلميذه مطهري معه ليغيبا كناقدين لاتجاه العقل الكلامي، فيحل محلهما في حوزة فعاليتهما جيل من المدافعين عن مدرسة العقل الكلامية بسلاح الحكمة العتيدة، هذا الجيل الذي واجه أساساً الاتجاه المتترس بحكمة الغرب الحديثة.

إذن تلخص الموقف: اما بالدفاع عن اتجاهات علم الكلام التي يحتضنها علم أصول الفقه والفقه ويمنحها سطوته، واما بتبني معطيات التجريبية الانجليزية بامتداداتها المعاصرة. وهذا المآل في الحكمة العملية هو قدر الفكر عامة في الشرق العربي الاسلامي، باستثناء اتجاهات التوفيق أو التلفيق، التي سعت اما إلى الوقوف على صخرة التطورات العلمية الحديثة وانجازات الغرب المعاصر وهي ترتدي عقالاً، واما بالوقوف على قاعدة الاصالة مستبدلة العقال بقبعة!

ان هذا المآل هو مكمن أزمة العقل في عالمنا الاسلامي. ان الجدل الراهن حول الحكمة العملية لم يفتح كوة جديدة لرؤية اشكاليات البحث، انما تنقل بين قداسة فكر السلف، الذي يجب الدفاع عنه بشتى الاساليب، وكان على رأسها الافادة من معطيات الحكمة المتعالية، وبين نهائية المعالجات التي جاءت من الغرب، هذه المعالجات التي لا يقر الغربيون أنفسهم بانها نهاية المطاف في البحث عن معالجات لاشكاليات البحث.

حينما تكون للمعرفة حدود معرّفة فهذا يعادل تقريباً سد باب النمو والتقدم، وحصر الجهد المعرفي في حدود الجغرافية، التي فرضت. حيث تحدد الجغرافية هنا زمناً معرفياً، سميته عصر الحواشي، إذ يتحول الجهد المعرفي في أرقى اشكاله إلى تعليقات أو قل اعادة تظهير لما دار على مسرح الحدود النهائية المقدسة أو المرهبة، أي مسرحاً اُغلقت آفاقه.

بينا لا يفترق النمو والرشد المعرفي عن سيادة أفق فسيح، يتيح للجاهدين على طريق المعرفة ان يفتحوا بصائرهم أمام ما فات على اسلافهم، فيفتحوا كوىً جديدة، يبصرون من خلالها الجديد، ويخلقون الفضاء النموذجي لما يتناولونه من أفكار.

ولا يفترق النمو والرشد المعرفي عن جرأة تستند إلى تراث معرفي غني، نعم العقل المستند إلى معرفة، والمسلح بقلب جسور، قادر على ان يفتح شرخاً في الجدار السميك الذي يتشكل بشكل طبيعي، جراء الرهبة، جراء الهالة التي يخلقها الشعور بتفوق المنتجين، ووصولهم إلى نهايات معرفية.

هناك وجه آخر يمكن ملاحظته للجدل الراهن حول الحكمة العملية، يرتبط بمركز انطلاق الفريقين. فالفريق الذي تابع حكمة الغرب استند إلى مركز الانطلاق الذي رسمته الحكمة الغربية الحديثة. فحكمة الغرب عامة انطلقت من التحليل المعرفي لقضايا العقل العملي، بعد ان قلبت ظهر المجن للميتافيزيقيا ونظرية الوجود. فحتى نظريات فيلسوف العقلية عما نوئيل كَنْت استندت أساساً إلى أدوات التحليل المعرفي، إلى نظرية المعرفة. اما الفريق الذي أراد الباس نظرية العقل الكلامية رداءً فلسفياً فقد تابع درسه لاشكاليات البحث من الانطولوجيا ونظرية الوجود، وحتى العلاّمة الطباطبائي رائد مدرسة الاعتبار والمواضعة والمناهض الفلسفي لنظرية المتكلمين العقليين انطلق في تحليله من التفرقة بين الوجود الحقيقي والوجود الاعتباري.

على ان هناك تمايزاً بين الاتجاهين الرئيسين في الجدل موضع درسنا. ذلك ان الاتجاه الذي اعتمد على معطيات فكر الغرب استند إلى نظريات مؤسسة، وقد توفرت هذه النظريات على الزمن المطلوب لاختمارها، بغض النظر عن سلامة وصحة تلك النظريات. ومن ثم جاء طرح هذا الاتجاه محدد المعالم، عارفاً لما يريده، وما يتوخاه، وما سيتسجل لديه.

بينا بدأ الاتجاه الاخر من نقطة الصفر، ولم يتوفر بعد على الوقت الكافي لكي يؤسس قاعدة محددة المعالم، تتحدد في ضوءها نتائج محاولاته. ومن هنا تلاحظ الهفوات الواضحة، وروح التشبث باللغة الخطابية، والخلط بين ميادين البحث. فمن محاولة الدكتور حائري الشمولية لالغاء كل فكرة اعتبارية، وادخال الاعتبار في صميم الحقيقة الوجودية الواقعية، إلى محاولة مقال أبو القاسم فنائي في الخروج من اشكالية هيوم ]الانتقال من الواقع إلى الواجب[ بان قول الطبيب (يجب عليك استخدام الدواء س) يرجع في جوهره إلى الجملة الشرطية (إذا أردت الحفاظ على صحتك فعليك باستخدام الدواء س)، ومن ثم فالطبيب يُخبر عن علاقة واقعية بين الصحة واستخدام الدواء س، ومن هنا جاز الانتقال من الواقع إلى الواجب، وأصبح قول الطبيب (يجب عليك استخدام الدواء س) أمراً واقعياً وليس نقلة من الواقع إلى الواجب!!!

وحينما نعطف الحديث على تقويم تفاصيل اتجاهي الجدل الراهن نجد ان الباحث قد اهتم في دراسات سابقة بعرض ونقد معطيات اتجاه العلاّمة الطباطبائي والدكتور مهدي حائري، وهما يمثلان قطبي التعارض في حديهما الاعلى، إذ يمثل العلاّمة مدرسة الاعتبار والمواضعة مع محاولة تأسيس لنظرية الاعتبار عامة، ويمثل الدكتور حائري اتجاه مدرسة العقل الكلامية متسلحة بأدوات الفلسفة مع نزوع جامح لتضيق دائرة الاعتبار وتحويله إلى جزء من هرم الوجود.

مضافاً إلى ان دراستي السابقة وبحوثاً ضمن هذه المجموعة من الدراسات ألقت الضوء على اتجاهات الحكمة الغربية، وعلى وجه الخصوص اتجاهات المدرسة الانجليزية. حيث عرضت وناقشت اتجاه الفلاسفة الوضعيين، وأتت على ذكر نظريات آير ومور وسيرل واوستن وغيرهم من فلاسفة الاعتبار والمواضعة. واهتمت بدرس مستقل لهوية الاحكام العملية، وهذا الدرس يشكل المنطلق الاساس لنظريات المدرسة المشار إليها.

 

رغم ذلك أجد هذه الدراسة فرصة لاشباع البحث حول موضوعين رئيسين:

        1 ـ العلاقة بين العلم والاخلاق.

        2 ـ نظرية الانتزاع الفلسفية ومصير الاحكام العملية.

وبهذا نستطيع تقويم اتجاه سروش واتجاه مخالفيه، حيث يتمحور حول الموضوع الاوّل، ونخرج بتصور واضح ومدروس عن جدوى استخدام نظرية الانتزاع الفلسفية في موضوع بحثنا.

 

1 ـ العلاقة بين العلم والاخلاق:

استقر الرأي في عامة حكمة الغرب ـ منذ دافيد هيوم ـ على التفرقة والفصل الحاسم بين أحكام الواقع وأحكام القيمة، بين العلم الواقع وبين الاخلاق والقيم، وبين الموجود والواجب. فالواجبات الاخلاقية ليست قضايا تحكي عن واقع موضوعي، يمكننا مراجعته لاكتشاف تطابق هذه القضايا مع ذلك الواقع. بل هي من جنس آخر غير جنس الطبيعة وعالم التكوين.

"وما دامت الاحكام الاخلاقية مختلفة عن أمور الواقع وعن علاقات الافكار معاً بحيث لا يمكن ان تستنتج منهما، ولم يكن في مستطاع العقل ان يحسم المسائل الاخلاقية"(224) ويرى عدد كبير من المفكرين ان الاضافة الاساسية التي أضافها هيوم إلى علم الاخلاق هي: "ان النقلة المنطقية مستحيلة مما هو (كائن) إلى (ما ينبغي ان يكون)، أو من الوصف إلى التقويم"(225).

تابع هذا الاتجاه كثير من حكماء الغرب، واتفقوا على جوهر اشكالية هيوم (استحالة الانتقال من الواقع إلى الواجب وبالعكس، وعدم وجود علاقة منطقية بين الاحكام الواقعية والاحكام القيمية)، رغم تنوع أساليب هؤلاء الحكماء في السير بهذا الاتجاه. والباحث الايراني المعاصر الدكتور عبدالكريم سروش انضم إلى موكب هؤلاء الحكماء. وانتهج أسلوباً من بين الاساليب المتنوعة التي طرحت في أطار هذا الاتجاه. ويمكننا ان نضع وجهة نظر سروش في النقاط التالية، اعتماداً على نصوصه، كما جاءت في دراسته الموسومة (العلم والقيم) وبالفارسية (دانش وارزش)(226):

أ ـ لا يمكننا ان ننتظر من الاحكام العلمية والفلسفية للطبيعة والتكوين ان تدلنا على ما يجب ان نفعل.

ب ـ الواقعية لا تعني ان نتعرف على نهج الفطرة أو الطبيعة أو التاريخ لكي نختاره، فهذا هو عين الاخلاق العلمية المتهافتة. بل الواقعية الاخلاقية تعني ان نتعرف على الافعال التي تتعارض مع الفطرة أو الطبيعة والافعال المستحيلة، لكي لا نفكر عبثاً بممارستها وبالامر بها.

جـ ـ ان الكشوف العلمية لا يمكن اطلاقاً ان تنتج مبادئ أخلاقية، لكن هذه الكشوف يمكن ان تكشف لنا عن المبادئ الاخلاقية المتعذرة عملياً.

د ـ بمعونة العلم ومعرفة الطبيعة لا يمكن اثبات قاعدة أخلاقية، ولكن يمكن ابطال القاعدة الاخلاقية بمعونة العلم والمعرفة.

هـ ـ الاخلاقية تستلزم قبول "ما ينبغي" الام والاوّل، حيث لا يستنبط من الواقع، ولا يمكن تفسيره في ضوء الواقع.

لقد أكد سروش ان مصدر الاحكام الاخلاقية يختلف أساساً عن مصدر الاحكام العلمية والمعرفية، لانها أي الاحكام الاخلاقية من جنس الاعتباريات، وهي في جوهرها أوامر وجمل انشائية. لكنه عاد مؤكداً ان الانسان موجود أخلاقي وهذه قاعدة مطلقة، وان القيم الاولية والاساسية الاخلاقية كالعدل والحرية والسعادة والتكامل قيم مطلقة. ثم أكد قائلاً:

"كون الانسان كائناً أخلاقياً لا يعني سوى ان كل عمل إنساني مؤهل للحكم عليه بالحسن والقبح. فاختلاف الافعال الانسانية ليس على غرار اختلاف الحجر والخشب، إذ يتفاوت الحجر عن الخشب تفاوتاً طبيعياً وتكوينياً. لكن تفاوت الافعال الانسانية واختلافها تفاوت قيمي وأخلاقي، وهذا التفاوت هو الذي يضع البعض في زمرة المحسنين والبعض الاخر في زمرة المسيئين.

وهذا هو معنى القاعدة العامة ]الانسان كائن أخلاقي[، حيث انها قاعدة عامة مكانياً وزمانياً، ولا تقبل الاستثناء. ولا تصدق هذه القاعدة ما لم يكن الانسان مؤمناً وملتزماً بقيم أخلاقية"(227).

وأخيراً نراه مؤكداً على:

"الادميون ـ سواء ارتضوا أم لم يرتضوا ـ يستجيبون لنداء (الواجبات) في حياتهم بحكم الحاجة وتبعاً للظروف وتحت سلطة القوى الداخلية. لكن كل إنسان رشيد يحاسب نفسه باستمرار في لحظات الوعي النادرة، ويطرح عليها الاستفهام: لماذا استجبت لنداء هذا (الواجب) دون غيره؟ ويسعى الادميون برغبة ملحة إلى الوقوف على الامر والواجب الذي يسوغ نفسه بنفسه، فيستريحون من الاستفهام عن مبرر طاعة الامر والامر. ويتساءلون مع أنفسهم يجب علينا ان نرجح طاعة واجب، فهل هذا الواجب مرجح بذاته؟ إذن نحن مضطرون إلى طاعة أوامر آمر، ومن ثم علينا البحث عن آمر لا يمكن ان نقول له ما هو مسوغ ان تأمر وتحكم؟ آمرٌ وجوده عين أمره، وأمره عين وجوده، ارادته عين ذاته وذاته عين ارادته، طالب بالذات ومطلوب بالذات. يمكن ان تسأل من الجميع لماذا تأمرون، اما بالنسبة له فلا مجال لهذا السؤال.

هذا هو (الواجب) الاعلى، واجب الواجبات ومنبع الاوامر، فهو وحده الذي لا يسأل عن أوامره ولا يطلب تبرير لها...

أي لا يصح ولا يسوغ الاصغاء لا لنداء الفطرة ولا لنداء الوجدان ولا لامر الطبيعة وحكم التاريخ، ما لم يكن هناك أمر أعلى منها وعلى رأسها، ثم يدعو للاصغاء إلى تلك النداءات"(228).

لدينا أسئلة نطرحها على اتجاهات (سروش) قبل ان نعود إلى البحث

في العلاقة بين العلم والقيمة. أسئلة نطرحها على الاتجاه الذي

اختاره في النصوص الاخيرة، لنرى حجم الانسجام والتوافق بين مجموع مفاصل هذا الاتجاه:

 

اولاً: كيف يمكننا الجمع بين وسم الاحكام الاخلاقية ومنظومة القيم بانها أحكام اعتبارية وبين حمل سمة الاطلاق والعموم وعدم قابلية الحكم للاستثناء على القيم الاساسية كالعدل والحرية والسعادة والتكامل. ليس هناك من حكم اعتباري في عالم الوجود وهو يأبى عن التقييد والتخصيص، الاعتبار من شأن شرائع الاخلاق ومذاهب الفضيلة، وأحكامها لا يمكن ان تكون واقعية وعملية وتكون في الوقت ذاته أحكاماً مطلقة وعامة ولا تقبل التخصيص.

 

ثانياً: ما دامت القيم الاخلاقية ـ كما ذهب سروش وهو على حق في ذلك ـ تمثل في جوهرها أوامر وواجبات، فما معنى وجوب التكامل والحرية والسعادة والعدل أيضاً؟ ألان التكامل والحرية والسعادة مطالب فطرية وتنسجم مع التكوين والخلقة؟ وهذا يعني عودة سروش إلى المذهب الطبيعي في الاخلاق، وقد أكد تبعاً لهيوم ومور على معارضته لهذا الاتجاه، لانه يربط القيم بالتكوين والاخلاق بالعلم والمعرفة.

والعدل لا يعني سوى (الواجب). فالعدل يتحدد في ضوء مفهوم الواجب، وليس العدل مبدأ متعالياً، انما هو مفهوم لاحق يتحدد في ضوء نظام الواجبات الاخلاقية.

 

ثالثاً: كيف تكون القاعدة (الانسان كائن أخلاقي) قاعدة مطلقة؟ بينا لا يجد سروش أي مسوغ لطاعة الواجبات الاخلاقية، ما لم تنبع من أوامر الله، الامر الذي تكون ارادته عين ذاته، الامر بالذات والمطلوب بالذات!

ان الحفاظ على اطلاق قاعدة (الانسان كائن أخلاقي) يستدعي الايمان بان كل الادميين يستمدون أخلاقيتهم من الايمان بالله، ومن الاذعان بانه مصدر الواجبات وان طاعة أي أمر أخلاقي تستمد مشروعيتها من استلهام وطاعة الواجبات الالهية!

 

رابعاً: حقاً هل يتوقف الاستفهام عن مسوغ طاعة الاوامر الالهية بغض النظر عن ادراك العقل للواجبات الاخلاقية؟ هل يمكن طاعة أوامر اله كاذب متجاوز خائن بخيل محتال؟ أنا أعتقد ان طاعة الواجب الالهي تتوقف على مفهوم للالوهية مسبوق بفكرة محددة عن الواجبات الاخلاقية الاساسية، وبحكم توفر الاله على القيم الاخلاقية المترتبة على تلك الواجبات الاخلاقية حق له الطاعة، بوصفه التجسيد الكامل لكل قيم الخير والعدل والواجب.

ان مجرد الايمان بان الله موجود وارادته عين ذاته وأمره عين وجوده لا يسوّغ طاعة أوامره وامتثال نداء واجباته. وحتى الايمان بكونه معشوقاً ومطلوباً بالذات، فهذا الايمان بطبيعته لاحق ومؤسس على حكمة عملية وعقل عملي مدرك للواجبات الاخلاقية. نعم فرحلة العشاق والعرفان الحق لا يتأسس بالطفرة والبداهة، انما هي رحلة مؤسسة لاحقة للعقل العملي وتهذيب السلوك والممارسة القائمة على طاعة الواجبات الاخلاقية. ان ما يبرر عشق الله هو حكمة عملية يتحلى بها العاشق ويجدها أكمل وأعلى في ذات المعشوق.

 

خامساً: ان أشعرية سروش واستشهاده بالنص في تبرير طاعة الواجب الالهي (لا يُسئل عما يفعل وهم يسألون) تواجه أسئلة محرجة في ضوء ما انتهى إليه الرجل من مواقف في أيامه الاخيرة، مواقف منحازة تماماً للتعددية الدينية والليبرالية المطلقة. لا بد ان يكون الرجل قد أجرى تعديلاً على الافكار التي قدمنا لها، لكنني لم أطلع حتى الان على ما يوثق توقعاتنا، لنحفظ له الانسجام في المواقف.

نعود إلى العلاقة بين العلم والاخلاق، حيث أكد سروش على ان العلم والمعرفة العلمية لا تنتج القاعدة الاخلاقية وليس بوسعها ان تثبت القاعدة الاخلاقية، لكنها تستطيع ابطال القاعدة الاخلاقية، وذلك عبر الكشف عن عدم عملية القاعدة، حيث يستطيع ان يكتشف امكانيات الواقع، ويؤكد انها لا تتيح لهذه القاعدة فرصة الحياة، ومن ثم فالتطورات العلمية وتحولات الواقع عامة تحذف وتشذب القواعد الاخلاقية. والعلم يساهم أيضاً عبر اكتشافاته للواقع ان يحدد للفاعلين خياراتهم العملية دون ان يحدد لهم التكليف والوظيفة العملية.

لايضاح هذه الفكرة نأخذ المثال المتقدم "يجب استخدام الدواء س" حيث ترجع هذه الجملة إلى الشرطية التالية "إذا أردت الحفاظ على صحتك فيجب عليك استخدام الدواء س". الطب يكتشف العلاقة بين الصحة وبين الدواء "س"، ولاجل الحفاظ على الصحة يحدد للادميين أفضل خيار متاح في ضوء كشوفه. لكن الطبيب لا يستطيع ان يقرر للمريض في ضوء العلاقة بين الصحة وبين الدواء وجوب استخدام الدواء. أي ان الطبيب لا يستطيع ان يقنع أحداً لا يؤمن بوجوب الحفاظ على الصحة بوجوب استخدام الدواء "س".

ان الطب يقوم باكتشاف الواقع وتحديد العلاقة بين ظاهرة السلامة والصحة وبين استخدام "س". لكن الطب لا يستطيع ان يحدد الوظيفة والتكليف. انه يحدد صغريات الحفاظ على الصحة ووسيلة الحفاظ على الصحة. اما وجوب الحفاظ على الصحة فهذا شأن الامر من عقل أو شريعة أو قانون. على ان ننبه إلى أن هناك من يقول ـ ونحن معه ـ ان الحفاظ على الصحة ليس حكماً أخلاقياً يستدعي نداءً علوياً من عقل أو تشريع، بل الانسان مدفوع غريزياً للحفاظ على حياته وصحته، ومن ثم لا حاجة للبحث عن حكم العقل، لاثبات هذه الوظيفة الحيوية، التي تقتضيها الحياة البيولوجية.

من هنا يتضح الخطأ الذي وقع فيه أبو القاسم فنائي حيث ذهب قائلاً: "فحينما يقول الطبيب لمريضه: (يجب عليك استعمال الدواء س) يرجع مضمون قوله إلى الجملة (إذا أردت الحفاظ على صحتك عليك باستعمال الدواء س). نلاحظ هنا ان الغاية هي الحفاظ على الصحة ومراجعة المريض إلى الطبيب دليل على ارادته لهذه الغاية. من هنا فالطبيب يخبر عن علاقة وضرورة واقعية، وكلامه يحكي عن واقع يمكن تصديقه أو تكذيبه بالرجوع الى عالم الخارج، فإذا كان استعمال الدواء لا يؤدي إلى الحفاظ على الصحة يصبح كلام الطبيب كاذباً ومخالفاً للواقع".

 

نلاحظ اولاً: خطأ الربط بين وجوب استعمال الدواء س وبين ارادة الحفاظ على الصحة. إذ الربط في الحقيقة بين حكمين عمليين، وهما وجوب الحفاظ على الصحة ووجوب استعمال الدواء (س). إذ مجرد الرغبة في الحفاظ على الصحة لا تؤدي إلى الحكم بوجوب استعمال الدواء (س).

 

ثانياً: الطبيب ليس من مهمته كعالم ان يقرر وجوباً عملياً، انما يقرر حكماً تجريبياً مفاده ان الدواء (س) يحفظ الصحة، وحينما ينصح المريض باستخدام الدواء لا يقرر له وظيفة عملية، ما لم يكن المريض معتقداً بكبرى هذه الوظيفة.

 

ثالثاً: هل يستطيع الطبيب ان يقرر في ضوء الكشوف العلمية وجوب الحفاظ على الصحة؟ من الواضح ان هذا الوجوب ينبع من مصدر آخر غير علم الطب والمعرفة الطبية. نعم الطبيب يستطيع ان يحدد للمريض خياره العملي الامثل في الحفاظ على صحته. ويبقى المريض وأوامر العقل العملي وأحكامه.

حينما نعود إلى المقياس الذي طرحه سروش (العلم لا يثبت الاحكام العملية، بل يمكنه ابطالها) نجد ان هذا المقياس يشبه معيارالتمييز الذي تبناه سروش تبعاً لبوبر في حقل المعرفة العلمية، حيث انها أي المعرفة العلمية لا تتميز عما سواها بقابلية التأييد والاثبات، بل تتميز بان لها قابلية الابطال والتكذيب.

البحث في موضوع المعرفة العلمية يتطلب مجاله المستقل، ولا أظن اننا متفقون مع بوبر في تقويم المعرفة العلمية التجريبية، وفي الغاء قيمة الدليل الاستقرائي معرفياً. وهذا بحث نزمع على وروده في فرصة لاحقة. لكننا في مجال الحكمة العملية نتفق مع الرأي القائل باختلاف نسق الاحكام العملية عن الاحكام النظرية، وباختلاف مصادرومنابع هذه الاحكام.

رغم ذلك نجد ان المعرفة العلمية لا تساهم فقط في حذف الاحكام العملية بمعنى الكشف عن عدم عقلانيتها، لعدم امكانها وتعذر تنفيذها، بل تساهم أيضاً في تأييد وتعزيز الحكم العملي. لان مسيرة العلم طالما عززت أحكاماً عملية، عبر اثبات انسجامها. إذ الواقع هو الحقل الاساسي لاختبار منظومة القيم والاحكام العملية، حيث يتاح رؤية تعايشها.

 

2 ـ نظرية الانتزاع الفلسفية ومصير الاحكام العملية:

قبل تحديد الموقف من جدوى توظيف نظرية الانتزاع في حقل الاحكام العملية، علينا ان نلقي الضوء على نظرية الانتزاع ذاتها:

التصورات والمفاهيم التي يتوفر عليها الذهن البشري عالم متنوع. وقد اختلف الفلاسفة منذ عصر اليونان حتى يومنا حول تفسير هذا التنوع. هناك تصورات يقف خلفها واقع حسي، فهي مفاهيم مستقاة من عالم الخارج. ومن ثم تكتسب واقعيتها بحكم تمثيلها للعالم الموضوعي خارج عالم الذهن ومعطياته. لكن هناك مفاهيماً يتعذر ردها لعالم الحس، فهل تدخل في اطار النظام اللغوي ونخرجها من عالم المعرفة الحقيقية أم نضعها في اطار الوجود الذهني وعالم العقل دون ان تكون لها صلة مع العالم الموضوعي، فتكون جزءاً من معطيات العقل وعالم الذهن، أم هناك حيلة لحفظ ارتباطها بعالم الخارج بالشكل الذي تبقى منظومة المعرفة واقعية في الوقت الذي تضم فيه تلك الصور والمفاهيم؟

هذه هي اتجاهات الجدل حول هذا الموضوع كما تنعكس في ضوء دراسات متأخري رجال الحكمة والفلسفة الاسلامية. الحسيون والعقليون والانتزاعيون، أو ما يسمّى بالاسميين والتصوريين ومذهب الانتزاع الذي ينسب إلى الحكماء المسلمين. لكن هناك اتجاهاً آخر ينسب إلى القديس انسلم وهو ما يُدعى بالواقعية، "فالواقعيون وفي مقدمتهم القديس انسلم، يرون ان الاجناس والانواع أشياء موجودة، بل هي كل الاشياء، لانها النماذج الاولى للعالم الحسّي جميعه"(229).

إذا أردنا ان نمرّ على التاريخ نلاحظ ان هناك خلافاً بين الافلاطونية والمشائية حول عالم تقرر الكليات الخمسة. فهل يستطيع الادراك الحسي ان يكون منبع ادراك المعقولات التي تتقرر في عالم الانسان الفعلي، أم ان الادراك الحسي لا يمثل سوى مثير ومنبه للعقل بغية استذكار هذه الحقائق الثابتة في عالم المثل؟ يرى بعض الباحثين(230) ان المشكلة طرحت من جديد في أوّل "ايساغوجي" فرفوريوس، فأثارت جدلاً في العالم المسيحي في العصر الوسيط فكانت الواقعية، وكانت الاسمية التي أنكرت وجود الافكار العامة وكانت التصورية التي أثبتت وجودها في عالم الذهن فحسب.

أما الفلاسفة المسلمون فما هي حقيقة مذهبهم؟ هل أنكروا المثل الافلاطونية، هل قالوا بالتجريد الارسطي، ومتى بدأت فكرة المعقول الثاني؟ أسئلة نتركها لبحث تاريخي معمق، لكن الاتجاه المتداول بين أنصار مدرسة الحكمة المتعالية هو ما يُعرف بنظرية الانتزاع، وهي بدورها تتطلب انتزاعاً عسيراً في مقام تصورها الواضح الشامل.

لا يهمني هنا الدخول في درس وتحقيق حول نظرية الانتزاع، وتطور البحث والخلاف حول تفاصيل هذه النظرية. فهذا ما يستدعي بحثاً موثقاً، ورعاية للامانة العلمية، حيث لم نلمس ذلك في مقال السيد فنائي.

على أي حال سأتابع ما طرحه فنائي بشأن انتزاعية الاحكام الاخلاقية وفق ما جاء في مقاله:

أ ـ تنتزع الصفات الاخلاقية من بعض الموضوعات بالنظر إلى ذات الموضوع دون قيد أو شرط: (السعادة بالذات أمر مطلوب) (العدل بذاته حسن). والعقل لا يطلب دليلاً بل يدرك توفر الموضوع على الصفة بالبداهة.

يحق لي ان أتساءل عن القضية البديهية، فهل يكون الحكم في القضايا التي يُدعى بداهتها منتزعاً ومعقولاً ثانياً؟ إذا كان الحسن منتزعاً من مفهوم العدل فأي حاجة إلى دعوى البداهة وطلب الدليل؟ الانتزاع يتم في المرحلة التصورية للمعرفة، فما بالنا نتعب أنفسنا بطلب الدليل على اثبات المحمول للموضوع.

ثم لوعدنا إلى المفاهيم الانتزاعية، فأي حكم انتزاعي يمكن حمله على منشأ انتزاعه؟ قالوا ان (إلاّ مكان، والضرورة، والامتناع، والوحدة، والكثرة، والعلية، والفعل، والقوة...) مفاهيم ومعقولات ثانية فلسفية، فهاكم افرضوا أي منشأ لانتزاعها، وجربوا حملها عليه! المرحوم مطهري يؤكد ان المعقول الثاني الفلسفي معنى اسمي ومنشأ انتزاعه معنى حرفي قائم في الخارج(231)، فهل يصح ان يكون الموضوع في القضايا الاخلاقية معنى حرفياً؟!

طبعاً ان الاتجاه الذي نتبناه يؤكد ان (السعادة) مفهوم لا يمكن ان يتخذ أساساً موضوعاً للاحكام الاخلاقية، ومفهوم (العدل) لا يتجاوز مفهوم الواجب إذا أخذناه مجرداً، اما إذا ربطناه وقيدناه بالعدل الاجتماعي أو القضائي أو الاقتصادي فسوف يصبح مفهوماً نسبياً يتحدد في ضوء نظام الواجبات الاخلاقية التي تتبناه كل جماعة بشكل سابق على نظامها الاقتصادي والاجتماعي والقضائي، الذي يرسم وفق قيمها ومثلها، التي تتحدد بدورها على أساس مما تتبناه مما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله في هذه الحقول.

ب ـ بعض الموضوعات الاخلاقية يتطلب انتزاع الصفات الاخلاقية منها إلى حيثيات سلبية... السعادة الدنيوية والصدق... هذه الموضوعات تتصف بالحسن بشرط عدم تعارضها مع قواعد أخلاقية أهم منها.

نلاحظ: ان السعادة الدنيوية (الرفاه) والصدق بلحاظ الذات ينتزع العقل منهما الحسن والمطلوبية ـ حسب ما جاء في مقال فنائي ـ وذلك عبر الشهود العقلاني وبلا حاجة إلى استدلال. لكن هذا الانتزاع سرعان ما يتحول إلى انتزاع آخر عبر تعارض هذه الاحكام مع قواعد أخلاقية أهم منها، وهذه القواعد ـ حسب فنائي ـ قد تدرك بالبداهة أو تعرف بالاستدلال.

 

وهنا أسجل النقاط التالية:

1) متى يتم التعارض بين القواعد الاخلاقية؟ القواعد الاخلاقية في عالم البداهة والشهود العقلاني لا تتعارض على الاطلاق، عالم العقل المحض المجرد عن ملابسات عالم الخارج عالم تتعايش فيه الاحكام الاخلاقية بسلام ووئام. انما ينشأ التعارض جراء ملاحظة الافعال وأحكامها في عالم الخارج، أي بعد أخذ القواعد الاخلاقية كأحكام للتشريع وقوانين لمذهب الفضيلة والسلوك التفصيلي. ومن هنا نستبعد تماماً ادراك القاعدة الاخلاقية المعارضة لاحكام الواجب البديهي ادراكاً بديهياً.

2) من قال ان الرفاه المادي مطلوب ببداهة العقل؟ الرفاه المادي يرتبط تحديد مفهومه بالمستوى الثقافي للاجتماع الانساني، وإذا ربطناه باللذة والمنفعة يصبح الرفاه المادي مطلوباً غريزياً، خارج عن دائرة الواجبات الاخلاقية، بل تسعى المذاهب الاخلاقية جميعها لوضع الاحكام التي تضبط الدوافع الغريزية، كل حسب رؤيته.

جـ ـ بعض الموضوعات الاخلاقية يتوقف اتصافها بالصفات الاخلاقية على عروض جهات مصححة.

نلاحظ: ان أي فعل من الافعال حينما يتوقف حمل الحكم العملي عليه إلى لحاظ جهة يفضي إلى توقف أخلاقية الحكم عل هذا الفعل على طبيعة الجهة الملحوظة في اطلاق هذا الحكم. أي ان هذا الحكم سوف يخرج من دائرة المبادئ الاساسية للاخلاق، بينا الذي يقرر اخلاقية الحكم هو المبادئ الاخلاقية. أي ان توقف أخلاقية الفعل على جهة أو اعتبار يلازم جزئية الحكم الاخلاقي، وعدم عمومه واطلاقه، وبهذا لا يكون حكماً أساسياً عقلياً.

د ـ أكد فنائي على ان الحسن والقبح الشرعيين ينتزعان من موضوع الحكم الشرعي بلحاظ الاحكام الشرعية.

وسؤالنا هنا يتركز على ملاحظة عامة لا تقتصر على الفقرة اعلاه: ما المعني بالحسن والقبح؟ هل يراد منه في حقل الاخلاق أمراً آخر غير ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله؟ ثم لو ذهبنا إلى ان الحسن صفة تلحق الفعل فلِمَ لا يكون الامر الشرعي والنهي الشرعي هو أساس اطلاق هذه الصفة على مواضيع الاحكام العملية. أي ان الامر والنهي الشرعيين يستخلص منهما حسناً وقبحاً، وسوف يكون الحسن والقبح هنا معادلاً للمصلحة والمفسدة، انطلاقاً من القاعدة العامة في الاحكام العقلائية، حيث تسن هذه الاحكام لمصالح ومفاسد يتوخاها المشرع، ففي ضوء الحكم العقلائي من أمر أو نهي نستكشف وجود مصلحة تترتب على الفعل المأمور به.

ثم كيف يمكن ان يكون الحسن والقبح الشرعيين مفاهيماً منتزعة من موضوع الاحكام الشرعية، ومواضيع هذه الاحكام غالباً ما تكون مواضيع اعتبارية؟ بينا نحن نتحدث عن انتزاع الصفات الواقعية الحقيقية. فما يترتب على المواضيع الاعتبارية من صفات في ضوء الامر والنهي بها لا يمكن ان يكون معقولاً ثانياً ينتزعه العقل من مفهوم عام هو معقول أوّل، ويلزم من فرض تحققه تسلسلاً!

وأخيراً: توخى فنائي من كل ما ورد في مقاله إلى اثبات واقعية الصفات والاحكام الاخلاقية، لكي يخلص إلى اثبات الارتباط الحقيقي بين قضايا العلم الواقعية، وبين الاخلاق والاحكام الاخلاقية، بين الواجب والواقع. نحاول هنا القاء الضوء ضمن نقاط على طريقته في استخلاص النتيجة المتقدمة:

1 ـ في ضوء التمييز بين الاحكام الاخلاقية الانشائية والاحكام الاخلاقية الخبرية يؤكد ان هناك ارتباطاً غير مباشر بين الاحكام الانشائية وبين أحكام الواقع ومبادئ الاخلاق.

اما كيف يتم ذلك؟ بالنسبة لاحكام الواقع يقول: "ومن الشروط غير الاخلاقية القدرة والاختيار في انتخاب الفاعل للفعل والترك، وعلى هذا الاساس لو ثبت علمياً ان الفرد غير قادر تكوينياً على انجاز فعل ما فسوف نستنتج من هذه المقدمة العلمية ان هذا الفرد غير مشمول بالامر والنهي الاخلاقيين".

نلاحظ: ان هذا الكلام يقوم على أساس القول بان القدرة على الفعل شرط لاخلاقية صدور الامر والنهي الاخلاقيين. بينا ان مصب البحث عن تحديد العلاقة بين الامر والنهي الاخلاقيين وبين الواقع. اما علاقة القدرة وحرية الارادة بالواجبات الاخلاقية فلا تتوقف على أحكام الواقع، بل هي علاقة جوهرية قائمة في ذات الواجبات الاخلاقية، الواجب الاخلاقي لا يمكن ثبوته لا في عالم الواقع أو الذهن ما لم تفترض ارادة حرة.

أضف إلى ذلك ان صدور الاوامر والنواهي الاخلاقية وتوجيهها إلى غير القادر لا يفضي إلى الحكم بان اصدار مثل هذه الاوامر عمل غير أخلاقي بل لا يتعدى ان يكون عملاً غير عقلائي ومنافياً لحكمة التدبير.

ولو سلمنا بان العقل يحكم بقبح تكليف العاجز، أي ينهى عن هذا التكليف، وان لدينا مقياساً أخلاقياً لاصدار الاوامر والنواهي. فهل ترتبط الاحكام الاخلاقية بالاحكام العلمية الواقعية حينما تكتشف ان الفعل س غير مقدور؟

ان نفي ارتباط الاخلاق بالعلم يعني ان العلم والمعرفة العلمية لا تنتج مقياساً أخلاقياً، ان التطور التقني لا يحدد لنا مقياس العدالة وأسس المساواة وغيرها من القيم الاخلاقية، ان الاخلاق وما ينبغي فعله ليست خاضعة لمتطلبات التكوين والغريزة. هذا هو المنفي، اما إذا اكتشف العلم ان (س) غير مقدور، فلا نستطيع اخراج الامر بـ (س) من دائرة الاحكام الاخلاقية ما لم نتوفر على مقياس يقول ان الامر بغير المقدور لا ينبغي فعله، وعندئذ نقول: (س) غير مقدور وكل غير مقدور يقبح الامر به، إذن (س) يقبح الامر به. وهذا تطبيق للقاعدة الاخلاقية على مصداقها. ولا ينفي أحد هذا اللون من الارتباط بين العلم والواقع، بين الاخلاق والمنطق. ان تطبيق القواعد الاخلاقية على مصاديقها ليس شأناً من شؤون العقل العملي، بل هو نشاط عقلي نظري، ولا يمكن لاحد أن يدّعي أن تطبيق الكبرى الاخلاقية على مصداقها يفضي إلى علاقة استنتاجية بين الاخلاق والعلم.

2 ـ أعاد فنائي البحث حول انشائية أو اخبارية الاحكام الاخلاقية، وأكد ان الاحكام الاخلاقية الاخبارية ترتبط بالواقع ارتباطاً منطقياً،

ويصح استنتاج بعضها من البعض. ويضرب مثالاً قائلاً: "ان حسن وقبح ووجوب وحظر بعض الافعال يرتهن بالنتائج والمصالح والمفاسد المترتبة على الفعل، وعن طريق هذه النتائج يمكن اثبات أو ابطال الحسن والقبح والوجوب والحظر، وحيث ان العبارات التي توضح نتائج الفعل قضايا علمية أو فلسفية يكون اثبات وابطال الصفات الاخلاقية عن طريق نتائج الفعل معادلاً للارتباط المنطقي بين الاخلاق والعلم والفلسفة، رغم ضرورة اثبات أخلاقية النتائج".

 

نلاحظ:

أ ـ نحن لا نؤمن بان المبادئ والاحكام العقلية العملية ترتبط بالمصلحة والمفسدة. فالمصالح والمفاسد مدركات بعدية تتحدد وفق مقاييس الضرر والنفع، وهي مقولات من عالم آخر غير عالم القيم الاخلاقية.

ب ـ أكد فنائي على ضرورة اثبات أخلاقية النتائج. أي اثبات اتصاف المصالح والمفاسد المترتبة على الافعال بانها أخلاقية، أي انها مطلوبة أخلاقاً، وتخضع لمقاييس الواجب. وهذا يعني من وجهة نظرنا عدم امكان قيام الاخلاق والاوامر الاخلاقية على أساس المصالح والمفاسد، لان المقاييس والاحكام الاخلاقية تحدد لنا ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي بغض النظر عما نكتشفه من منافع ومغانم وخسارات ومخاطر في الافعال.

حـ ـ ان العبارات التي تثبت أو تبطل الصفات الاخلاقية في الافعال إِخبارية دون شك، واخبارية هذه العبارات لا ينتج اخبارية الاحكام الاخلاقية، ومن ثم تتعذر الرابطه المنطقية، التي اتعب الباحث المحترم نفسه في اثباتها.